1

منبر العدالة..الحاجة إلى المصلح

تصدر عن تنظيم مستقبل العدالة
العدد
شعبان 1434هجري – 2013 ميلادي

الصفحة (1)

الحاجة إلى المصلح العالمي…

يامهدي
يتصور البعض وربما يدعي أن فكرة المهدي المنتظر فكرة شيعية وحسب، روج لها أتباع المذهب، وجاء ذلك نتيجة لظروف معينة مروا بها، والحقيقة أن القضية المهدوية فكرة إسلامية عميقة وتكاد تكون عالمية بل هي كذلك.
واعتماداً على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما سمعوه وما نقل لهم منه وما ذكره الفريقين من الشيعة والسنة، شعرائهم وسياسييهم، كل ذلك يصب في بحر هذا الطريق ويؤدي إليه.
إن فكرة المصلح والمنقذ تدل على تأصل قضية المهدي عليه السلام، فالإعتقاد بها عالمي يستند إلى حتمية ظهور المخلص والمنقذ الذي تنتظره جميع الأديان والملل – صحيح أن الإختلاف وقع في شخص هذا المصلح وولادته وتوقيت ظهوره – إلا أن القضية ليست مجرد حديث عن شخص مختلف فيه وفي وجوده، أو ظاهرة يتم التنظير لتفسيرها… بل هي مسألة ترتبط أشد الإرتباط بالواقع..ترتبط بالحاجة لنشر الخير والمحبة بين بني البشر وإعمام القسط والعدل في أرجاء المعمورة… فبالإضافة إلى أنها عقيدة سماوية روحية فهي تنسجم مع سيكولوجية الإنسان وما في عقله، ومع حالته الاجتماعية ونُظمه السياسية.
إن قضية المهدي المنتظر- المنقذ للعالم أجمع موجودة وتتطور عند البشر كلما أحست البشرية بالحاجة إلى هذا المنقذ، وما سلسلة الأنبياء والرسل إلا تحقيقاً لهذه الحاجة في نفس الإنسان التواقة إلى رسم المستقبل المشرق لبني هذا الجنس، وهي حاجة تنبع من الإحساس الفطري إلى من يخلص العالم من الظلم والجور ويحقق الحُلم العالمي ببناء نظام إنساني مستقر يرفل بالأمن والخير والسلام. وكلما تعرض بني البشر لكوارث الظلم، واستغلال بني الإنسان، وجرائم الحاكمين، ومصائب الطامعين.. كلما ازدادت حاجتهم بل وتفكيرهم بهذا المصلح المخلص المنقذ والمهدي المنتظر.. وكلما واجه العالم أتون البؤس والفقر، ومسته نار الحرمان والتهميش، كلما ارتسمت أمامه صورة الإشراق وازدادت عنده وتعاظمت حالة الإنتظار.
ولا يختلف البشر في ذلك وإن اختلفت معتقداتهم ومصادر تلك المعتقدات، فهي عند معتنقي الأديان السماوية ومتبعي الملل الوضعية فهو (بوذا) عند البوذيين و(تيودور) عند الأحباش، أما عند اليهود فـ (مسيا) وعند المسيحيين (البار قليط)، وعند المسلمين (محمد المهدي).
فعقيدة الإنتظار للمصلح والمنقذ هي عند كل البشر … وفي كل المعتقدات وهي قبل الإسلام وهذا دليل على قوة الإسلام … وخير دليل على أصالة الدين وتمثيله لحاجة النفس البشرية. وما تزع إليه من التأسيس لحياة حرة كريمة .. وما يتفق مع الفطرة التي خلق عليها بني الإنسان،لذلك جاء هذا الاتساق بين عقيدة المسلمين وعقائد غيرهم من أصحاب الملل.
لقد مرت على البشرية في خط تاريخها الطويل حالات من الاختناق والتأزم … أفقدتها الأمل بالتخلص مما هي فيه .. فتولدت – وعند كل الأجيال – أن يكون في خلدها حاجة ملحة لمن ينقذها ويخلصها ويزيل عنها ما تراكم من تسلط وحيف، وباتت حاجة فطرية يستشعرها الإنسان كلما ازدادت حالات ذلك الاختناق وتعقدت حالات التأزم، وخيم الظلم وكتم الفساد أفواه العباد، عندها تبرز حالة من الترقب والإنتظار لمن يخلص من على ظهر البسيطة من ورطتهم .. فكان إحساساً عالمياً يشمل الناس جميعاً يحرك في البشر الأمل بالغد المشرق .. وهو إحساس لا يختص بزمان أو مكان، لأنه نابع من حاجة البشر كل البشر.
فمناداة المسلمين باسم إمامهم، والدعاء له، وانتظار الفرج بظهوره لم يأت من فراغ، فهي متجذرة في القدم وأصيلة أصالة البشرية … ثابتة في فكر الإنسان وموجودة وجود الحاجة إلى النور بعد الظلام..إلى الخير بعد انتشار الشر .. وإلى الحاجة إلى القسط والعدل بعد تفشي الظلم والجور.
إن انتشار ثقافة إسلامية مهدوية، برزت على الساحة الفكرية بشكل ملحوظ وإذا استثنينا مسألة الخصوصية فيها، واستبعدنا الإختلاف في تفاصيلها، أصبح لدينا مشتركاً عالمياً تؤيده الحاجة الفعلية، وتدعمه النصوص الدينية، وأولها ما جاء من قوله تعالى (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، ودلالته على عالمية القضية صدقاً، وعلى تطبيقها مصداقاً.

(بقية الله
خير لكم
إن كنتم مؤمنين)

وصدق المُرسلون..

يحيا الإنسان في هذه الحياة بالأمل. والأمل لا يكون إلا إذا إمتلك الإنسان غايةً وحدَّد الطريق الموصِلَ إليها، ووضعه أمام ناظرَيْهِ ليسير على أساسه، ولذا كانت العبثيّة في الحياة باباً لليأس، اليأس الذي يدمِّر حياة الإنسان الماديّة والمعنويّة.
وسلوك الإنسان في هذه الحياة والمواقف التي يتَّخذها يرتبطان إرتباطاً وثيقاً، من ناحيةٍ بالهدف الذي يحدّده، وآخر بالطريق الذي يسلكه للوصول إليه، فمن الناس من يخطئ الغاية ومنهم من يخطئ الوسيلة والطريق، والفلاح لمن أصابهما معاً، فَعلِمَ بالغاية وأدركَ الطريق الموصل إليها.
والله عز وجل لم يترك الناس هَمَلاً، بل بعث من لدنه رسلاً وأنبياء وكلّفهم بيان كلا الأمرين للناس، بيان الهدف والغاية وبيان الطريق.
وقد حدّثنا القرآن الكريم في الآيات التي تعرّضت لقصص الأنبياء عليهم السلام عن التكذيب الذي تعرّض له هؤلاء، فمن الناس من كذّب الأنبياء منكراً الهدف والغاية فأنكر الخالق الرازق، وأنكر المعاد والحساب، ومنهم من كذّب الأنبياء منكراً الطريق واعتبر أنّ السبيل إلى الله لا يأتي من خلال إتِّباع النبوَّات.
والأسلوب القرآنيّ اعتمد الوعد والوعيد في حثّ الناس على التصديق بالحق والإيمان به، كما اعتمد التحدّي المتمثل بما ورد في آيات الكتاب الكريم ممّا ينبئ عن المستقبل الذي ينتظر الفريقين: الفريق المتّبِع والفريق المنكر.
فتحدّث عن العاقبة السيئة التي يواجهها المنكرون على الدوام، والتي كان لسان الأنبياء التحذير منها، وتحدّث عن عاقبة الخير والبركة التي تنتظر أهل الهدى والإيمان والتي كان لسان الأنبياء التبشير بها.
وما تحدّث به الأنبياء هو بوابة الأمل لأتباعهم، يتلقّونه بالتصديق، يُدخل الحماس إلى نفوسهم، ويُلهب مشاعرهم، ويجعلهم أقدر على تحمّل الشدائد والصعاب.
فصِدْقُ الأنبياء في هلاك الظالمين، يبعث الأمل للمظلومين، وصِدقُ الأنبياء في إنتصار أصحاب الحقّ، يخلق دوافع النصرة لديهم. وصِدقُ الأنبياء في وعد الآخرة سوف يُعطي للحياة معنىً جديداً مختلفاً.
وهكذا يشهد الناس في حياتهم هذه صدق دعوى الأنبياء في نبوءاتهم جميعاً، فهلاك الظالم وإنتصار المظلوم، والسنن الإلهيّة التي أخبرنا بها الأنبياء من التمحيص المستمر للناس، واجتماع أهل الكفر والضلال لمحاربة نور العدل والإيمان لا يزال مشهوداً في كلِّ زمان.
وهذا الصدق يبثّ الأمل في نفوس أتباع الأنبياء، ولذا تراهم يعيشون الأمل حتّى في أحلك الظروف وأشدها ضراوةً، لأنهم يرون حتّى في الشدائد تصديقاً للنبوءات.
وهذا ما يعيشه أتباع أهل البيت عليهم السلام مع أئمتهم، فهم يرون صدق مقالتهم وصدق إخباراتهم في كلّ يوم، فينتشر الأمل في نفوسهم.
وهذا التصديق سوف يتحقّق أيضاً يوماً ما، من قِبَل أهل الكفر والنفاق، ولكنّه لن يكون نافعاً ولا مفيداً لأنّه تصديقٌ مقترن بكلمة (يا ويلنا)، والإنسان إنّما يدعو بذلك متى انكشف له يقيناً أنّ بلاءً سيصيبه وليس له منه مفرّ، وبهذا لا يكون هذا التصديق سبباً لدفعه، قال تعالى:
{قَالُوا يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} (يس: 52).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الصفحة (2)

اعبدوه رغبـةً وحبّـاً..
الموضوع الذي سنتناوله يرتكز على أصل كبير من الأصول المعنوية والإيمانية الحاكمة في مسيرتنا وفي حركة الحياة، سواء في جانب السلوك الشخصي أم في جانب السلوك العام أم في أيّ ساحة من ساحات الحياة.
الأصل هو ألوهية الله سبحانه وتعالى وعبودية الإنسان لله عز وجل. ولعلّنا كمؤمنين، ومن ناحية معنوية ونفسية وفكرية، بحاجةٍ للعودة إلى هذا البحث.

هناك حقيقةٌ واحدة هي: (الله)، الوجود الحقيقي والمطلق، وما سواه آثار وجوده ومظاهرُ لهذا الوجود، ولذاته وصفاته. وما في الوجود من رحمةٍ وقوّة إنما هو مظهر لرحمة الله وقوة الله. وما في الوجود من علمٍ إنما هو مظهرٌ لعلم الله سبحانه وتعالى. والإنسان في مقابل الله عز وجل هو عبدٌ محض. والمشكلة التي يُعاني منها الإنسان في الحياة هي فهم العبودية لله عزّ وجل، كيف أكون عبداً لله فكرياً، ومعنوياً ونفسياً

هذا يمكن أن يحصل لأي إنسان. قد يعيش الإنسان في ظاهر سلوكه حركة العبد ولكنه في باطن روحه وقلبه ونمط تفكيره ومشاعره يعيش روحية ﴿أنا ربّكم الأعلى﴾. وهذا الأمر يمكن أن نجد له الكثير من النماذج حتى في أصحاب الأنبياء وفي أصحاب الأئمة عليهم السلام. والسؤال الهام هو كيف أمارس عبوديتي لله عز وجل؟ وكيف أكون عبداً لله في كل شيء.
للإجابة عن هذا السؤال يجب معرفة أمرين اثنين:
أولاً: يجب أن أحسم، على مستوى العقيدة والحالة النفسية، ألوهية الله، قدرته المطلقة، حكمته البالغة، رحمته الواسعة وبالتالي أن أؤمن عقائدياً وأشعر نفسياً أن مصدر القوة والقدرة والعظمة والجبروت هو الله سبحانه وتعالى، أن أعيش شعور أن الله ﴿ بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير﴾.
كيف يمكنُ أن تحملَ هذا الإيمان ويملأ كل كيانك وكل وجودك؟ المشكلة تكمن في الحياة التي تُمتحن فيها (بالفقر) وتشعر فيها بضعفك، أن تحمل هذه المشاعر في محيطك الذي فيه ما فيه من جبابرة وقوة عظمى، هذا هو الصراع، وهنا المسألة الأساس

إن هذا الأمر يحتاج إلى توجّه نفسي وقلبي وتوجّه عقلي وروحي باتجاه الله للتعرّف إليه أكثر، ولنقترب منه أكثر حتى نزداد إيماناً وقوةً وعزيمة. وهذا له طُرُق كثيرة ومن أهمّ هذه الطرق التفكّر في خلق الله سبحانه وتعالى.
وأهم مشكلة هي الغفلة، فنحن غافلون عن الله وعن آثاره، مع العلم أن الله سبحانه وتعالى ملأ الوجود بالآيات المشيرة إليه، مظاهر وآيات الطبيعة وكل مظاهر الوجود هي مظاهرُ لوجوده وصفاته وذاته. هذه المظاهر عندما يذكرها أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: “ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله قبله وبعده ومعه وفيه” عندما لا يغفل الإنسان يمتلئ قلبه إيماناً وشعوراً بهذه الألوهية، حينئذ يتحوّل إلى إنسانٍ آخر. والمشكلة هي النسيان والذكر. فالذاكر ليس من يحمل مسبحة أو يقضي ساعات يقرأ ويتلو كتاب الله وهو في قلبه غافلٌ عنه سبحانه وتعالى وليس الذي يقف في الصلاة وهو ليس متوجهاً إلى الله.هذا ليس ذكراً لله، وإنما الذكر لله في تذكّره، والتفكّر فيه، والإحساس به وحضور القلب بين يديه سبحانه وتعالى.
ثانياً – أن تستشعر معاني العبوديّة .
أن تكون عبداً لله يعني أن تشعر بضعفك أمامه، بجهلك وبفقرك أمامه… هذا التخضّع والتذلّل والتخشّع لله سبحانه وتعالى هو المطلوب.عندما نقرأ في أدعية الأئمة عليهم السلام نرى فيها: الخاضع، الذليل، الحقير، المسكين، المستكين، الضعيف، العاجز والفقير بين يدي الله سبحانه وتعالى. قد تشعر أمام الآخرين بعلمك في مقابل جهلهم بقوتك في مقابل ضعفهم هذا أمرٌ نسبي نسبةً للآخرين. أما بين يدي الله سبحانه وتعالى فيجب أن يعيش الإنسان كلّ معاني العبودية لله حتى لا تتحرّك النفس باتجاه مشاعر الألوهية التي قد يشعر بها الآخرون.
فالله سبحانه أعطانا الحياة والعلم ومنّ علينا وأكمل علينا نعمته وأرسل لنا أنبياءه وأكمل لنا دينه بولاية أوصيائه. في مقابل نِعم الله يجب أن نشعر دائماً بإحساس العبودية أمامه والحاجة إليه.

من هذه النقطة نبدأ لنقول إن من لديه إمكانيّات مالية كبيرة جداً يحمل شيئاً من مشاعر الألوهية والربوبية ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ (العلق: 6–7). استغنى: تعني الاستغناء عن الآخرين مالياً وعلمياً من حيث القوة والسلطان والجاه. هل وجدتم في تاريخ الشعوب ضعيفاً يدّعي الألوهية؟ عبر التاريخ نمرود ادعى الألوهية وفرعون أيضاً وأمثال هذين النموذجين.
ليس شرط الألوهية أن يقف الإنسان ويقول للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (النازعات: 24).
الإلوهية أن يمارس الإنسان على الناس حقيقة ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. مثلاً: عندما يصير شخص ما مسئولا عن مجموعة ويشعر أن تحت إمرته عدداً من الناس يأتمرون بأوامره تبدأ عنده حالة من الشعور بالقوة. نفس الأمر نجده في الجيوش النظاميّة. مثلاً: هناك فرق بين روحية الرقيب والنقيب والمقدّم والعقيد والعميد إذ يزداد الشعور بالعجرفة والجبروت والكبرياء والطغيان كلّما تدرجنا صعوداً. وحتى في مجالات العمل الإسلامي والحركة الجهادية يُبتلى المجاهدون بأشخاصٍ تتحوّل القضية عندهم كيف يكون هو المحور والآمر والناهي، حتى لو أدّى ذلك إلى إرباك مجمل الصراع.
هذا شكلٌ من أشكال الألوهية وشكلٌ من أشكال الخروج من العبودية لله سبحانه وتعالى. في هذا الإطار هناك نماذج كثيرة موجودة في تاريخ المسيرة الإسلامية وفي تاريخنا المعاصر. الجميع مؤهلون للانزلاق والسقوط في هذه الحبائل الشيطانية التي تضلّ الإنسان، وتبعده عن العبودية لله سبحانه وتعالى. هذا البلاء هو بلاءٌ عظيم يجب الانتباه له

من جهة أخرى، عندما أسلّم لله سبحانه وتعالى بالعبودية يجب أن تستسلم إرادتي لإرادته ومشيئتي لمشيئته. وهنا لله تعالى إرادتان ومشيئتان:
الأولى: التكوينية حيث تستسلم كل الموجودات للإرادة الإلهية التكوينية. مثلاً: موضوع (الأجل) يدخل في المشيئة الإلهية التكوينية ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾(الأعراف: 34). هذا أمرٌ جبريٌ قهريٌّ لا فضل لنا فيه.
الثانية: الإرادة والمشيئة الإلهية التشريعية، فالاستسلام لهذه المشيئة يعني الاستسلام للأحكام والتكاليف الإلهية.
لقد أعطى الله الإنسان في دائرةٍ معيّنة ساحة واسعة من الإرادة والحرية والمشيئة، فللإنسان أن يريد وأن يختار. والله تعالى في ساحة الاختيار لم يدعه وحيداً وإنما هداه ودلّه على الطريق. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69) و﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69) ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7). وللإنسان أن يختار شكل الحياة التي يشاء، يختار أن يصلّي أو لا يصلّي، أن يُقيم العدل في الأرض أو أن يملأ الأرض فساداً، أن يكون عبداً صالحاً أو أن يكون عبداً ظلوماً كفوراً. ترك الله له العنان وأجّله إلى يوم القيامة ولكن نبّهه أيضاً إلى أن الأفعال الدنيوية في دائرة الاختيار لها نتائج على مستوى السنن الحاكمة في المجتمع، وفي التاريخ وفي الروح. حيث يجب أن تستسلم إرادتنا واختيارنا لاختيار الله سبحانه وتعالى وأن نرضى بقضاء الله وقدره وأمره، وتستسلم مشيئتنا أمام مشيئة الله، وهذا هو الشكل العملي من أشكال العبودية.

من خصائص دولة
الإمام المهدي (عج)

إن خصائص دولة الإمام المهدي عليه السلام المباركة، هي الطموحات التي تترقبها كل المجتمعات البشرية والأمل الذي ينتظره الجميع، والذي ستتحول إلى أرض الواقع في دولة الإمام المهدي عليه السلام، وهذه الخصوصيات مستفادة من الايات والروايات وهي:
1-تمتاز حكومته عليه السلام بانها حكومة عالمية تملك الشرق والغرب سواء. فيكون-الإمام المهدي عليه السلام-الوارث الحقيقي للارض وما عليها, وله الحاكمية المطلقة.
2-وتكون حكومته على أساس العقيدة الاسلامية التي تستقي فكرتها من القرآن العظيم, ويكون حكمه مرضياً عند الله تعالى وعند الناس جميعا، لأن الدين عند الله الإسلام، فطابعها طابع اسلامي، وشعارها التوحيد والاعتراف بنبوة النبي الخاتم عليهم السلام والولاية لامير المؤمنين علي عليه السلام.
3-الدستور الأساس لهذه الدولة هو القرآن الكريم.
4-زوال الخوف وإستقرار الأمن والطمأنينة في هذه الدولة.
5-العدالة الإجتماعية هي المعلم البارز في الدولة المهدوية في جميع نواحي الحياة، فيحيى الأرض بها.
6-ظهور بركات الأرض والسماء، فتظهر المعادن والخزائن، وتكون من حق الأمة كلها، فيقسمها الإمام بين الناس بالسوية.
7-إزدياد المنتوج الزراعي على إثر بركات السماء، فتبدو الأرض كلها خضراء جميلة مليئة بالثروة الزراعية.
8- وعلى الصعيد السياسي والجماهيري تكون كلمة الناس واحدة، وكلهم يعيشون مطمئنين تحت راية الإمام المهدي عليه السلام.
9- وورد في بعض الروايات المعتبرة أن مناديا ينادي في يوم الظهور (يا أهل العالم اليوم يوم العدل والخلاص).
10-بروز التقدم الصناعي والتكنولوجي على اثر تكامل العقول وإنتشار العلوم الجديدة عن الإمام عليه السلام.
11-إتصال المدن بعضها مع البعض الآخر فلا توجد مناطق نائية توتر حالة الأمن أو تخيف الناس.
12- خلو الناس من الرذائل والمفاسد الأخلاقية كالحسد والكذب والبغضاء, وإمتيازهم بالإخلاق والصدق والطيب والآداب وطهارة القلوب والسلوك.
13- زوال الآفات المدمرة والأمراض الخطيرة.
14-خلو الناس من الفقر، بل يمتاز الجميع بالثراء العريض على اثر التقدم الإقتصادي وفاعلية الأسواق العالمية، وتوزيع الثروة بشكل عادل.
15-التقدم الطبي والصحي حيث يمتاز أُناس ذلك الزمان بطول العمرعلى اثر التطور الروحي والصحي.
16-اللغة العربية هي السائدة في جميع هذه الدولة العظيمة بإعتبارها لغة القرآن الدستور.
17-وبعد نزول عيسى بن مريم عليه السلام من السماء وإقتدائه بالإمام المهدي عليه السلام يؤمن جميع النصارى بالمهدي ويدخلون الإسلام ويعترفون بالنبي الخاتم وهكذا أصحاب الأديان والكتب السماوية كافة.
18-إجتماع علماء العالم كلهم وإتصالهم بالإمام المهدي عليه السلام وعرض طاقاتهم الفكرية والتقنية. وجعلها تحت خدمته بعد إيمانهم الكامل به عليه السلام.
19-ولشدة الأمن والسلم تتعايش الحيوانات المفترسة مع الحيوانات الأليفة بكل ثقة دون أن تؤذي إحداها الأخرى، وهذا ببركة الإمام عليه السلام.
20-وتظهر في دولته المباركة كل مزايا الرجال الشريفة وانسانيتهم الراقية القائمة على أساس المحبة والرأفة.
21-لا تعدّي في تلك الدولة المباركة، فكل حق يصل إلى صاحبه دون أيأضرار.
22-ويتم تطبيق الأحكام الإسلامية القرآنية وجميع أركان الدولة المهدوية الشريفة، من أبسط الأحكام الشرعية إلى أهمها.
هذه نماذج مختصرة وسريعة جدا لخصائص دولة الإمام المهدي عليه السلام وإمتيازاتها، وبعض الآثار الكونية والإجتماعية التي ستظهر في دولة الحق بفضل المهدي عليه السلام المبشر به وبدولته من قبل أنبياء الله جميعا وأئمة أهل البيت عليهم السلام الذين بشروا المنتظرين لدولة المهدي عليه السلام، وحتى الأموات الذين أنتظروا الإمام المهدي عليه السلام, ثم ماتوا فإن الله تعالى يحييهم بإذنه وقدرته في دولة الإمام عليه السلام فهم الذين كانوا يدعون بإستمرار: (اللهم أرنا الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة).

(العدل) بين المنهج
الوضعي والمنهج الاسلامي..

إنّ الإسلام في قرآنه يؤكد على العدل بأوسع مفهوم، ونجد القوانين الأرضية إنما وضعت لكي تجسد العدل وتضع كل الضوابط الصارمة لكي تجعله واقعا معاشا، فتوجد للفطرة كمالها. إن المتفحص للنفس الإنسانية يجد أن قواها وجدت لتعمل وفق برنامج عام وشامل، وأن أي فصل بين هذه القوى يؤدي إلى خلل في توجهها، فمثلاً لو عملت قوة الباصرة بمعزل عن العقل فهي ترى كل شيء، ولو عملت قوة الشهوة بمعزل عن العقل فإنها تعمل ما تريد، وكذلك الغضب والوهم وكل القوى.
ان المنهج التوحيدي هو الوحيد القادر على إيجاد المعادلة الحقيقية لتفاعل عناصر السعادة المتمثلة بالفطرة وقواها وبين العقل كعنصر فعال وبين الغيب كمادة ضابطة للمعادلة، فالمناهج الوضعية مهما كرست من قوانين لضبط النفس الإنسانية وجعلها معتدلة فهي معادلة خاوية ومتهرئة لاتعدو إلاّ أن تكون ضرباً من الخيال، ولذا نجد أن انقطاع الكهرباء في الولايات المتحدة لساعة أدّى إلى مئات الجرائم وانتهاك القوانين، إذن أين التربية؟ وأين القوانين؟ وأين العدل؟ وأين السعادة؟.
وفي دراسة لـ(فوكوياما) في كتابه (التصدع العظيم) يتحدث بالأرقام عن التصدع الاجتماعي في دول أمريكا وأوروبا، إذن فأين السعادة؟ وإذا كان المجتمع متصدّعاً فما هي قيمة الحضارة الغربية إذا لم تحقق السعادة التي منشؤها العدل في المجتمع.
ومن هنا جاء المنهج التوحيدي لكي يحل مشكلة الفطرة ويوجهها بالاتجاه الصحيح من خلال إبراز الربط الحقيقي بين الفطرة وقواها، وبين العقل ونوره وبين الغيب بقوانينه. فأصبحت كلمة (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) هي المنهج التوحيدي الذي يؤكد نفي العبودية (الطاعة) لغير الله، وتثبت أن الله عزوجل هو المطاع وبنفس الوقت تقول إن قوانين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي الموجهة للفطرة نحو سعادتها المتمثلة بإقامة العدل، فإنك إذا ربيت الفطرة على طاعة الله من بعد الخوف والرجاء فإنها سوف تنسجم مع قوانين الله عزوجل، ولن تبرح خطها العادل حتى لو عاشت في انقطاع للكهرباء يدوم آلاف السنين!!!
ومما يؤسف له أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن أسس المنهج التوحيدي بكل أبعاده وأسس الدولة العادلة وذرا أسس السعادة الحقيقية لكل البشر نجد هذا الانحراف في التطبيق مما سبب انحراف الأمة حتى وصلت إلى الحضيض فكان لابدّ للمنهج التوحيدي من وارث ليعيد للفطرة توجهها الحقيقي ولتسير نحو سعادتها وليبني لها هيكل العدل الذي فقدته ففقدت سعادتها. المنهج التوحيدي يقتضي أن يخلص الفطرة الإنسانية من الأصنام البشرية وهذا مايقوم به الامام المهدي (عليه السلام) حينما يخوض حربا شرسة تستهدف القضاء على (الخط السفياني) الذي يمثل الفساد الداخلي للإسلام، وبعدها يقوم بالقضاء على (الخط الدجّالي) الذي يمثل الفساد العالمي وهذا يعني أن منهج التوحيد الخالص يخوض حرباً ضد خط النفاق، وضد خط الكفر وعندما يتم ذلك ينتقل إلى المرحلة الثانية.
بعد القضاء على الأصنام البشرية تبقى الأصنام النفسية والذاتية، وهذه لها من الخطورة الكبيرة فهي نفسها التي هدمت تطبيق المنهج التوحيدي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
إنّ ادخار الله عزوجل للصفوة 313 ليس اعتباطاً بل هو عين الحكمة فإن القضية لن تنتهي عند القضاء على رموز الشر، ولو كان الأمر كذلك لتحقق أمر الإمام (عليه السلام) في وقت وجيز، ولكن التطبيق للمنهج التوحيدي وغرس القوانين الإلهية في الذات الانسانية بعد إن يتم تقديرها في الواقع يحتاج إلى جهد معصومي، والمتمثل بالإمام (عليه السلام) وجهد الـ 313 الذين سيكونون تحت أمرته، إن عملية التطبيق والمحافظة على جو التطبيق هو أهم بآلاف المرات من القضاء على رموز الشر ولذلك نجد أمير المؤمنين (عليه السلام) يوبخ واليه على البصرة لمجرد وليمة حضرها، وعندما تتواجد حكومة إلهية عادلة بقيادة الإمام المهدي (عليه السلام) لاتخطيء وتحتها قادة ميدانيون يطيعون قائدهم ولاينحرفون عن أوامره قيد أنملة، وتتواجد القوانين الإلهية في كل أروقة المجتمع وتوضع الضوابط والأسس وفق مباديء العدل فلا فرض وجبر بدون إرادة وحقوق وحرية، ولا حرية وحقوق بدون ضوابط إلهية تدخل إلى ذات الإنسان، فمع مرور الوقت تتحول الذوات الإنسانية إلى ذوات توحيدية لا تعرف إلا شعار (لا إله إلاّ الله) ومن خلال هذا الشعار ينبثق لا محالة العدل الذي يعني لا ظلم وتكون السعادة نتيجة حتمية فتعمر الذات ، ومن خلالها يكون هذا الإنسان يستحق لقب خليفة الله في الأرض وعندها تتفاعل العناصر الثلاثة الفطرة والعقل والغيب مع الطبيعة لتكون هناك جنينة مهدوية اسمها الأرض، أسسها المنهج التوحيدي الذي ورثه الإمام المهدي عليه السلام من جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ومن قبله أكثر من 124 ألف نبي ووصي.

الإمام المهدي أملٌ وخلاص …

نبدأ من السؤال التالي : ياترى من افسد الحياة ؟
إن صادفنا هذا السؤال, فلربما تأتي إجابته بسهولة وهي تقول: الذي أفسد الحياة هم الطغاة والمستبدون والمستكبرون الذين يريدون أن يستأثروا بكل شيء على حساب أي شيء.
وهنا يطرح سؤال أخر يقول: وهل الجماعات والمؤسسات العاملة في إطار الإصلاح ومنع الاحتكار والاستئثار قادرة على لعب هذا الدور أي (أن تملأ الأرض قسطا وعدلا وسلاما)؟
والإجابة بالطبع لا .
والسؤال الواجب الإجابة عليه هو: ولماذا ؟
نقول بما أن هذا الفساد ليس بالفساد المحدود في جماعة أو مساحة جغرافية ، وحتى ولو تعددت مساحات الشر القديم فإنها كانت وما تزال مختلفة عما يحدث اليوم, حيث أن أهل الشر والباطل اليوم مجتمعون على قلب رجل واحد وان بينهم من الروابط ما يعجز الأفراد والجماعات والدول عن الإصلاح, ولذا فان الأمر اليوم يحتاج إلى معالجة فوق قدرات اهل الباطل وتقنياتهم, وهذا مالا يتوفر للضعفاء, حيث الضعف سمة غالبة للذين يطلبون الاصلاح، ولان هؤلاء المصلحين مهما تعددت أشكالهم وألوانهم ومذاهبهم وطرائقهم هم واحد من ثلاثة:
*الأول : ضعيف ذو قيم وأخلاق ودين يبحث لنفسه ولغيره عن مكان تحت الشمس وعن دولة الحق والعدل مناديا بأن قانون الله هو دعوة للمستضعفين ضد المستكبر، لأن المستكبر لا يمكن أن يستكبر ما لم يكن حوله من يعبده. لهذا لا بد من التوجه إلى الناس حتى لا يعبدوا الطغيان، ومشكلتنا لن تحل بدون أن ينتشر الوعي بين الناس بالتاريخ وسننه. وهؤلاء هم الممهدون .
*الثاني : قوي يدعى أنه صاحب قيم حسنة ويحاول أن يفرغ دعوة المستضعفين من مضامينها ويفرق بين الناس.
*الثالث: ضعيف ينشر الإصلاح والخير ومقارعة الظالمين, بيد انه ضل عن طريقه واتخذ منهجا لا يدفع شرا ولا يجلب خيرا, وهؤلاء هم أصحاب المدارس التي اتبعت السبل.
ولان الفريقين الثاني والثالث لن يقدما لهذه الإنسانية شيئاً من قليل أو كثير من النفع, فضلا عن أنهما يشاركان ايجابيا في الضر.
وأننا هنا سوف نقتصر في حديثنا على الفريق الأول (الممهدون), الذين يرفعون شعار (ان الفرج قريب وان الصبر مفتاح الفرج .هؤلاء الذين وصفهم الله في كتابه العزيز(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . (وهم المنتظرون من عباد الله الصالحين الذين يأتون مع صاحب العصر والزمان وخاتم الأئمة مولانا المهدي عليه السلام , وينطبق عليهم قوله تعالى )وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).
هؤلاء الممهدون الذين سيمهدون للمخلص والمنقذ العالمي وإقامة الدولة الإنسانية أو المجتمع العالمي الخير والانساني الذي حلم به البشر وتجلى في رؤى الأنبياء والمبشرين والأوصياء والفلاسفة والمصلحين ،
ذلك المجتمع الذي سينعم فيه الإنسان بالخيرية المطلقة والعدالة الكلية ، وستنتهي معه كل مظاهر الخلل البشرى وكل تعاليم مدارس التيه ، والرؤى الجزئية والمبتسرة ، حينها يأتي
الحق ويزهق الباطل ويصبح صبح الحق الأبلج كما هو يوم أن خلق الله السماوات والأرض.
ان العالم بأجمعه، أغنيائه و فقرائه ، شعوبه و بلدانه ، شبابه و شيوخه ، معني بما هو متوقع من انتقال إلى مرحلة جديدة, و انخراط في نظام عالمي جديد ، و التفاعل مع مقدمات و إفرازات تلك الحركة السريعة.
كل ذلك بمثابة القدر المحتوم, لا مفر منه و لا مناص عنه و لا خيار للبشرية إلا في أطرها ، خاصة وأن تلك التطورات تتناول كل جوانب الحياة الاقتصادية و الاجتماعية ،و الثقافية و الحياتية ، والحاضرة و المستقبلية.
وهي عملية تاريخية مستمرة في حياة البشرية ،لن تتوقف إلا بتوقف الإنسان عن الحياة و العيش على الكرة الأرضية.

هل يبقى فقراء في عصر الظهور؟
ان الحديث عن دولة الإمام المهدي عليه السلام ليس حديثاً عن حالة مرحلية تفتقر في كمالها الى الزمن وتراكم التجربة بل الحديث عنها هو تتويج لكل المسارات الإنسانية على اختلافها لتكون هي الخلاصة الكاملة التي ينشدها الإنسان من أجل التخلص من كل شوائب النقص ومن اجل الوصول بالمجتمعات البشرية الى مرحلة الكمال بكل ابعاده وجوانبه على مستوى الدنيا والاخرة ولذلك فإن السعادة ستكون من السمات الاساسية لذلك العصر في ظل هذه الدولة العالمية التي ستجسد الوعد الإلهي الحق.
أمام هذا كله إننا سنجد أن الكثير من الأمور التي تشكل هاجساً للإنسان في مرحلة ما قبل الظهور لن تجد لها مكانا في مرحلة ما بعده, ولكن يبقى في عصرنا هذا ومن وحي هواجسنا اسئلة كثيرة مطروحة, من ضمنها انه هل يبقى فقراء في دولة الامام المهدي‏ عليه السلام ؟
إننا عندما نتحدث عن السعادة التي هي نتاج طبيعي لتحقق العدل في المجتمع البشري لا بد من الحديث عن مكوناتها وعناصرها حيث انه لا بد لهذه العناصر والمكونات ان تتحقق كمقدمات لينعم الانسان حينها بالسعادة المنشودة.
امام هذا كله لا يمكننا ان نفرض او نتخيل اي امر يمكن أن ينغص حياة الإنسان من خلال أي نقص يمكن أن يشوبها، وحيث ان السعادة من النتائج والسمات الأساسية التي ستتحقق من خلال وجود العدل الذي سيكون مظهراً طبيعياً عند تحقق الوعد الإلهي عند قيام الدولة العالمية للامام المهدي‏ عليه السلام ، ومن ذلك يمكن ان نخلص الى نتيجة وجواب مفاده انه لن يبقى فقراء في دولة الإمام عليه السلام. وهذا كله أيضاً نستلهمه من الروايات الواردة عن أهل بيت النبوة، ففي الحديث الوارد عن أبي عبد الله‏ عليه السلام بواسطة المفضّل بن عمر انه قال: (ان قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها) الى أن قال‏ عليه السلام: (وتظهر الأرض من كنوزها حتى يراها الناس على وجهها ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته فلا يجد احداً يقبل منه ذلك واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله).

الشعوب تبحث عن حل…

عندما انطلقت ثورات الشعوب العربية استبشر الكثير من الشرفاء الذين ظنوا أن هذه ستكون معبراً إلى الحرية الحقيقية، و توقعوا أن الحاضر سيصنع مستقبلاً أفضل لهذه الشعوب المستضعفة، واعتقدوا أن الثروات التي نهبت من قبل الدكتاتوريين ستعود إلى أوطانها بل ستكون نعيما عليهم وسوف يحققون أحلامهم…
مع بداية الثورات كانت عيون الفقير ترقص فرحا لنصر الشعب والأمة، وانطلق الشباب المتحمس إلى الساحات حاملا كل أحلامه وأمنياته أمامه لكي يحققها … وانطلق المثقف بكل ثقله وعقله مستأنسا بأفكاره وهو يتأمل أن أفكاره سوف تنطلق نحو الحياة وسترى تلك الشعوب هذه الإشعاعات التي يحملها والتي أخفاها عن عيون الجلادين لعشرات السنين …
واستبشرت القدس الحزينة وهي تنتظر من تلك الثورات التي أطاحت بعروش الظالمين لكي تنطلق إليها فتحررها من قيود أراذل المتسافلين !!!
الكل كان يحلم ويحلم ويحلم … لكن هذه الأحلام تهاوت بعد شهور وليس سنوات وتناثرت رماداً بين أزقة الأسواق والجدران وأمست أوراقا تتطاير في مهب الريح والكل يصرخ … ماذا يحدث للربيع العربي والثورات العربية الواعدة ؟؟؟؟ والكل يقول بصوت حزين لقد كنا نأمل غير ما يحدث الآن !!!!!
فلا أحلام تتحقق ، ولا ثروات تقسم، ولا حقوق تسترجع، ولا ولا ولا … بل أصبح الكثير ينادي تبت يدَيْ الثورات العربية ؟؟؟ لو بقينا على الفرعون والنمرود العربي لكان أفضل !!!!!
ولكن ما الذي يحصل فعلا ؟؟؟

الختم العقيدي: كما أن للإنسان أجل وللأشياء أجل ، وكما أن الإنسان يحصد أجله بما كان يفكر به ويعمل لأجله فما كان نظريته الصلاح فنهايته السعادة وما كان نظريته الفساد فنهايته التعاسة والألم والحزن … ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج ثمرها بإذن ربها ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار … كذلك الأفكار والعقائد الخبيثة لها أجل تنتهي عنده وتنتحر عندها ولعل التاريخ الإنساني يشهد بهذا الأمر والذي ينظر إلى العقيدة الشيوعية الماركسية كيف تهاوت وتشظت وأصبحت فتات يطمع بها البعيد والقريب .. والأفكار العربية التي بنيت على أساس هش والتي إنطلقت بناءً على أفكار وعقائد فاسده وطبقت لسنين وسنين وبنت عليها عقول وحملتها أجيال، واليوم وفي نهاية العمر تهاوى بنيان تلك الأفكار والذي إنقض على أهله من الأساس … إن الختم الذي وصلت إليه الشعوب العربية ماهو إلا إنتحار الفكر والعقيدة والجسم والروح وكل شيء فإن الروح إذا إنتحرت لا تُبقي شيئا من وجود ذلك الكائن !! والشعوب العربية بما تحمل من فكر وعقيدة أوصلتها إلى مرحلة الختم الإنتحاري فالملاحظ على ما يجري من أحداث فلا إنتخابات تنفع ، ولا حكومات صعدت بإسم الناس تستطيع أن تجد الحلول، ولا معارضات ديمقراطية تعين الجماهير، ولا شعوب مقتنعة بما صعد من خلالها إلى الحكم ،،، والكل غير مقتنع ،، والكل خائف والكل عاجز عن إيجاد الحلول … فأين تكمن المشكلة ياترى ؟؟ هل هي في الإنسان نفسه ؟؟ أم في الأفكار التي يحملها ؟؟؟
ام في المؤامرات التي تحاك من الخارج باسم الأجندات الخارجية ؟؟؟
أم هي لعنة السماء عليهم فلا يكادون يفقهون شيئا ؟؟؟
لقد قالت سيدة نساء العالمين عليها السلام كلمة ذات دويٍ مخيف عندما ألقت خطبتها في مسألة فدك مضمونها أو نصها ولكنها تفيد المقام : ( وسيعلم التالون غب ما أسسه الأولون )
إن ما أنتجته مؤامرات الحكام من أفكار وعقائد التي كانت تختزن الدكتاتورية المخفية، وتمثلت في عصرنا في الدكتاتوريات العربية وحتى الثورات العربية المعاصرة .
حيث يقف الفرد العربي من أعلى الهرم إلى أسفل القاعدة حائراً أمام ما يحدث في عالمنا الإسلامي من مجازر وحشية تحت كلمة الله أكبر والغريب أنها مستندة إلى فتاوى تصدر من علماء السوء بالاغتصاب للنساء وإباحة الأعراض وإباحة الدم المسلم وغير المسلم في شتى بقاع الأرض … إن ما يحدث اليوم من حيرة وخواء وصراع وسفك دماء وظلم هو نتيجة إنتحار الفكر والعقيدة والإنسان والأرض وكل ما يقع في محيطه … وهناك حقيقة يجب أن يدركها الجميع أن هذا الإنتحار هو إنتحار نهائي ولن يكون له نتيجة إيجابية بل ستتهاوى
ثورة

تلك الأفكار والعقائد مع حامليها إلى أسوأ درك .. ولكن السؤال المتبادر إلى الذهن البشري هو … أين الله ؟!
الختم المهدوي: يأبى الله تعالى إلا أن يجري هذه الدنيا إلا بالأسباب والمسببات ، بحكمته العادلة المتناهية في العلم والقدرة والإرادة لكي يحيى من يحيى عن بينة ويموت من يموت عن بينة وما الله بظلام للعبيد .. لقد أعطى تعالى للإنسانية طريقا رائعا لو سارت عليه لنالت كل سعادة وهو طريق الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ( ولو أن أهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ) وهناك أية تقول ( لأكلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم ) ولكنهم كفروا فحق عليهم العذاب .. و كان من الممكن أن تسير الأمة في طريقها عبر الرسول الأعظم صلى الله عليه واله ،والسلسلة الذهبية التي أصلها بيد الله تعالى وفروعها في الأرض تنشر العدل والسعادة في ربوع الدنيا .. إن الله تعالى لا يمكن أن يترك الأرض بيد الظلمة أولاً ، ولا يمكن أن يتركها للفساد والظلم وإلا لا يتحقق الغرض الإلهي حيث قال إني جاعل في الأرض خليفة والمتمثل بإعمار الأرض ، والاستخلاف الأرضي من قبل الله تعالى وهذا إذا لم يتم في نهاية المطاف معناه إن الله تعالى قد ترك بيد الظالمين وحاشاه ذلك ، والأكثر من ذلك إن إرادة الظالمين من البشر ستكون فوق إرادته وهذا محال ، فتحصل من ذلك إن الله تعالى يمهل ولا يهمل ويعطي كل الفرصة لبني الإنسان حتى يتبين الحق ( سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق ) إن الختم المهدوي لا يأتي إلا من خلال :
1-استنفاد البشرية لكل ما لديها من تطبيقات للفكر والعقائد
2- على مستوى التطبيق الكل سيطبق حتى لا يبقى احد يقول عندما يرى عدالة آل محمد فيقول لو حكمت لعدلت مثلهم
3- إن الظلم والفساد سينتشر بسبب تلك التطبيقات للأيديولوجيات الوضعية حتى يصل إلى مرحلة لا تطاق
4- إن البشرية وبسبب تلك التطبيقات ستيأس من كل حل بشري حتى لا ترى غير سبيل الله تعالى
5- سوف ترجع البشرية وبسبب اليأس إلى فطرتها رغم كل غبار التطبيقات الوضعية ولكن الفطرة لا تموت بل ممكن أن تضعف وعندها تنطلق تلك الفطرة نحو الله تعالى
6- إن انطلاق الفطرة نحو الله تعالى معناه التوحيد الحق وهو نفس ما يحصل للإنسان عندما تنقطع به الأسباب في عرض البحر فيلجأ إلى الله تعالى كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام والسفينة البشرية العملاقة سوف تتقطع عنها الأسباب وسترجع إلى توحيدها الفطري .
7-إذا تحقق الرجوع الفطري التوحيدي عندها سيتحقق ما وعد الله تعالى في الآية ( امن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) فمن غير الممكن أن يترك الله تعالى وهو الرحمن الرحيم من يتوسل به بفطرة توحيدية إذا تحقق ذلك كله استجاب الباري لنداء الفطرة البشري وعندها سيكون الختم النهائي على يد الخاتم من أوصياء آل محمد وهو المهدي المنتظر عليه صلوات ربي وسلامه .. وسيتحقق الفتح الإلهي على الدنيا وستتحقق سعادة البشرية على يد الإمام المهدي عليه السلام الذي سيوجد للبشرية كل الحلول التي تبحث عنها ، فتنفتح الطبيعة على الإنسان وعندها تصبح الخيرات بما لا عين رأت ولا أذن سمعت حتى لا يجد الغني مكان لزكاته ، وسوف تصل العقول إلى مرحلة بحيث تجد هناك كل مجال للتطبيق وتصل إلى حقائق وعلوم ومعارف في مجالات الحياة في الطب والهندسة والاجتماع والاقتصاد والتقنية وهذا كله من القرآن الكريم معجزة الله تعالى الخالدة .. ولو نريد أن نتكلم عن الختم المهدوي وأثاره لما كفانا أقلام أو أوراق … إن ما يحصل في الختم المهدوي هو جنينة الله تعالى في الأرض ( وإذا قلنا يا ادم اسكن أنت وزوجك الجنة).
فالي متى يبقى الإنسان غافلا عن حقيقة الختم المهدوي والنصوص الروائية بين يديه وهي تقول له اذهب إلى مهدي آل محمد فأن الأمان هناك والسعادة هناك والرحمة هناك ، ولا تذهب بك السبل فتصبح ملوما محسورا … والى متى تسير البشرية خلف حلم زائف يسمى المدنية الغربية والتي يذوق في كل يوم مرارتها الآلاف بل الملايين من البشر ، فارجعوا أيها البشر إلى فطرتكم ومدوا أعناقكم إلى الله تعالى بكل تواضع وبكل خضوع واسألوه بسؤال واحد نابع من الفطرة امن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء
اللهم عجل لوليك الفرج والعافية والنصر واجعلنا من أنصاره وأعوانه برحمتك يا ارحم الراحمين .

ثورة 2

عـــــلامـــــات
بزوغ المحجوب..

لأن إليــــكَ الــقضيَّهْ ومنهى المنى الآدميَّهْ
تغاوي مسوخاً، لها ألوف العيون الذكيَّهْ
وأيدٍ بروقيةٌ وأوردةٌ مدفعيَّهْ
* * *
لذا تُسكت النار عنك بإيماءةٍ معنويََّهْ
بسرِّية الورد في جيوب الرياح الرخيَّهْ
بأوطار دنيا تلوحُ سوى هذه الدنيويَّهْ
* * *
تطلُّ على غفلةٍ مِن الشمس شمساً فتيَّهْ
ترى كل عين ولا تراك سوى الأريحيَّهْ
كحلم الكرى تنمحي تُرى كالسماء الجليَّهْ
* * *
لأنك مهوى الهوى ومجنى الوعود الهنيَّهْ
وذكرى شباب العجوز وحلم الفتى والصَّبيَّهْ
وشوق الدوالي إلى شفاه الكؤوس الظميَّهْ
تذوب لكي تبتدي فتكبر فيك البقيَّهْ
وتنأى لكي تدَّني علاماتُك المبدئيّهْ
* * *
أتمّت شروط الخروج أجب يااكتمال الرزيَّهْ
أما انحلَّت الأرض عن تقاليدها الموسميَّهْ؟
أليس المصابيح عن ضحايا الأماسي عميَّهْ؟
تُسمّي النفاق الولا وسلب الأماني، عطيَّهْ
إلى العين ترمي السَّنا وفي القلب تطوي الشظيَّهْ
* * *
فلا الصبح صبحٌ، ولا لأي مساءٍ هويَّهْ
ولا لون للون لا لعنف الأسى مأسويَّهْ
ولا قتل نصف الملا سوى خطرةٍ جانبيَّهْ
غدت كل حرّيةٍ على الأرض أشقى سبيَّهْ
لأن الرُّواغ ارتضى فأرضى بغير الرضيَّهْ
* * *
أما ذا دليلُ على تدلّي رؤاك البهيَّهْ!
وإشراق عينيك مِن وراء السدود العتيه
وإفصاح كفيك عن سكوت المعاني العليَّهْ
* * *
تبيَّنْ وسلْ ماترى قناديلك المعرفيَّهْ
على أي نهرٍ تدلُّ بقايا الضفاف الزريَّهْ
* * *
إلى كم تمدُّ المنى إليك القلوب الشجيَّهْ؟
كعانٍ بسكر الكرى يلاقي كنوزاً خبيَّهْ
* * *
لقد آن أن تنجلي مِن الجُبَّة السندسيَّهْ
تفي عِدَةً أسمحَت وكانت شروداً أبيَّهْ
تعرّي (أبا مُرَّةٍ) مِن البزِّة العسكريَّهْ
تقيم القيامات مِن تضاريسها الداخليَّهْ
* * *
أمليونُ عمرٍ لديك أمليون نفسٍ زكيَّهْ؟
تخوض الوغى مثلما تؤدي جواب التحيَّهْ
وتغشى الضواري بلا نيوبٍ بلا بندقيَّهْ
لأنك أقوى حشاً على (الليلة النابغيَّهْ)
وأصفى لذات الصفا وأعدى لغير الصفيَّهْ
تُحامي ولا تحتمي تلبّي نداء الحميَّهْ
وفي النار تهمي ندىً وتذرو الطيوب النديَّهْ
* * *
أغانيك غيبيَّةٌ وريَّاك مستقبليَّهْ
أكنت انتظاراً أتى أهذي هي المهدويَّهْ؟
أأنت الذي علَّلوا بهِ كل نفسٍ شقيَّهْ؟
أتبدو الذي ميَّزوا؟ أراك جديد المزيَّهْ
تُوحِّد فيك الجموع وتعتمُّ بالمثنويَّهْ
أأنت بديل الذي أتى، أم سيولٌ أتيَّهْ!!
* * *
فمن أي إيماضةٍ طلعت وضيء السجيَّهْ؟
كمعجزةٍ مِن هُدىً كأسطورةٍ شاعريَّهْ
كمشروع قلبٍ لهُ على قلبه الأسبقيَّهْ
كبدءٍ مِن المنتهى ومِن قبل بدء البريَّهْ

الشاعر عبدالله البردوني