1

الرسول الرحمة للعالمين..

تصدر عن تنظيم مستقبل العدالة
العدد (18)
ربيع الاول 1436هجري – 2015 ميلادي

الصفحة (1)

لالل
تمر علينا ذكرى ولادة خاتم الرسل والأنبياء المصطفى محمد صلى الله عليه وأله وسلم ، الرسول الرحمة للعالمين ، ذلك الإنسان الذي حمل مشعل الهداية للإنسانية كلها، وكذلك ولادة حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، وبهذه المناسبة نزف أجمل آيات التبريكات وأطيب التهاني لصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ولجميع قادتنا ومراجعنا وعلمائنا ولشعوب الأمة الإسلامية جمعاً ونرجو من الله العلي القدير أن يجعلها مناسبة خير وبركة وتوفيق وتقدم وازدهار وانتصار على كل الطواغيت والمستكبرين والمفسدين في الأرض.
إن احتفال العالم الاسلامي اليوم بهذه المناسبة المباركة هو من أبرز الدلائل على حقيقة الشعور بالانتماء إلى هذا الرسول الكريم والإحساس بالمسؤولية نحوه وتصديقاً بما جاء به ، كما يؤكد على تمسك المسلمين في أرجاء المعمورة قاطبة بدينهم الحنيف الذي تكفل نبي الأمة بالجهاد من أجل إرسائه ونشره والتبليغ به تنفيذا لإرادة الله في الأرض وليكون خاتمة مسك الرسالات الإلهية والأنبياء المرسلين الذين بعثهم الله لقيادة البشرية

زيــــارة
الرسول الأعظم…

اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا خَليلَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا نَبِيَّ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا صَفِيَّ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا رَحْمَةَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا خِيَرَةَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا حَبيبَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا نَجيبَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا خاتَمَ النَّبِيّينَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا سَيِّدَ الْمُرْسَلينَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا قائِماً بِالْقِسْطِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا فاتِحَ الْخَيْرِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا مَعْدِنَ الْوَحْيِ وَالتَّنْزيلِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا مُبَلِّغاً عَنِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ أيها السِّراجُ الْمُنيرُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا مُبَشِّرُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا نَذيرُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا مُنْذِرُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا نُورَ اللهِ الَّذي يُسْتَضاءُ بِهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلى اَهْلِ بَيْتِكَ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ الْهادينَ الْمَهْدِيّينَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلى جَدِّكَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَعَلى أبيك عِبْدِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلى أمك آمِنَةَ بِنْتِ وَهَب، اَلسَّلامُ عَلى عَمِّكَ حَمْزَةَ سَيِّدِ الشُّهَداءِ، اَلسَّلاُمُ عَلى عَمِّكَ الْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، اَلسَّلامُ عَلى عَمِّكَ وَكَفيلِكَ أبي طالِب، اَلسَّلامُ عَلى ابْنِ عَمِّكَ جَعْفَر الطَّيّارِ في جِنانِ الْخُلْدِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَحْمَدُ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا حُجَّةَ اللهِ عَلَى الأولين والآخرين وَالسّابِقُ إلى طاعَةِ رَبِّ الْعالَمينَ، وَالْمُهَيْمِنُ عَلى رُسُلِهِ، وَالْخاتَمُ لأنبيائه، وَالشّاهِدُ عَلى خَلْقِهِ، وَالشَّفِيعُ إليه، وَالْمَكينُ لَدَيْهِ، وَالْمُطاعُ في مَلَكُوتِهِ، الأحمد مِنَ الأوصاف، الْمحَمَّدُ لِسائِرِ الأشراف، الْكَريمُ عِنْدَ الرَّبِّ، وَالْمُكَلَّمُ مِنْ وَراءِ الْحُجُبِ، الْفائِزُ بِالسِّباقِ، وَالْفائِتُ عَنِ اللِّحاقِ، تَسْليمَ عارِف بِحَقِّكَ مُعْتَرِف بِالتَّقْصيرِ في قِيامِهِ بِواجِبِكَ، غَيْرَ مُنْكَر مَا انْتَهى إليه مِنْ فَضْلِكَ، مُوقِن بِالْمَزيداتِ مِنْ رَبِّكَ، مُؤْمِن بِالْكِتابِ الْمُنْزَلِ عَلَيْكَ، مُحَلِّل حَلالَكَ، مُحَرَّم حَرامَكَ، اَشْهَدُ يا رَسُولَ اللهِ مَعَ كُلِّ شاهِد، وأتحملها عَنْ كُلِّ جاحِد، اَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ رِسالاتِ رَبِّكَ، وَنَصَحْتَ لاِمَّتِكَ، وَجاهَدْتَ في سَبيلِ رَبِّكَ، وصَدَعْتَ بأمره، وَاحْتَمَلْتَ الأذى في جَنْبِهِ، وَدَعَوْتَ إلى سَبيلِهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الْجَميلَةِ، وأديت الْحَقَّ الَّذي كانَ عَلَيْكَ، وَاَنَّكَ قَدْ رَؤُفْتَ بِالْمُؤْمِنينَ، وَغَلُظْتَ عَلَى الْكافِرينَ، وَعَبَدْتَ اللهَ مُخْلِصاً حَتّى أتاك الْيَقينُ، فَبَلَغَ اللهُ بِكَ اَشْرَفَ مَحَلِّ الْمُكَرَّمينَ، وأعلى مَنازِلِ الْمُقَرَّبينَ، وَاَرْفَعَ دَرَجاتِ الْمُرْسَلينَ، حَيْثُ لا يَلْحَقُكَ لاحِقٌ، وَلا يَفُوقُكَ فائِقٌ، وَلا يَسْبِقُكَ سابِقٌ، وَلا يَطْمَعُ في إدراكك طامِعٌ، اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي اسْتَنْقَذَنا بِكَ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَهَدانا بِكَ مِنَ الضَّلالَةِ، وَنوَّرَنا بِكَ مِنَ الظُّلْمَةِ، فَجَزاكَ اللهُ يا رَسُولَ اللهِ مِنْ مَبْعُوث أفضل ما جازى نَبِيَّاً عَنْ أمته، وَرَسُولاً عَمَّنْ أرسل إليه، بَاَبي أنت وأمي يا رَسُولَ اللهِ، زُرْتُكَ عارِفاً بِحَقِّكَ، مُقِرّاً بِفَضْلِكَ، مُسْتَبْصِراً بِضَلالَةِ مَنْ خالَفَكَ وَخالَفَ أهل بَيْتِكَ، عارِفاً بِالْهُدَى الَّذي أنت عَلَيْهِ، بِاَبي أنت وأمي وَنَفْسي وأهلي وَمالي وَوَلَدي، أنا أصلي عَلَيْكَ كَما صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ، وَصَلّى عَلَيْكَ مَلائِكَتُهُ وأنبياؤه وَرُسُلُهُ، صَلاةً مُتَتابِعَةً وافِرَةً مُتَواصِلَةً لاَ انْقِطاعَ لَها وَلا أمد وَلا اَجَلَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ وَعَلى أهل بَيْتِكَ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ كَما اَنْتُمْ أهله.

الصفحة (2)

--

إنّ هذا المخلوق الإلهيّ الّذي لا نظير له، وهذا الإنسان الكامل قد شرع منذ اللحظة الأولى في دخول مرحلة من الجهاد الشامل والبالغ المشقّة والمكابدة، وكل هذا كان نموذجاً للكفاح والمجاهدة والعمل الدؤوب. لقد كان جهاده صلى الله عليه وآله وسلم جهاداً مع نفسه، ومع أناس لا يدركون من الحقيقة شيئاً، ومع ذلك المحيط الّذي كان يعمّه ظلامٌ حالك ومطبق.
ويقول أمير المؤمنين عليه السلام في وصف ذلك: “في فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بأَظْلاَفِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا” نهج البلاغة، ج2.. لقد كانت الفتن تهاجم الناس من كلّ جانب: حبّ الدنيا، وإتباع الشهوات، والظلم والجور، والرذائل الأخلاقية الّتي تقبع في عمق وجود البشرية، وأيادي الطغاة الجائرة الّتي كانت تمتدّ على الضعفاء بلا أدنى مانعٍ أو رادع.
لقد بدأ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جهاده منذ الوهلة الأولى متسلّحاً بقوّة خارقة، وسعيٍ متواصل يستعصي على التصوّر، فتحمّل الوحي، ذلك الوحي الإلهيّ الّذي كان ينزل على قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما ينزل الغيث العذب ويهطل على الأرض الخصبة، فيمنحه الطاقة ويمدّه بالقوّة، فانبرى موظّفاً كلّ طاقته ليأخذ بِيَد العالَم إلى زمن من التحّول العظيم، ولقد حالفه التوفيق.
إنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنى الخلايا الأولى لجسد الأمّة الإسلامية بِيَده المقتدرة في تلك الأيّام العصيبة من تاريخ مكّة، فبنى قواعد الأمّة الإسلامية ورفع عمادها، فكان المؤمنون الأوائل، وأوّل من اعتنق الإسلام، وأوّل من كانت لديهم تلك المعرفة والشجاعة والنورانية الّتي مكنّتهم من الوقوف على حقيقة الرسالة النبويّة والإيمان بها،﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ سورة الأنعام، الآية: 125, لقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الّذي لامس بأنامله الرقيقة شعاع تلك القلوب الوالهة، وفتح بيده القويّة أبواب الأفئدة على عالَمٍ رحبٍ من المعارف والأحكام الإلهية، فتفتّحت الأذهان والقرائح، وازدادت الإرادات صلابة، ثم ما لبث صرح المجتمع الإسلاميّ أن قام على أساس هذه القواعد القويّة.
مراحل بناء النظام الإسلاميّ :
1-المرحلة الأولى: إرساء قواعد النظام.
2-المرحلة الثانية: صيانة هذا النظام؛ من خلال (بناء الأشخاص والكيانات الاجتماعية)
3-المرحلة الثالثة: إكمال البناء وإعماره؛
إعداد الفرد المسلم ، وتأسيس النظام الإسلامي النموذجي :
-لم تكن السياسة هي العنصر الوحيد في بناء هذه الأمّة، بل كانت تمثّل قسماً من هذه العمليّة. والقسم الأساس الآخر فيها كان يتركّز على بناء الأفراد ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ سورة الجمعة، الآية: 2.، فكان يعمل على تربية وتزكية القلوب قلباً قلباً, كما كان يغذّي العقول عقلاً عقلاً، وذهناً ذهناً، بالحكمة والعلم والمعرفة، والحكمة أعلى درجة ومكانة، فمن ناحية كان اهتمامه منصبّاً على السياسة وإدارة الحكومة والدفاع عن كيان المجتمع الإسلاميّ ونشر الإسلام وفتح المجال أمام تلك الجماعات الّتي كانت تعيش خارج المدينة، أن يدخلوا الساحة النورانيّة للإسلام وللمعارف الإسلامية، ومن ناحية أخرى كان يعمل على تربية أفراد المجتمع. وهذان الأمران لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
-ولقد كانت غاية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من هجرته إلى المدينة هي مقارعة الواقع السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ بظلمه وطاغوتيّته وفساده الّذي كان مهيمناً على الدنيا آنذاك، ولم يكن الهدف مكافحة كفّار مكّة فحسب، بل كانت القضية ذات بعد عالميّ أيضاً ،وكانت غايته من ذلك إيصال رسالة الحريّة والنهوض وسعادة الإنسان إلى كافّة القلوب. وذلك يتعذّر إلاّ عن طريق إقامة النظام النموذجيّ القدوة.
معالم النظام الإسلامي المحمدي :
فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يبني النموذج ويقدّمه للبشرية والتاريخ. وكان له الكثير من المعالم، أبرزها وأهمّها سبعة :
1- الإيمان: فالدافع الحقيقي هو الإيمان المنبثق من قلوب الناس وعقولهم ويأخذ بأيديهم وكلّ كيانهم نحو طريق الصواب.
2- العدل والقسط : وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه دون أدنى مداهنة.
3- العلم والمعرفة: والوعي واليقظة: فهو لا يحرّك أحداً في اتّجاهٍ معيّن حركةً عمياء، بل يحوّل الأمّة عن طريق الوعي والمعرفة والقدرة على التشخيص، إلى قوّة فعّالة لا منفعلة.
4- الصفاء والأخوّة: فالنظام النبويّ ينبذ الصراعات الّتي تغذّيها الدوافع الخُرافية والشخصية والمصلحية والنفعية ويحاربها.
5- الصلاح الأخلاقيّ والسلوكيّ: فهو يزكّي الناس ويطهّرهم من رذائل الأخــلاق وأدرانها، ويصنع إنســاناً خلوقاً ومزكّىً ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ سورة آل عمران، الآية: 164.
6- الاقتدار والعزّة: فالمجتمع والنظام النبويّ لا يتميّز بالتبعيّة والتسوّل من الآخرين، بل يتميّز بعزّته واقتداره وإصراره على اتّخاذ القرار؛ وشقّ طريقه إلى الأمام. 7- العمل والنشاط والتقدّم المطّرد: فلا مجال للتوقّف في النظام النبويّ، بل الحركة الدؤوبة والتقدّم الدائم. ولا معنى لدى أبنائه للقول إنّ كلّ شيء قد انتهى فلنركن إلى الدّعة!وهذا العمل مبعث لذّة وسرور،وليس مدعاة للكسل،بل هو عمل يمنح الإنسان النشاط والطاقة والاندفاع.
دعائم النظام النموذجي وأطره الإدارية والسياسية للنظام :
وبديهيّ أن تحتاج إقامة مثل هذا النظام إلى دعائم عقائدية وفكرية ورؤى في اطار كلمة التوحيد والعزة الانسانية .
كما انه اعد الدعائم الانسانية الشخصيّات التي تتّسم بجدارتها الإدارية وجلالة القدر والشجاعة والتضحية والإيمان والاقتدار والمعرفة والتي أصبحت أعمدةً صلبة لهذا الصرح الشامخ الرفيع، وأما الاطر الادارية فتتمثل وثيقة المدينة كميثاقاً صار موضع قبول من قبل الجميع، فكان شاملاً للسلوك الاجتماعيّ: (المعاملات،والنزاعات، والديات، وعلاقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع معارضيه وموقفه من اليهود ومن غير المسلمين. كما قام بالخطوة الثانية وهي إشاعة روح الأخوّة وبذلك فقد قضى على العوائق التي كانت في طريق الوحدة الاجتماعية.

تعامل الرسول الأكرم (ص) مع أعداء النظام الإسلامي:
كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يرى خمسة أصناف من الأعداء يتربّصون بهذا المجتمع الفتيّ: ( القبائل شبه الهمجية في محيط المدينة – وكفار مكة – واليهود – وجماعة المنافقين – والعدوّ الكامن في باطن كلّ مسلم ومؤمن وهو الأخطر)
أ- العدوّ الأول: إنّه القبائل شبه الهمجيّة الّتي تحيط بالمدينة؛ جلّ حياتها عبارة عن الاقتتال وإراقة الدماء والإغارة والنهب والسلب، حيث تعاهد مع مَنْ تتوفّر فيه أمارات الصلاح والهداية،لقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ملتزماً أشدّ الالتزام بتعهّداته ومواثيقه، لكنّه لاحق الأشرار ومَن لا عهد لهم وعالج مشكلتهم.
ب-العدوّ الثاني: هو مكّة الّتي كان لها مركزيّة. وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على علم بأنّ الخطر الجسيم إنّما ينطلق منهم، وقد حصل ذلك عملياً. وكان الشعور يراود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه لو انتظر حتّى يداهموه فإنّهم باليقين لن يتوانوا عن ذلك،لذلك فقد تتبّعهم لكنّه لم يقصد مكّة، بل اعترض قافلتهم الّتي كانت تمرّ على مقربة من المدينة.
– غزوة بدر : لقد تعرّض لهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فجاؤوا لحربه تدفعهم العصبيّة والعناد والإصرار على محاربته. بحسب الوعد الإلهيّ أُخبر المسلمون أنّهم سينتصرون على مجموعة من الكافرين. وقد كان ذلك في السنة الثانية للهجرة. فقد كان المسلمون يعلمون أنّهم سينتصرون في هذه المواجهة ولكنّهم لم يكونوا يعلمون بأنّ ذلك سيكون على قوّات قريش المسلّحة، بل كانوا يظنّون أنّ انتصارهم سيكون على هذه القافلة التجارية الآتية من الشام، ولكنّ النبيّ بدّل طريقهم وأخذهم نحو المواجهة العسكرية،(في منطقة تُدعى بدراً) فماذا كانت العلّة وراء تبديل الله تعالى طريق المسلمين من مواجهة القافلة إلى معركة مع المقاتلين المسلّحين؟ السبب هو أنّ المسلمين كانوا يرون ما هو قريب وكانت إرادة الله ومشيئته تريد هدفاً بعيداً، فإنّ الله تعالى أراد أن يعمّ الحقّ هذا العالم ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ سورة الأنفال، الآية: 8. وأراد أن يزهق الباطل، الّذي هو بطبيعته زاهق. ألم يكن المقرّر هو أن يقوم الإسلام بالقضاء على جميع القوى والسلطنات الشيطانية والطاغوتية؟ ألم يكن المقرّر أن تصبح الأمّة الإسلامية ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ سورة البقرة، الآية: 143.
ولم يكن المتوقّع من العدوّ أن يقلع عن عداوته بهذه السرعة،ولذلك بدأ بالتخطيط لمعركة أُحد.
*وفي معركة أُحد : كان الأمر في البداية لصالح المسلمين بسبب اتّحادهم وتوافقهم ولكن بعد أن ظهر بعض المخالفة لأوامر الرسول صلوات الله عليه وأله أعطت العدّو الفرصة ليلتفّ عليهم وليسقط أعزّ أبناء الإسلام ومنهم حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه .

– معركة الخندق : آخر المعارك الّتي شنّت ضدّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم – وهي واحدة من أهمّها – حيث استجمع كفّار مكّة كلّ قواهم واستعانوا بالآخرين أيضاً وقالوا فلنذهب ونقتل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبضع مئات من أنصاره المقرّبين، وننهب المدينة، ولن يبقى بعدها عينٌ ولا أثر للنبيّ ومن معه. وقبل أن يصلوا إلى المدينة كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد علم بالأمر فبادر إلى حفر خندق عرضه أربعون متراً تقريباً من الجّهة الّتي يسهل اختراقها. كان ذلك في شهر رمضان والمناخ قارس البرودة كما تنقل الروايات، كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الناس عملاً في حفر الخندق؛ وكان يشارك المسلمين بكيانه ووجوده أيضاً، ولمّا رأى الكفّار الخندق أصيبوا بالإحباط والهزيمة، واضطرّوا للانسحاب عندها نادى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ الأمر قد انتهى، و جاء دور المسلمين للتوجّه نحو مكّة.
– صلح الحديبية : وبعد عام من تلك الواقعة أراد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم التوجّه إلى مكّة لأداء العمرة – وأثناء ذلك وقع صلح الحديبية الغنيّ بالمعاني والأهداف – وكان مسير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكّة في شهر محرّم الحرام – حيث كانوا يحرّمون فيه القتال – فأصبحوا في حيرة من أمرهم ما عساهم صانعين، وأخيراً قرّروا عدم السماح له بالمجيء إلى مكّة وإبادته هو وأصحابه إن وجدوا لذلك مبرّرا، (ولكن) تميّز تصرّف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأسمى درجات التدبير، حيث قام بما دفعهم لأن يُبرِموا معه صلحاً يقضي بأن يعـود إلى المدينة علـى أن يأتي فــي العـام القـادم لأداء

العمرة. وتوفّرت الظروف جميعها أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أجل التبليغ في كلّ أرجاء المنطقة وفُتحت أمامه الأبواب. كــان ذلك صلحاً، بيد أنّ الباري تعالــى يصرّح فــي كتابه بالقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ سورة الفتح، الآية: 1.
– فتح مكة : وفي العام التالي توجّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأداء العمرة ورُغم أنوفهم أخذت شوكته تزداد قوّة يوماً بعد يوم. ولمّا نقض الكفّار العهد في العام اللاحق (أي العام الثامن للهجرة) تقدّم نحوهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفتح مكّة، فكان فتحاً عظيماً ينبئ عن اقتدار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتمكنه.
3-العدوّ الثالث: وهم اليهود، (بنو قينقاع ، وبنو قريظة، وبنو النضير) فكانوا يمثّلون عدوّاً منظّماً. وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يسلك معهم سبيل المداراة ما أمكنه، لكنّه لمّا لمس منهم عدم استجابتهم لهذه المداراة بادر إلى معاقبتهم، وهكذا تميّز تعامل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع هؤلاء، أي أنّه أزال عداوة اليهود من على طريق المسلمين بكلّ تدبير وقوّة وإصرار مقترن بالأخلاق الإنسانية العالية. وفي كلّ هذه المواطن هم الّذين كانوا ينقضون العهود.
4-العدوّ الرابع : وهم المنافقون، كان المنافقون يعيشون بين الناس، وكانوا من الّذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، لكنّهم يفتقدون التنظيم وهذا ما كان يميّزهم عن اليهود، لقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل مع العدوّ المنظّم المتوثّب لمهاجمة المسلمين كتعامله مع اليهود ولم يمهلهم أبداً، لكنّه كان يتحمّل العدوّ غير المنظّم ممّن تلوّث أفراده بالعناد والعداوات والخبائث الفردية وعدم الإيمان؛ ولمّا اتّخذ تجمّع بعض المنافقين طابع التنظيم بادر إليهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، كما في قضية مسجد ضرار حيث اتّخذوا منه مركزاً وأقاموا اتّصالات مع عناصر من خارج النظام الإسلاميّ، فبادر إليهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهدم المسجد الّذي بنوه وأحرقه.
5-أما العدوّ الخامس: فهو عبارة عن العدوّ الكامن في باطن كلّ مسلم ومؤمن وهو الأخطر من بين جميع الأعداء. وهذا العدوّ معشش فينا أيضاً، إنّه الأهواء النفسية والأنانية والجنوح نحو الانحراف والضلال والانزلاق الّذي يهيّئ الإنسان بنفسه أرضيّته، وقد خاض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع هذا العدوّ صراعاً مريراً، غاية الأمر أن آلة الصراع مع هذا العدوّ لا تتمثّل بالسيف، بل بالتربية والتزكية والتعليم والتحذير. لهذا، عندما عاد المسلمون من الحرب مع كلّ ذلك التعب،قال لهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر”. فتعجّب المسلمون من قوله وسألوه: ما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟! لقد خضنا غمار هذا الجهاد المرير، فهل من جهاد أكبر منه؟! قال: “جهاد النفس”كتاب وسائل الشيعة،ج11،ص122.
فإذا ما صرّح القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ سورة التوبة، الآية: 125،فهذا لا يعني كلّ “الّذين في قلوبهم مرض” من المنافقين،، بل بعض المنافقين في عداد الّذين في قلوبهم مرض. فربما يكون المرء مؤمناً لكن في قلبه مرض، فماذا يعني هذا المرض؟ إنّه يعني ضعف الأخلاق والشخصية، والشهوانية والجنوح نحو مختلف الأهواء الّتي إن لم تبادر للحدّ منها ومقارعتها فإنّها ستأتي على الإيمان من الداخل وستؤدّي بالتالي إلى خواء داخليّ.
وإذا ما استُلب الإيمان من القلب وخلا الباطن وظلّ الإيمان ملاصقاً للظاهر إذ ذاك سيدخل المرء ضمن الّذين يُطلق عليهم اسم “المنافق”. وهذا هو الخطر الكبير الّذي يتهدّد المجتمع الإسلامي.
– في الختام :
– كان صلى الله عليه وآله وسلم طاهراً قانعاً لا وجود لأيّة نقطة ضعف في وجوده المبارك. كان معصوماً نقيّاً، وهذا بحدّ ذاته يمثّل أهم عوامل التأثير.
– ومن ناحية أخرى لم يفقد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تضرّعه إلى الله سبحانه وكان مواظباً على توطيد أواصر علاقته بالباري جلّ وعلا يوماً بعد يوم. فلقد كان يرفع يد الضراعة إلى بارئه في تلك الأثناء الّتي ينظّم عساكره ويحثّهم ويحضّهم على القتال، وفي ساحة الوغى، عندما كان يمسك بسيفه ويقود جيشه بحزم، أو يعلّمهم ما يصنعون؛ يجثو على ركبتيه رافعاً يديه باكياً

مناجياً ربّه سائلاً منه العون والإسناد ودفع الأعداء. ولم يعتوره التردّد أو الخوف وهو يواجه عدوّاً عنيداً؛ وقول الإمام عليه السلام فيه: “كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدو منه”.
– استمرّ حكمه عشر سنوات، لكنّنا لو أردنا إيكال العمل الّذي أنجز خلالها إلى مجموعة في غاية النشاط لعجزوا عن إنجاز كلّ تلك الأعمال والخدمات على مدى مئة عام، ولو قارنّا أعمالنا بما قام به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حينها سندرك المهمّة الّتي اضطّلع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فإدارة الحكم وبناء ذلك المجتمع وصياغة ذلك الأنموذج بحدّ ذاته يمثّل واحدة من معاجزه صلى الله عليه وآله وسلم .
تثبيت النظام الإسلاميّ وضمانة مستقبله في واقعة الغدير:
ما صرّحت به الآية المباركة من سورة المائدة، في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ سورة المائدة، الآية: 3. فهذه إشارة إلى أنّ هذه النعمة هي نعمة الإسلام ونعمة الهداية ونعمة إرشاد العالمين جميعاً إلى الصراط المستقيم. وهذا ما لا يمكن أن يتمّ بلا خارطة للطريق بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا أمرٌ طبيعيّ.
وهذا عين ما فعله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الغدير، حيث نصّب للولاية خليفةً ممتازاً لا نظير له وهو أمير المؤمنين عليه السلام ، لما كان يتمتّع به من شخصية إيمانية فريدة، وأخلاق سامية حميدة، وروح ثورية وعسكرية متميّزة، وأمر الناس بإتباعه. لقد كان هذا أمراً إلهيّاً صريحاً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقام بتنفيذه وإطاعته. فيه بيان جامعية الإسلام وشموليته، والتطلّع إلى المستقبل، فهذا الأمر الّذي لا تتمّ هداية الأمّة الإسلامية وزعامتها إلا به.
إنّه عملٌ واقعيّ ونموذجيّ في نفس الوقت. أي أنّ هذا هو النموذج الأمثل للقائد الإسلاميّ على مدى حياة الإسلام ، أنّه أراد أن يثبّت هذه الرابطة من أجل أن يظهر للناس نماذج كاملة للإنسان الّذي يريده الإسلام ويكون ذلك لجميع الأجيال الآتية. فيجعل النموذج الكامل للإنسان بصورة مجسّمة وعينية، وليقول إنّ شخصية الإنسان المسلم هي تلك الشخصية الّتي تجعل غايتها ونموذجها هذا الإنسان الكامل.

*ملخص من كتاب إنسان بعمر 250 سنة للأمام علي الخامنئي دام ظله.

الصفحة (3)

الخطوط تبدأ بقوة وبحماس واندفاعة، ثم تمر بمرحلة عنق الزجاجة وهي أشد المراحل الثلاث. ثم إّن قدر لها البقاء فإنها تنطلق من جديد حتى تصل إلى مرحلة تحقيق الأهداف المرجوّة.
كثيرة هي التوجهات السياسية أو الفكرية أو العسكرية التي بدأت قوية ثم ما لبثت أن اختفت في عنق الزجاجة، ذلك لأنها لم تخلق لها البدائل الحضارية منذ اليوم الأول للانطلاقة. وكثيرة هي الرايات التي رفعت في زمن السلام ولكنها ما لبثت حتى نكست أو كسرت في زمن المواجهة والأزمة.
إن التحولات التاريخية، والسياسية ينشأ عنها تحولات جذرية في الأفكار والتوجهات.
إلا أن البقاء والاستــمرار يكون للأقوى، ولمن أســـس

بنيانه على تقوى من الله، هذا في معادلات المؤمنين.
أما في معادلات الناس فإن من يمتلك القوة التي ابتنيت على أساس رصين فإنه يبقى، ولأنه عمل بالسنن الطبيعية. وتلك التحولات السياسية الكبيرة التي عصفت بالأمة أبان العهد الأموي المحتضر تمخضت عن سقوط أكبر حكومة، ارتقاء أخرى مكانها.
– تلك راية وهذه راية :
وهنالك راية الحق – بين راية الكفر وأدعياء الدين – بيد جعفر بن محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، والرساليين من حواريي أبيه وجده ماذا عمل الإمام في تلك الفترة الحرجة، والتي كانت بالنسبة إلى الشيعة (فترة انفراج سياسي) ؟ – هل قام الإمام عسكرياً ؟ – أم هل اعتزل الأمة والساحة ؟ – أم هل بدأ في تعزيز الصف الرسالي ؟
نحن نؤمن أن الأئمة عليهم السلام لديهم أدوار متعددة وهدفها واحد كما قال المرحوم الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدس سره ). ولهذا نحن نبحث عن الدور الريادي الذي قام به الإمام أبو عبد الله الصادق حيث واصل السبيل الذي اتخذه والده الباقر عليهما السلام.
– الإمام في الإطار :
ولد الإمام أبو عبد الله بن محمد الصادق في المدينة المنورة في يوم الاثنين السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين ، والأشهر سنة ثمانين، وأمه هي فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر والمكنات بـ«أم فروة» وقد قام جده الإمام زين العابدين بتربيته ورعايته طوال مدّة اثني عشر سنة وتغذى من نمير علوم النبوة، واستقى من مناهل آبائه الطاهرين وتوفي الإمام شهيدا في الخامس والعشرين من شهر شوال من سنة 148 للهجرة النبوية الشريفة.
– الجامعة العلمية أولاً :
قد لا تجدي طريقة من الطرق أو أداة من الأدوات، أو وسيلة من الوسائل.
لكن يبقى الهدف واحداً وأن تعددت الوسائل، ونظراً لتحول السنين وظروفها المرتبطة بها، فلابد من مسايرتها بالطرق والأدوات حتى لا يفوتنا القطار. الرساليون يتفقون على أن العمل العسكري المسلح في موقعه خير العمل، والعمل الإعلامي في وقته هو الأفضل، والعمل الثقافي والفكري في زمن الهدوء هو الحل، وهكذا كان في عهد الإمام الصادق .
استشهد الإمام الباقر في سنة 177 للهجرة النبوية الشريفة في سبيل الله، وقد أوصى إلى ابنه الصادق ولم يزل في العقد الثالث من عمره المبارك بجامعته العلمية التي تمثل البديل الحضاري للوضع القائم آنذاك.
وما التفاف المئات حول هذه الجامعة إلا دليل على قوتها وصدقها، تماماً كما أعطاه خواتيم النبوة وأسرار الإمامة.
إن قوة أية مدرسة تكمن في مدى تأثيرها على الساحة الفكرية المعاصرة، وهكذا ما تميزت به جامعة الإمام الصادق (ع) ، حيث فرضت أفكارها ومبادئها وعلومها المختلفة على الساحة العلمية والفكرية، حيث استطاعت أيضاً أن توجه الأجيال المتلاحقة ثم تنشئ منها أمة حضارية لها كيانها الخاص، وذاتيتها القوية.
إن قيمة تلك الجامعة ليست بما أعطت من دروس أو بالكم الذي درس فيها، بل قيمتها تكمن في ما خطته من خط طويل كفيلة بتقدم أية أمة تمسكت بحبلها،وبما أنتجته م رجال لو قدر لهم أن يديروا دفة العالم لأداروها وهم على ذلك من القادرين، ولكن وبقدر ما توفرت لهم من إمكانيات استطاعوا أن يغيروا في معادلات التاريخ وتوجيه الأمة، وتغيير وجه الخارطة العلمية منذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا.
لازال التاريخ يتحدث عن تلك الجامعة التي تخرج منها أكثر من أربعة آلاف عالم كلهم يقولون حدثنا جعفر بن محمد.
– الإمام الصادق ( ) أصل العلم :
نحن نقرأ في الزيارة الجامعة المروية عن الإمام الهادي « وخزان العلم»، و كتاب «الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب» هو أكبر شاهد.
والكتاب عبارة عن مجموعة من البحوث لملتقيات علمـية فــي جامعة «استراسبورغ» في فرنسا في عـام

1968م.
وقد شارك في دراسة حياة الإمام الصادق (ع) العلمية

فقط خمسة وعشرون من أشهر العلماء والمستشرقين في جامعات فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وسويسرا وبلجيكا وأمريكا ومن جامعات لبنان وإيران وقد استنتجت هذه الدراسات نتائج كبيرة نذكر بعضاً منها حتى لا يظن ظان أن أهل البيت أصبحوا أئمة في الفقه والصلاة والعبادة وحسب بل هم أصل العلم ومعدنه. فمن تلك النتائج:
أولاً: هو أول من قال بدوران الأرض حول الشمس.
ثانياً: هو أول من أشار إلى الأوكسجين.
ثالثاً: هو أول من أشار إلى الجاذبية.
رابعاً: هو أول من أشار إلى أن الأعراض لها جزئيات (اللون، الطعم، الرائحة ).
خامساً: هو أول من فنّد نظرية العناصر الأربعة التي يذهب إليها أرسطو وصححها علمياً.
ومن نظرياته في الطب التي توصل إليها قبل الآخرين انتقال العدوى عن طريق الضوء، وليس عن طريق الهواء الملوث فقط.
وله نظريات في الفيزياء والكيمياء والأحياء، والطب، والفلك والهيئة والبيئة و.. وقد ترجم هذا الكتاب، «الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب».. إلى عدّة لغات.
– الأصالة :
وقد حافظت جامعة الإمام الصادق على أصالتها وذاتيتها في شتى الميادين الحياتية، ويرجع ذلك إلى ثقة التابعين لها بفكر قائدها ومؤسسها مما دعاهم إلى بذل كل شيء من أجل الحفاظ على أصالتها وروحها.
وقد أثبت ابن أبي الحديد أن علم الأئمة الأربعة (الحنفية والمالكية والحنبلية والشافعية) في الدين والحديث يرجع إلى هذه الجامعة العلمية.
فمن ذا الذي أملى على «جابر بن حيان » خمسمائة رسالة في الرياضيات، ولا زال العالم ينهل منها ؟ أليس هو الإمام الصادق.
وأبو حنيفة يقول: (لولا السنتان لهلك النعمان) .
كل ذلك من فضل الله واستثمار الإمام الفرص لنشر العلم والفضيلة.
لقد كان التخصص سمة من سمات تلك الجامعة، فقد احتوت مناهجها على أكثر من عشرة من التخصصات، حتى أن الرجل يأتي الإمام فيسأله في أي مجال يريد السؤال فان سأله في التوحيد والعقائد أرسله الإمام إلى هشام بن الحكم، وان سأله في الفقه أرسله إلى محمد بن مسلم وأبي بصير وشبههما، وأن سأله في الرياضيات مثلا أرسله إلى جابر بن حيان وهكذا، فيلازم تخصصه حتى يتخرج منه قديرا متمكنا.
– على صعيد الحوار :
ونتيجة لظهور الملاحدة المتأثرين بالثقافات الدخيلة على الفكر الإسلامي فتح الإمام الصادق باب الحوار والمناظرة معهم لردهم إلى حظيرة الإيمان والتقوى. فقد واجه الإمام ابن أبي العوجاء وابن طالوت وابن المقفع وغيرهم، حتى بين لهم إلا أنهم أصروا على الكفر والجحود.
ومن أراد فليراجع كتاب الاحتجاج أو البحار يجد هناك مجموعة من المناظرات بين الإمام وأولئك.
– الإمام الحق :
إن الإمام الصادق لم يكن محدثا، أو قصاصا، أو محاضرا، أو راويا، أو.. بل كان إماما للحق وبالحق. ذلك أن الحقيقة التي ينطق بها هي ذاتها الحقيقة التي غمرت قلبه الطاهر، وحواها فكره المنير ، وأدركتها
روحه الشريفة.
كان إماماً في كل شيء يحتاج إليه البشر، وقد أمه الآلاف من الناس لمعرفة الحقائق والعلم والحق الذي يدور حوله ومعه، وهذا هو الذي حدا بهم لإتباع مدرسته الفكرية في كل عصر. ولكي نعرف جانبا من عظمة إمامته نذكر بعضا من أقوال الذين عاصروه أو تتلمذوا على يد تلاميذه.
• هذا أبو حنيفة يقول:( ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد).
• وقال فيه الشهرستاني: (وهو ذو علم غزير في الدين وأدب كامل في الحكمة).
• وقال فيه ابن حجر الهيمي: (جعفر بن محمد الصادق نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته فـي جميــع البلــدان وروي عنــه الأئمـة

الكبار)، وهناك مئات الشهادات لعلمه وتقواه.
– كـرمـه :
من يتحدث عن كرم الأئمة الطاهرين ، إنما يتحدث عن إيمان حقيقي بعيد عن الشعارات الفارغة والادعاءات الكاذبة، فقد فطروا على المكارم والسجايا النبيلة. قال سعيد بن بيان : مر المفضل بن عمر – أنا وأخت لي – ونحن نتشاجر في ميراث فوقف علينا ساعة ثم قال لنا: تعالوا إلى المنزل، فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم دفعها إلينا من عنده حتى إذا استوثق كل واحد منا صاحبه قال المفضل: أما أنها ليست من مالي ولكن أبا عبد الله الصادق أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا أن أصلح وأفتد بها من ماله، فهذا مال أبي عبد الله.
وينقل هشام بن سالم أحد أصحاب الإمام البارزين فيقول: كان أبو عبد الله إذا أعتم – أظلم – وذهب من الليل شطره أخذ خنا فيه لحم وخبز ودراهم فحمله على عنقه ثم ذهب إلى أهل الحاجة من أل المدينة فقسمه فيهم ولا يعرفونه فلما مضى «توفي» أبو عبد الله فقدوا ذلك، فعلموا أنه كان أبا عبد الله) .
ويبعث إلى ابن عم له من بني هاشم صرّة بيد أبي جعفر الخثعمي وكان من رواته الموثوقين – فأمره بأن يكتمه عنه – فلما جاء إلى الهاشمي وأعطاه. قال: جزاه الله خيراً، ما يزال كل حين يبعث بها فنعيش به إلى عام قابل، ولكني لا يصلني جعفر بدرهم مع كثرة ماله. وحينما حضرته الوفاة أمر بسبعين دينارا لأبن عمه الحسن بن عيسى الأفطس فقيل له: أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة ليقتلك ؟ فقال : ويحكم أما تقرءون : (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب).
– حلمه ورفقه :
من عظمة الإمام الصادق أنه إذا بلغه من أحد نيلاً منه أو وقيعة فيه قام إلى مصلاّه فأكثر من ركوعه وسجوده وبالغ في ابتهاله وضراعته وهو يسأل الله أن يغفر لمن ظلمه بالسب ونال منه.
وإذا كان المتحامل من أهل الإمام وأقربائه يصله بماله ويزيد في بره. وفي يوم من الأيام بعث غلامه في حاجة فأبطأ، فذهب على أثره فوجده نائماً، فجاء وجلس إلى جانبه يروح له فلما انتبه الغلام قال له الإمام: يافلان ما كان لك أن تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار.
وهذا يعني أن لا ندع مجالاً في أنفسنا لحب السيطرة وأخذ من تحت أيدينا بالعنف والإساءة.
– عبادته وتقواه :
يكفي أن نذكر في ذلك قول مالك «إمام المالكية» في الإمام الصادق « وكان جعفر لا يخلو من إحدى ثلاث خصال، إما مصل وإما صائم، وإما يقرأ القرآن».
وقال: «ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وأدباً». لقد كان يلبس الجبّة الغليظة القصيرة من الصوف على جسده والحلة من الخز على ثيابه ويقول: نلبس الجبة له – لله – والخز لكم. وهكذا كان الإمام الأول في كل شيء، فلم يسبقه أحد إلى الفضائل والعلوم ومحاسن الأخلاق.- الإمام في المعترك السياسي :
يخطأ الكثيرون عندما يظنون بأن الأئمة الطاهرين قد اعتزلوا المسرح السياسي بعد مقتل سيد الشهداء ، بل على العكس تماماً، فهذا الإمام زين العابدين ساند كل الثورات التي قارعت حكومة بني أمية، والتي كانت تحمل شعار « يالثارات الحسين » وأتخذ مواقف سياسية مناوئة للحكومة الأموية. إن الثورات المناوئة
لبني أمية اتخذت طابعاً واحداً وهو تعرية الفوضى والمتمثلة في نظام بني أمية والتي استحوذت على منبر رسول الله واشترت الضمائر الرخيصة بحفنة من الدراهم. وتوالت الثورات بالرغم من أن أكثرها باءت بالفشل العسكري وقتل قادتها إلا أن آخرين حملوا راية الثأر للحسين من جديد.
ثم جاء بنو العباس الذين سجلوا مواقف مشرفة في بدايتهم ضد بني أمية وبنفس الراية – الرضا من آل محمد – وبهذه الراية حصلوا على شرعية التحرك والتف حولهم أناس كثيرون لما رأوا من شعاراتهم، إلا أنهم أظهروا حقيقتهم المتمثلة في إرادة الاستئثار بالسلطة ولما وعى الرساليون إلى الواقع رفعوا سيوفهم في وجوه الطامعين من بني العباس الذين اشتروا شرعيتهم لقرب أجدادهم من رسول الله . لقد أصبحوا سراق للثورة استأثروا بخيراتها وإنجازاتها وقاموا بتوجيهها الوجهة التي يريدون، وأخذوا الذين نصروهم بالأمس على الأمويين بالعذاب والتنكيل، ولم يسلم من بطشهم حتى مؤسس الفكرة «أبو مسلم الخراساني » حيث غدروا به وقتلوه.
أين كان موقع الإمام (ع) ؟
يظن البعض من المؤرخين أن عصر الإمام الصادق من المرجح أن يكون العصر المناسب لبروز الإمام على المسرح السياسي ومن ثم قيادته للساحة مع ما لديه من المؤهل والكفاءة الدينية والسياسية والشعبية. إلا أن الواقع ينبئ بأمر أخر، وهو أن الإمام لم يتسنّى له النهوض بإظهار الدعوة إلى السطح السياسي في فترة معينة من الزمن. فأما في عصر الأمويين فلما سبق من أنهم لم يكونوا يتورعون من أي جريمة يرتكبونها في سبيل إخماد ثورة ضدهم، بالرغم من أن الإمام لم يلجأ إلى الباطل في سبيل الحق، ولم يظلم لكي يعدل.
وأما بنو العباس فلم يكونوا بأحسن عملاً من أخوانهم بني أمية ولا أكثر منهم ولعاً عن الفتك والمكر في سبيل توطيد ملكهم، وقد استطاعوا أن ينسفوا عرش بني أمية نسفاً، وهكذا ضرب الباطل بالباطل. ومما يدل على عدم وجود المؤهلات للنهوض بالثورة في عصر العباسيين أن طائفة من بني عمومة الإمام ثاروا سواء في عصر الإمام أو بعده فلم يفلحوا وكان مصيرهم مصير أبائهم في عصر الأمويين.
وبالرغم من كل ذلك فإن الإمام كان يدعم أسس الثورة الفكرية الناضجة والتي تؤدي إلى الثورة السياسية أيضاً، وذلك عبر نشر الحقائق الدينية والتاريخية بصراحة ووضاحة، مما أدى إلى تهيئة جو صالح لغرس نواة الانقلاب الفكري السياسي، حتى أنه قرر أن يكون نجله الإمام الكاظم قائم آل محمد الذي كان تعبيراً عن رجوع الحقوق المغتصبة والمضيعة إليهم إلا أن الأتباع – بعضهم – لم يتحفظ على الأمر بالكتمان فظهر للدولة مما أفسده، وألقي القبض على الإمام الكاظم وسجن إلى أن استشهد، ونزل البلاء والعذاب على الشيعة من بعده ولا يخفى أن روح الثورة التي خلفها الصادق بقيت حية متوثبة حتى زمن المأمون العباسي ومن نتائجها إعطاء ولاية العهد للإمام الرضا لامتصاص النقمة الجماهيرية.
– الإمام الصادق عليه السلام إلى الرفيق الأعلى :
لقد عرف أبو جعفر العباسي ان أفضل طريقة للخلاص من الإمام الصادق عليه السلام هي دس السم إليه عبر الوكلاء، فبأمر من الحاكم العباسي قام محمد بن سليمان والي المدينة بدس السمّ للإمام الصادق في الخامس والعشرين من شوال عام 148 هـ فمضى أبو عبدالله عليه السلام ضحية المجرمين والظالمين، وقد دفن في مقبرة البقيع على مقربة من جده المصطفى صلى الله عليه واله وسلم بعد تشييع مهيب لجثمانه المبارك.
وهكذا أفل نجم من نجوم آل محمد صل الله عليه واله وسلم وأسدل الستار على نور من أنوار هم الباهرة ليقوم مقامه نجم آخر ونور ثاني.
السلام عليه يوم ولد ويوم جاهد في سبيل الله وأقام الدين ويوم أستشهد ويوم يبعث حيا .
ملخص من كتاب الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب

الصفحة (4)

أســس المـدنـيـة فــي منـهـج الـرسـول الأكـرم ( صلى الله عليه وآله وسلم )…

يقول عزوجل في محكم كتابه : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
هذه الآية الكريمة توضح خُلق الناس ولهم صفة الجماعيّة والتجمّع: (الإنسان اجتماعي بالخلقة، الإنسان مدنيّ الطّبع).
وكذا الفطرة وحدها لا تصلح سبيلاً للهداية، ولا العقول لتسيير شؤون الحياة، فهي متفاوتة مضطربة، وقاصرة عن إدراك الحقائق.ومن هنا كان التبليغ الذي يأتي به الأنبياء تشريعاً من الله، موافقاً لما يحكم به العقل.
وبالتالي فإن طبيعة التفاعل الاجتماعي تقتضي نظاماً مستقيماً يحقِّق العدل في العلاقات الاجتماعية، وفي جميع السلوك الإنساني. فكان بعث الأنبياء (عليهم السلام) إلى الناس لطفاً إلهيّاً استدعته الحكمة الربانية واقتضته المصلحة الإنسانية.
وجميع الرسالات السماويّة هدفها المحوري هو الإنسان وإن كان نضال كلّ رسالة من الرسالات، موجهاً لنقض القيم البالية والمتخلفة، السائدة في زمن الرسالة المرسلة
في ظل هذا الصراع الأزلي والمستمر الى يوم يبعثون، بين القوى الطاغوتيّة الظالمة، وهي تفرض قواها القاهرة المتسلّطة، على الانسان المؤمن وغير المؤمن أيضا وبين مبادئ العدل والحقّ والحريّة والمساواة، التي ظل يحمل شعلتها القليل جداً من المناضلين المؤمنين.
تلك العناصر الرساليّة المؤمنة بقيم السماء، والتي تدفع ثمن إيمانها دماً عبيطاً يراق على مذبح الشهادة.
وقد جاءت الرسالة المُحمديّة الخاتمة، بعد سلسلة من الرسالات السماويّة، التي توالت على البشريّة وإن كانت الفترات الفاصلة، بين واحدة وأخرى طويلة، بحسابات عمر البشر.
وبعد أن قضى رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فترة الدعوة في مكّة، وأخذت وقتها كمرحلة تاريخية، بلّورت أسس التضحية والمقاومة عند المستضعفين، في مرحلة كفاحهم ضدّ المستكبرين في مكّة. وبعدما انضجت التجربة المكيّة الرجال الرساليين، وصنعت منهم افراداً لا يخافون الموت ولا يرهبون الطغاة، ومارسوا عملياً الوقوف وجهاً لوجه، ضدّ قوى البغي والشر وهم لا يملكون أيّة مقومات ماديّة، وكان سلاحهم الوحيد هو السلاح المعنوي، سلاح الايمان. ومع كلّ التحديات لم تلن عريكتهم أو تهن عزيمتهم أمام تيّار الصنميّة العنيف.
ولقد نجح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بغرس فكرة الولاء للإسلام قبل الولاء للقبيلة وللموروث الجاهلي، وهذه خطوة عظيمة جعلت من بعض تلامذته، يحملون عناصر الثورة ويبشرون بجذوتها، حتى بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). وبعد الهجرة من مكّة والاستقرار في المدينة، انتقل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الى صفحة تأسيس الدّولة العادلة الفاضلة، الدولة التي ستخاطب العالم، وتبشّر بمفاهيم الإسلام المجيد.
الدّولة المدنيّة الجديدة، تحتاج لدستور ينظّم العلاقة بين متطلبات الدّولة، ومتطلبات المجتمع.
وإذا كانت متطلبات الدّولة مدعومة بالتسديد الإلهي، فبالتأكيد أنّها تمتلك من التشريعات، ما يُمكّنها من بناء أنجح العلاقـات المقامة، بينـــها كدولة وبين المجتمع المتنوع الذي ستحكمه.
وبالرغم من عدم تجانس المجتمع في المدينة المنورة، ووجود مستويات من التفاوت الطبقي، والاختلاف القبلي والديني أيضاً. بيّد أنّ رسالة الإسلام قضت منذ البداية على أهم عناصر التمايز والاختلاف، فألزمت جميع المؤمنين بأهداف الرسالة لتطبيقها، بإطلاق مجموعة من المبادئ والثوابت الرسالية منها:
– القضاء على الرّق، (الناس أحرار كما ولدتهم امهاتهم).
– المساواة بين الناس قومياً (لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلاّ بالتقوى).
– ضرب الأسس الماديّة وإبدالها بقيم روحيّة (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).

وانطلق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ببناء الدّولة بتأسيس أوّل وحدة تدار منها مهام الدّولة، مسجد قباء.
وأرسى كذلك الجانب الثاني من أركان الدّولة الحديثة، دستورها الذي يشكّل القانون الأساس الذي تقوم عليه الدّولة، والذي أطلق عليه اسم الصحيفة.
لقد نقل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المجتمع من مرحلة كان لا يعرف فيها الناس غير الاعراف القبلية، الى مرحلة سَنّ القانون، وأنْ يكون ايضاً القانون فوق الجميع.
وهذا مخالف للأعراف السائدة وقتذاك، حيث كان لكل قوّم سيّدهم وسائسهم، وهو صاحب الكلمة الطولى بينهم.
ولفهم بعض الأسس القانونيّة للدولة المدنيّة العادلة، التي أسسها رسول الله محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) يمكننا ان ندركها من خلال التأمل في بعض فقرات وثيقة المدينةومنها:
1-توحيد القاعدة الجماهيريّة، بالولاء للإسلام فقط حيث تقول احد فقراتها (المسلمون أمّة واحدة). وتأسيس قاعدة العلاقات العامّة بين المسلمين واليهود، فيحقّ لليهود إبداء الرأي وتقديم المشورة بإحسان وبدون غشّ.كما في الفقرة (وأن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم).
2-القضاء سلطة مستقلة ، وأنْ يكُون الجميع مع الحقّ.كما نفهمه من الفقرة (وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (كبيرة) ظلم او اثم او عدوان او فساد بين المؤمنين، وأن ايديهم عليه جميعاً ولو كان ولد احدهم).
3- سيادة القانون فوق الجميع: فهو الذي ينظم الحياة بين الجميع حيث تنص الفقرة على (….وإن ذمّة الله واحدة يجير عليهم أدناهم).
فلا تمييز ولا تفرقة بين الحاكم والمحكوم بل الجميع أمام القوانين الإسلاميّة المدنيّة والجزائيّة وغيرها ســواء، وعلى الحاكم والرئيس أن يؤدّي حقوق الناس كأيّ فرد من أفراد الأُمّة العاديّين، ويدعم ذلك ما روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ يقول: (النّاس أمام الحقّ سواء).
*-والقانون يحمي كل مسالم يبقى في المدينة أو يخرج منها، وإنّ القانون لا يحمي الظالمين والمذنبين، بغض النظر عن الدّين والجّنس والقوميّة واللون، (وإنه من خرج أمن، ومن قعد أمن بالمدينة، إلاّ من ظلم وأثم…).
*-ولايعاقب شخص بجريرة غيّره، وأن يُنصر المظلوم. (وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه وأن النصر للمظلوم).
*- ولا يجوز لأحد نصرة الظالمين والمذنبين. (وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم). وكذلك المجرمينلا يجوز إيوائهم أو مناصرتهم . (وإنه لا يحل لمؤمن أقرّ ما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً ولا يؤويه)، محدثاً: مجرماً.
4-يتمتع الجميع بالحرية الدينية والفكرية ولهم حقوق وعليهم واجبات في اطار الدولة ، بغض النظر عن إنتماءاتهم الدينية والعرقية والمناطقية، وبمختلف اتجاهاتهم الفكرية والعقائدية والسياسية بشرط أن لا يكون مشركاً.
كما جاء في فقرة وثيقة المدينة (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم – مواليهم وأنفسهم- إلاّ من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلاّ نفسه)، (يوتِغ: يهلك) .. (وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم).
5-حرمة المساس بالمال العام والحقّ العام، والأمن العام. (يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة).
6-التكافل الإجتماعي بين المؤمنين، (وأن المؤمنين لا يتركون مغرماً بينهم)، المغرم: مثقل بالدين، الكثير العيال.
7-إشاعة الرّوح التضامنيّة والمواطنة الصّالحة، وهي مسؤوليّة المؤمنين قبل غيرهم، (وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض من دون الناس).
8-عند الاختلاف، يكون القانون الإلهي مرجعيّة الجميع، (وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مردّه الى الله عزّ وجل، وإلى رسوله).
9-الأولوية للصلح والسلام، وليس للحرب والقتال. والعدو الرئيس للدّولة الاسلاميّة هو المحارب للإسلام، (وإذا دعوا إلى الصلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، إلاّ من حارب في الدين).
فهذه بعض اسس ومباديء دستور دولة الإسلام، ووثيقة المدينة التي قدمها رسول الله (صوالتي تكفل الحريّات والمساواة، في الحقوق والواجبات بين افراد المجتمع.، فهي مادّة قانونيّة بإمكان المشرّع اليوم أنْ يستمد منها العناصر القانونيّة التي تعتمد عليها الدّولة المدنيّة؟.
ألا تعتبر هذه المواصفات صالحة، لإقامة حكم مدني على المنهج النبوي الذي جاء به رسول الإسلام المصطفى محمد صلوات الله عليه وآله تحت ظلال التشريع الإسلامي.
وامكانيّة التشريع الإسلامي من انتاج دوّلة مدنيّة كنموذج يبحث عنه انسان اليوم المظلوم والباحث عن الحرية والعدالة والفضيلة وعن حقوقه وكرامته المسحوقة تحت عجلات الأنظمة الطاغوتية والفاسدة في عالم اليوم المليء بالفساد والظلم وتحكمه الأنانيات والغرائز ويسود فيه قوانين شريعة الغاب ، فما احوجنا الى الرجوع الى هذا الرسول الأعظم صلوات الله عليه وأله والى سيرته وتعاليمه الإلهية .

ولـد الهــدى …

وُلِـد الُهدى ، فالكائنات ضياء …. وفــــــم الزمان تَبَسُّمٌ وثناءُ
الروح والملأ الملائـك حـوله …. للـــديــــــن والدنيا به بُشـراء
والعيش يزهو، والحظيرة تزدهي …. والمنتهى والسِّـدرة العصماء
والوحي يقطر سلسلاً من سَلْسَلٍ …. واللوح والقلم البديع رُواء
يا خير من جاء الوجود تحية …. من مرسلين إلى الهدى بك جاءوا
يومٌ يتيه على الزمان صبـاحُه …. ومســاؤه بمحمــد وضـــــــاءُ
ذُعِرت عروس الظالمين فزُلزلت …. وعلـت على تيجانهم أصـداء
نعـم اليتيم بدت مخايل فضلِه …. واليـتم رزق بعضه و ذكــــــاء
يا من له الأخلاق ما تهوى العلا …. منها وما يتعشق الكبـراء
لو لم يُقم دينًا ، لقامت وحدها …. دينا تضــيء بنوره الآنــــــاء
زانتك في الخُلُق العظيم شمائلٌ …. يُغري بهن ويُولع الكـرماء
فإذا سخوت بلغت بالجود المدى …. وفعلت ما لا تفعل الأنواء
وإذا عفوت فقـادرا، ومقدَّرًا …. لا يستهين بعفوك الجــهـــــلاء
وإذا رحمــت فـأنت أمٌّ أو أبٌ …. هـذان فـي الدنيا هما الرحماء
وإذا غضبت فإنما هي غَضبة …. في الحب، لا ضغن ولا بغضاء
وإذا خطبت فللمنابر هـزة …. تعرو الندِيَّ وللقـــلـــــوب بكــاء
وإذا قضيت فلا ارتيابَ كأنما …. جاء الخصومَ من السـماء قضاءُ
وإذا حميـت الماء لم يُورَدْ، ولو …. أن القياصر والملوك ظماء
وإذا أجرت فأنت بيـت الله، لـم …. يدخل عليه المسـتجير عـداء
وإذا أخذت العهد أو أعطيـته …. فجميـع عهدك ذمـة و وفـــــاء
يا أيها الأمي، حســبك رتـبةً …. فـي العلم أن دانت بك العلماء
الذكـر ربك الكبرى التي …. فيها لباغي المعجـزات غنــــاء
صدر البيان له إذا التقت اللُّغى …. وتقـدم البلغــــاء والفصـحاء
حسدوا فقـالوا شاعرٌ أو ساحر …. ومن الحســود يكون الاستهزاء
ديـــــن يشيِّد آيـة فــي آيـة …. لبناته الســـــورات والأضـواء
الحق فيه هو الأساس، وكيف لا …. والله جـل جلاله البَــنَّـــــاءُ

الشاعر أحمد شوقي

إلى مصاف الهداية والصلاح .
كما يعد تأكيداً وتعظيماً للقيمة العليا التي جسدتها ولادة الرسول الأعظم في مسار التاريخ والحضارة الإنسانية عموماً والأمة الإسلامية خصوصاً كحدث إلهي أراد الله من خلاله أن يرسم إطاراَ جديداَ للبشرية على امتداد الأرض قاطبة ينقلهم من قيم الجاهلية الأولى إلى مثل السماء العليا التي أراد لها أن تتحقق على يد الرسول الأعظم مجسداً ذلك بالقران الكريم الذي أنزله عليه ليكون جامعاً ومهيمناً على كل الشرائع والكتب السماوية التي انزلها الله على أنبيائه ورسله من قبل .
ولسنا نحن المسلمين فقط مدينين لهذه المنّة والنعمة الإلهية بل الإنسانية كلّها مدينة لهذه النعمة ، فلقد كانت البشرية عمياء فتفتّحت عيونها، وكان العالم مظلماً فتنوَّر بنور وجوده المقدس.
وهذا هو معنى هذه الولادة الكبرى وبه سارت الإنسانية نحو القِيَم، وعرفت سيرها الحقيقي في طريق فلاحها ، وسعادتها.
وهذا ما سينمو وينتشر تدريجياً وتتضاعف شدته يوماً بعد يوم،والواقع أنَّ حياة الإنسانيّة بدأت منذ ذلك اليوم.. إلى اليوم الذي تكتمل فيه حجة الله على الناس وتضع الإنسانيّة أقدامها على هذا الطريق،‏ طريق التوحيد والحرية والعدالة والوحدة والتكامل والمحبة والسلام.
– رسول الله (ص) رمز الوحدة الإسلامية :
وفي ذكرى الميلاد العطرة يجب أن نذكر شعوب الأمة، وقادتها خصوصاُ وكل الغيورين على هذه الأمة ورسالتها، بضرورة استلهام الــدروس والعبـــر