1

منبر العدالة.. فلسفة الحج

تصدر عن تنظيم مستقبل العدالة
العدد (15)
ذو الحجة 1435هجري – 2014 ميلادي

الصفحة (1)

وحدة الأمة في فلسفة الحج…

toseh23 12 91 (6)

– يجب أن نعلم أن إحدى الفلسفات الاجتماعية للحج موسم مهيب، تتوافد إليه جموع المسلمين من كل فج عميق، يسوقهم الشوق، ويحدوهم الحنين، استجابةً لدعوة أبينا إبراهيم الخليل عليه السلام، وليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات.
وكما أن الحج وحدة في الزمان والمكان، وأيضاً في الآليات التنفيذية في العبادة في كل مشعر، فإن اللباس موحد، والنداء والشعار موحد، والجموع كلها تردد ملبيةً:(لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ)، فأي معنى من الوحدة أعظم من هذا المعنى؟ حيث وان هذا البعد (توحيد الناس) من أهم أبعاد فلسفة الحج وسنورد في الأسطر التالية شذرات من فكر الإمام الخميني (قدس سره) في هذا البعد الهادف إلى توحيد الأمة الإسلامية حيث يقول :
(ينبغي على جميع الإخوة والأخوات المسلمين والمسلمات الانتباه إلى أن إحدى مهمات فلسفة الحج إيجاد التفاهم وتوثيق عرى الأخوة بين المسلمين)، هذا التجمّع العظيم من جميع أنحاء العالم يجب أن نعلم أنّ إحدى الفلسفات الاجتماعيّة لهذا التجمّع العظيم من جميع أنحاء العالم توثيق عُرى الوحدة بين أتباع نبيّ الإسلام أتباع القرآن الكريم في مقابل طواغيت العالم، وإذا لا سمح الله أوجد بعض الحجّاج من خلال أعمالهم خللاً في هذه الوحدة أدّت إلى التفرقة، فذلك سيوجب سخط رسول الله (ص) وعذاب الله القادر الجبار.
– الحجّاج المحترمون الموجودون في جوار بيت الله ومحل رحمته، تعاطوا برفق ومروءة وأخوة إسلامية مع جميع عباد الله، واعتبروا الجميع ـ ودون النظر إلى اللون واللسان والمنطقة والمحيط ـ منكم، وكونوا جميعاً يداً قرآنية واحدة حتى تسيطروا على أعداء الإسلام والإنسانية.
*الحج مركز التعارف: إن الحج هو أفضل مكان لتعارف الشعوب الإسلامية حيث يتعرّف المسلمون على إخوانهم وأخواتهم في دين الإسلام من جميع أنحاء العالم, ويجتمعون في ذلك البيت المتعلّق بجميع المجتمعات الإسلامية، وبإتباع دين إبراهيم الحنيف وبعد أن يضعوا جانباً المفردات والألوان والعرقية والقومية، يرجعون إلى أرضهم وبيتهم الأول، ومع مراعاة الأخلاق الكريمة الإسلامية واجتناب الجدال والتجملات يتجلى ويتمظهر صفاء الأخوة الإسلامية وأبعاد تنظيم الأمة المحمدية في جميع أنحاء العالم.
-اتحدوا في رجم الشياطين: الكعبة، وحرم الدول الإسلامية التي هي من حرمة لأي دين أو قومية انتموا أن يرضخوا لأحكام القرآن الكريم، ويقفوا في مواجهة سيل الشياطين الذين يريدون اقتلاع الإسلام الذي طهر الشرق والغرب وعملاءهم الذين لا إرادة لهم، ويمدوا يد الأخوة الإسلامية لبعضهم البعض وينتبهوا للآيات الكريمة التي تدعوهم إلى الاعتصام بحبل الله، وتنهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وينبغي الاستفادة أكثر عضوياً وسياسياً من هذه الفريضة العبادية السياسية الإسلامية، في تلك الأمكنة الشريفة التي شيّدت بحق لأجل مصالح الموحدين والمسلمين في العالم، والإلتفات إلى سر التضحية والفداء الإبراهيمي ـ الإسماعيلي، حيث يجب الوقوف في سبيل الله إلى حد التضحية والفداء بأعز وأغلى ثمرة وجوده والدفاع عن الأهداف الإلهية.
-يجب طرد الشياطين الكبيرة والصغيرة والوسطى (أولى وسطى وعقبه) عن حرم الإسلام المقدس والكعبة والحـرم، ويجب قطع أيادي الشياطين عــن الكعبة، وحرم الدول الإسلامية التي هي من حرمةالكعبة، ويجب تلبية دعوة الله المتعال لبّيك اللهم لبّيك.
– اتحدوا لتعيدوا المجد: ويجب عليكم الاتكال على الله العظيم في تلك المواقف العظيمة، وعقد معاهدة الوحدة والالتفات في مقابل جنود الشرك والشيطان، وأن ترتقوا عن الفرقة والتنازع (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ).
إن لون ورائحة الإيمان والإسلام اللذين هما أساس الانتصار، والقوة يجب أن يقضيا على التنازع والتفرقة اللذين أساسهما الأهواء النفسانية ومخالفة أحكام الحق تعالى.
-أنهضوا من أماكنكم واحملوا القرآن الكريم واستلهموا أوامر الله تعالى حتى تعيدوا مجدكم وعظمة الإسلام العزيز، تعالوا واستمعوا إلى موعظة واحدة من الله حيث يقول: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى).
-وانهضوا جميعاً وقوموا لله. قوموا فرادى على جنود وشياطين أنفسكم الباطنية وقوموا جماعات على القوى الشيطانية، إذا كانت الثورة والنهضة إلهية ولأجل الله فهي منتصرة.
– الوحدة هي الحلّ: أيها الحجّاج المحترمون لقد اجتمع العالم حول بعضه البعض يتبادل الآراء في مصالح الإسلام ومشاكل المسلمين، فيجب أن تتخذوا إجراءات ضرورية لحل هذه المشاكل والوصول إلى الأهداف الإسلامية المقدّسة وابحثوا في طرق وسبل الوحدة بين جميع الطوائف والمذاهب الإسلامية، وابحثوا في المسائل السياسية المشتركة بين جميع الطوائف الإسلامية وابحثوا لإيجاد حل للمشاكل التي أوجدها أعداء الإسلام لمسلمي العالم والتي يعتبر أهمها تفرقة صفوف المسلمين.
اليوم ما هو الحل؟ ولأجل تحطيم هذه الأصنام ما هو تكليف المسلمين والمستضعفين في العالم؟ طريق واحد هو أساس لكل السبل ويقتلع جذور هذه المآسي ويقطع دابر الفساد ويعيد وحدة المسلمين بل وحدة جميع المستضعفين وكل المستضعفين والمكبلين بالسلاسل في العالم. هذه الوحدة التي يؤكدها ويكررها الإسلام الشريف والقرآن الكريم، ويجب تحقيقها في الواقع من خلال الدعوة والتبليغ بها بشكل واسع، ومركز هذه الدعوة مكة المعظمة عندما يجتمع المسلمون لأداء فريضة الحج والتي بدأها إبراهيم خليل الله ومحمد حبيب الله ويكملها في آخر الزمان حضرة بقية الله أرواحنا لمقدمه الفدا، يخاطب الله إبراهيم خليل الله ليدعو الناس إلى الحج، ويأتون من جميع الأقطار ليشهدوا منافع لهم ومنافع للمجتمع، منافع
سياسية، ومنافع اقتصادية، ومنافع اجتماعية وثقافية.- شكِّلوا جبهة للمستضعفين: ومن جملة الوظائف في هذا الاجتماع العظيم، دعوة الناس والمجتمعات الإسلامية لوحدة الكلمة ورفع الاختلافات بين فئات المسلمين حيث ينبغي على الخطباء والعلماء والمفكرين أن يبادروا إلى هذا الأمر الحياتي ويسعوا في سبيل إيجاد وتشكيل جبهة للمستضعفين حيث إنهم يستطيعون بوحدة الجبهة، ووحدة الكلمة، وشعار لا إله إلا الله أن يتحرّروا من أسر القوى الشيطانية للأجانب والمستعمرين والمستثمرين، ويتغلبوا على المشاكل بوحدتهم وأخوّتهم.
– احترزوا من التفرقة : ليسمع الجميع هذه الحقيقة، إن أعداء الإسلام يسعون بكل قوّتهم لإيجاد التفرقة والاختلاف بين المجتمعات الإسلامية ويسعون بأي وسيلة وتحت أي عنوان لإيجاد النزاعات بين المسلمين، والتي بتحقيقها تتهيّأ الأرضية الصالحة لتسلّطهم الكامل من جديد على جميع الدول الإسلامية، ويساعدهم على ذلك هجومهم لنهب الثروات، ومن هذه الجهة يجب الاحتراز عن أي عمل يؤدي إلى التفرقة وهذا تكليف شرعي وإلهي.
-يا مسلمي العالم، يا أتباع عقيدة التوحيد، إن سرّ كل هذه المصاعب والمتاعب في الدول الإسلامية، هو اختلاف الكلمة وعدم التنسيق، وإن سرّ الانتصار هو وحدة الكلمة ووجود التعاون
والتنسيق حيث بيّن الله ذلك في جملة واحدة: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) .
الاعتصام بحبل الله بيان تعاون جميع المسلمين، في سبيل الإسلام ولأجل مصالح المسلمين وللابتعاد عن التفرقة والانفصال والتحزب الذي هو أساس جميع المصائب والتخلف. أطلب من الله العلي القدير وحدة كلمة مسلمي العالم وعظمة الإسلام والمسلمين.
-اليوم هو زمن ينبغي على الشعوب أن تنير درب مثقفيها ومفكريها لإنقاذهم من حالة الانسحاق والضعف أمام الشرق والغرب، اليوم هو يوم حركة الشعوب التي كانت وما زالت تعتبر حتى اليوم قبلة للهداة؟. اعلموا أن قدرتكم المعنوية مسيطرة على جميع القوى الأخرى.
-انصروا الله ينصركم، أيها المحيط الإسلامي الكبير المارد، انهض وحطّم أعداء الإنسانية، وإذا ما سلكتم طريق الله والتزمتم تعاليم السماء فإن الله وجنوده معكم.
-طوفوا حول الكعبة بالطواف المتعارف على النحو الذي يقوم به جميع الحجّاج. واحترزوا من الأعمال التي يفعلها الأشخاص الجاهلون، واحترزوا بالمطلق من الأعمال التي توكون موجبة لوهن المذهب وفي الوقوفين فإن أتباع حكم قضاة أهل السنّة لازم ومبرئ ما لم يُقطع بالخلاف.

التحدي الأمني والمسئولية التاريخية …

في الوقت الذي يدشن فيه الشعب اليمني مرحلة جديدة من تاريخه متوجة بالانتصار الإلهي والمدوي على قوى الاستبداد والتسلط والفساد ونجاح ثورته المباركة ليبدأ مرحلة البناء وتحقيق حلمه الذي ظل ينشده فترة طويلة من الزمن وهو تحقيق الدولة المدنية العادلة .. وفي وقت تتصاعد فيه وتيرة التهديدات الإرهابية في المنطقة العربية ، واليمن كجزء لا يتجزأ من المنطقة التي تحيط بها مجموعة من المشاريع التآمرية والتدميرية التي تديرها الصهيوأمريكية لغرض تحقيق مصالحها وإطماعها الاستكبارية والاستعمارية.
حيث تسعى تلك القوى المندحرة إلى الانتقام من الشعب اليمني والنيل من أمنه واستقراره، مستهدفة كل يمني بلا استثناء ضمن مخطط قديم يهدف إلى تأجــيج الفتنة الــداخلية تحـــت مسميـــات شتى (الطائفية مثالا) وإدخال البلاد في مربع القتل على الهوية المذهبية والطائفية، وإغراقها في بحور من الدماء ،وتعمل جاهدة على إثارة الصراعات والخلافات هنا وهناك لإيقاد نار الفتن الداخلية، مستهدفة وحدة اليمنيين وأمنهم واستقرارهم لتحقيق أجندات وأهداف المشروع الصهيوأمريكي الذي تقوده أم الإرهاب أمريكا،وعملائها في المنطقة العربية والداخل اليمني.
والمعروف أن اليمن تتعرض منذ فترة لاعتداءات إرهابية متكررة وكما يعلم الجميع أن تلك القوى المستبدة والمتسلطة والتي عاثت في الأرض الفساد من خلال إحكام سيطرتها على السلطة والثروة ومواقعها الحساسة استطاعت أن تقدم الدعم الكبير وتوفير الغطاء السياسي والأمني للخلايا الإرهابية مما أسهم في إضعاف أداء الأجهزة الأمنية وتهاونها في تحمل مسئوليتها،، الأمر الذي هيئ المناخات والأجواء المناسبة لتوغل الجماعات الإرهابية، ونشر أفكارهم التكفيرية، ومنحهم ملاذا آمنا ووقتا أطول لبناء تشكيلاتها وخلاياها ، ووفر لها القدرة على التحرك وإقامة معسكرات التجنيد والتدريب للعناصر الإرهابية في كثير من محافظات اليمن وتمكينها من تنفيذ العديد من العمليات الإرهابية وإعطائها فرصة اكبر للاستمرار بمجازرها الدموية والإجرامية بحق أبناء الشعب اليمني مدنيين وعسكريين وقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً نتيجة ذلك .
وتسعى تلك القوى الخبيثة عبر قنواتهم ومنابرهم وأدواتهم الإعلامية والسياسية وتظليل الرأي العام، واختلاق الأكاذيب والافتراءات وتسويقها ورفع شعارات طائفية السياسية وإصدار تصريحات وخطابات تحريضية تؤجج وتسوق للعنف لجر البلاد إلى ما يسمى بالفوضى الخلاقة .
ولذلك فإن الشعب اليمني اليوم أمام تحدٍ خطير ، فالجميع مستهدف، ولذلك على كل اليمنيين توحيد الجهود وحشد الطاقات والالتفاف حول المشروع الوطني الجامع، والمضي قدما في بناء اليمن الجديد ،والإسراع في تنفيذ وثيقة الحوار الوطني ، وخصوصاً أن السيد / عبد الملك بدر الدين الحوثي – في خطابه أثناء مهرجان انتصار الثورة – تقدم فيه بالدعوة إلى كل أبناء الشعب اليمني بمختلف قواه وانتماءاته واتجاهاته إلى تغليب لغة الحوار والتسامح وتعزيز وترسيخ ثقافة وقيم العدالة والشراكة والتعاون في بناء الدولة العادلة التي هي أمل كل اليمنيين .
فيا أيها اليمانيون إن حاضر بلادكم، ومستقبل أجيالكم.. مرهون بمدى استشعار وتحمل الجميع للمسئولية الدينية والوطنية والأخلاقية والإنسانية، ورص الصفوف وتوحيد كلمة اليمنيين وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الضيقة والمحدودة والعمل على تعبئة الرأي العام وتوجيه الطاقات باتجاه التعاون والبناء الخلاق ونشر ثقافة وقيم التفاهم والحوار والوحدة والتسامح ونبذ العنف ومحاربة الأفكار الدخيلة التي تريد تدمير البلاد وتمزيق نسيجها الاجتماعي والله معكم وهو ناصركم ونعم المولى ونعم النصير .

الصفحة (2)

الـحــــــج عـبــــــــادة وثـــــــــورة…

فلسفة الحج في فكر الإمام الخامنئي (دام ظله)

10715664_381613392007982_400524587_n

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلَى كُلِّ ضامِر يَأتينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميق * لِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم وَيَذكُروا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّام مَعْلُومات عَلَى مَا رَزَقَهُم مِنْ بَهيمَةِ الانْعامِ، فَكُلُوا مِنها وَأَطعِموا البائِسَ الفَقيرَ * ثُمَّ لْيَقضُوا تَفَثَهُم وَلْيُوفُوا نُذورَهُم وَلْيَطَّوَّفوا بِالبَيتِ العَتِيقِ * ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيرٌ لَهُ عِندَ رَبِّه وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ).
صدق الله العلي العظيم

*خصوصية الحج، المعرفة هدية الحج الأولى:
إنها المعرفة التي عادة لا تمنح لحشود المسلمين الهائلة إلا في الحج وما من ظاهرة دينية أخرى بوسعها تزويد الأمة الإسلامية دفعة واحدة بمجموعة المعارف التي يمكن اكتسابها في مراسم الحج.
*الحج رمز الأمة الإسلامية:
تتزامن أيام الحج من كل عام بشوق وحنين في القلوب العاشقة والأرواح التائقة من كل أنحاء العالم الإسلامي لكي تسجد على أعتاب الحب والتقديس بجوار بيت المعبود وديار المحبوب،يقضون أياماً معلومات في ظل الذكر والمناجاة، ويلتقون إخوانهم الأبعدين من أقصى أنحاء العالم، ويستشعرون عظمة الأمة الإسلامية في نموذج حي ومتجسّد.
*الأبعاد المعنوية للحج، آداب الحج:
ينبغي أداء الحج بتوجّه وحضور قلب ومراعاة آدابه. ما عدا مناسك الحج والأعمال التي تشكل الصورة الظاهرية للحج، هناك للحج آداب هي روح الحج. أدب الحج هو الخضوع والذكر والتوجّه. أدب الحج هو الشعور بالوقوف أمام الله في كل اللحظات. أدب الحج هو اللجوء إلى ساحة الأمن الإلهي التي أعدها الله للمؤمنين والمتمسكين بأذيال التوسل بالذات الإلهية المقدسة. ينبغي معرفة هذه الجنة والدخول فيها. يجب فهم الحج بهذه الطريقة.
*تجربة معنوية:
بالنسبة للإنسان كفرد فإن فرصة الحج فرصة دخول إنسان في القضاء المعنوي اللامتناهي. إنه ينتشل نفسه من ثنايا حياته العادية بكل أدرانها وإشكالاتها، ويتوجه نحو فضاءات الصفاء والمعنوية والتقرب إلى الله والرياضة الاختيارية. جميع آداب الحج ومناسكه هي من أجل أن يتوفر الحاج على هذه التجربة المعنوية ويشعر بهذه اللذة في روحه.
*التحرر من مظاهر التفاخر:
تنتزع منا جميع وسائل التفاخر الظاهري والمادي، وأولها الثياب. تزاح المراتب والمناصب والرتب والثياب وأزياء التفاخر وكل شيء وتودع كلها في ثوب واحد. لا تنظروا في المرآة لأن ذلك من تجليات الأنانية والانبهار بالذات. لا تستخدموا العطور لأنها من أدوات التظاهر.
فرصة لبناء الذات:
الخطوة الأولى للحجاج هي بناء الذات. الإحرام، والطواف، والصلاة والمشعر، وعرفات، ومنى، والتضحية، والرمي، والحلق، هذه كلها مظاهر خشوع الإنسان وتواضعه أمام الله ومواضع ذكره وتضرعه وتقربه إليه. ينبغي عدم المرور بهذه المناسك ذات المعاني العميقة مرور الغافلين. مسافر ديار الحج عليه أن يرى نفسه في كل هذه المراسم في حضرة الله تعالى، ويعتبر نفسه وحيداً مع المحبوب رغم أنه وسط الحشود الهائلة، فيناجيه، ويطلب منه، ويعشقه، ويطرد عن فؤاده الشيطان والهوى، ويمحو عن نفسه صدأ الحرص والحسد والجبن والشهوة. ويحمد الله على هدايته ونعمه، ويروّض القلب على الجهاد في سبيل الله، وينمي في فؤاده العطف على المؤمنين
والبراءة من المعاندين وأعداء الحق، ويكرس عزيمته على إصلاح نفسه وإصلاح الحياة من حوله،
ويعاهد ربه على عمارة دنياه وآخرته.كل هذا يحصل في ظل معنوية الحج. لا تغفلوا عن معنوية الحج والاغتراف من المفاهيم السامية للأدعية والزيارات والآيات القرآنية الكريمة.
*عبادات لدفع الغفلة:
الحج فرصة استثنائية. جميع العبادات فرصة لاستعادة الإنسان لذاته. الإنسان يغفل عن نفسه وعن قلبه وعن حقيقته بسبب الغفلة عن الله تعالى وهو روح الوجود وحقيقته. «نسوا الله فأنساهم أنفسهم». هذا هو داء البشرية الكبير اليوم. والحج من هذه الناحية هو خير العبادات، إذ من حيث الزمان، ومن حيث المكان، ومن حيث توالي الحركات التي يقوم بها الحاج والناسك أثناء الحج، تعد هذه الفريضة عبادة استثنائية. من هنا كانت مدينة مكّة ومراسم الحج وسيلة لأمن الإنسان. الإنسان بخضوعه، وتوجهه، وتضرعه، وغرقه في ذكر الله أثناء تلك المراسم العجيبة العظيمة يشعر قلبه بالأمن .. نعم، الحج عبادة وذكر ودعاء واستغفار، لكنها عبادة وذكر واستغفار باتجاه إيجاد الحياة الطيبة للأمة الإسلامية وإنقاذها من أغلال الاستعباد والاستبداد وآلهة المال والعسف، وبث لروح العزة والعظمة في الأمة الإسلامية، وإزاحة للكسل والملل عنها.
الحج الإبراهيمي:
الحج الإبراهيمي هو الذي يسير فيه المسلمون من التفرق إلى الاجتماع. فهم يطوفون حول الكعبة التي تعد صرحاً لذكرى التوحيد ورمزاً للبراءة.
الحج الإبراهيمي هو الحج المحمدي الذي تعد فيه الحركة نحو التوحيد والاتحاد روح جميع المراسم والشعائر وعنوانها .حج تلمس فيه الشعوب المسلمة وجود الأمة المحمدية الشاملة وتواجدها في هذه الأمة، وتتحرر بفضل شعورها بالإخوة والتقارب بين الشعوب من شعورها بالضعف والعجز وانهزام الذات. الحج الإبراهيمي هو ذلك الذي يسير فيه المسلمون من التفرقة إلى الاجتماع.
سفر بالجسم والروح :
ليس الحج سفرة ترفيهية إنما هو سفرة معنوية. إنه سفر إلى الله بالجسم والروح كلاهما. السفر إلى الله ليس سفراً جسمانياً بالنسبة لأهل السلوك، إنه سفر قلبي وروحي. إنه سفر إلى الله بالجسم والروح كلاهما بالنسبة لنا نحن الناس. فهل يصح أن نأخذ الجسم إلى هناك ولا نأخذ القلب.
*الأهداف العامة للحج، دراسة القضايا المهمة في العالم الإسلامي :
الموضوع المهم الذي يتعين على حجاج بيت الله الخوض فيه كجزء من أهداف الحج هو القضايا الجارية والمهمة للعالم الإسلامي.
إذا كان الحج مؤتمراً سنوياً عظيماً للمسلمين من كل أصقاع الأرض، فلا شك أن المهمة الأكثر فورية لهذا المؤتمر هي قضايا الساعة التي يعيشها المسلمون في أية نقطة من العالم. أية روح ضامئة تغترف هذه الجرعات من فيوض الكوثر المحمدي وتدفق الزمزم الحسيني وتنقی مع ذلك في شك وغموض من المضمون السياسي للحج؟ الحج من دون البراءة ومن دون الوحدة ومن دون التحرك والقيام
والحــج الــذي لا ينبعث منه تهديد للكفر والشــرك ليس بحج، ويفتقر لروح الحج ومعناه.
*رسالة التوحيد والوحدة :
الرابطة التي تربط كل هذه القلوب ببعضها هي الرسالة التي ارتفع هتافها لأول مرة من هذه الأرض وجابت طول العالم والتاريخ وعرضهما.. رسالة التوحيد والوحدة. توحيد الله ووحدة الأمة. التوحيد : هو رفض ألوهية الطواغيت والمستكبرين وأرباب المال والقوة. والوحدة: مظهر عزة المسلمين واقتدارهم.
*الحج عامل وحدة، عظمة الشعور بالوحدة :
الحج مظهر وحدة المسلمين واتحادهم. أن يدعو الله تعالى جميع المسلمين وكل من استطاع منهم للقدوم إلى منطقة معينة وفي زمن معين، ويجمعهم طوال أيام وليالٍ إلى جانب بعضهم في أعمال وحركات ترمز للتعايش والنظام والانسجام، فإن أول الآثار الجلية لذلك هو بثّ الشعور بالوحدة والجماعة في كل واحد منهم وتعريفهم بعظمة اجتماع المسلمين وشوكته، وإرواء ذهن كل واحد منهم من الشعور بالعظمة بفضل الشعور بهذه الحقيقة يكتسب المسلمون في كل البلدان الإسلامية شجاعة مواجهة معسكر معاداة الإسلام أي الهيمنة السياسية والاقتصادية للعالم الرأسمالي وعملائه وأذنابه وأحابيلهم وفتنهم، ولن ينفع معهم سحر الإذلال وهو السلاح الأول الذي يستخدمه المستعمرون الغربيون ضد الشعوب التي يهاجمونها.
استغلال أداة الوحدة : وعرقلة مسيرة الوحدة :
– يا له من جفاء أن يستخدم شخص أداة الوحدة هذه لبث الخلاف والصدع. على مسؤولي الحج ـ مسؤولي قوافل الحجاج ورجال الدين فيها ـ أن يحذروا من أن يصنعوا من أداة الوحدة هذه وسيلة للتفرقة، ويملأوا القلوب بالبغضاء والحقد ضد بعضها. ما الشيء الذي يملأ قلب الشيعي بالضغينة ضد أخيه المسلم غير الشيعي، ويملأ قلب السني بالبغض لأخيه المسلم الشيعي.. انظروا ما هي هذه الأشياء.. ينبغي معرفتها ونبذها، ويجب عدم تصيير الحج وسيلة لخلق البغضاء والفواصل وهو وسيلة للوئام والوحدة وتوحيد القلوب والنوايا والعزائم في العالم الإسلامي. معرفة هذه القضية ومصاديقها أمر يتطلب درجة عالية من الدقة والوعي.
* الحذر من التفرقة الاستعمارية :
من الأهداف الأساسية للاستكبار وأمريكا في العالم الإسلامي زرع الخلافات وتأجيجها بين المسلمين. وأفضل طريق لذلك هو بث النـزاعات بين الشيعة والسنة منذ سنوات طويلة وأيدي الاستعمار وأيدي القوى الغربية الجشعة تمارس هذا الدور. يحضّون هذا على إهانة مقدسات ذاك، ويدفعون ذاك لإهانة مقدسات هذا ينبغي التحلي باليقظة، وهذه حالة لا تختص بالحج. يجب التحلي باليقظة طوال الوقت وفي جميع الميادين والأصعدة الحرب بين الشيعة والسنة هي الأمل الحقيقي لأمريكا بعد مضي قرون طويلة يجلس الشيعة والسنة في وجه بعضهم ـ كالذين يتجابهون في الحرب ـ ويتحدثون ضد بعضهم بقلوب ملؤها الضغينة .. هذا يسبّ ذاك، وذاك يسبّ هذا. ليس مستبعداً أبداً خصوصاً في هذا الظرف الحساس جداً أن يستأجروا في مراسم الحــج أشخاصاً مـــن أجـــل العمل عـلى خلق هــذه الخلافات.. إنها لغفلة كبيرة أن يتصور الإنسان أنه يدافع عن الحقيقة والحال أنه يدافع عن خطط الأعداء ويعمل لصالحهم. البعض يتقاضون المال ويصبحون مرتزقة ويفعلون ذلك. وقد يستفزون بعض العوام السطحيين المتعصبين أيضاً ضد معتقدات ومقدسات غيرهم من المسلمين. وإذا واجه هؤلاء ممارسات مماثلة من الطرف المقابل يكون الأعداء قد بلغوا أهدافهم دون شك. هذا ما يريده الأعداء.. يريدون لنا أن نشتبك لتطمئن قلوبهم وترتاح خواطرهم.
على الناس الحذر واليقظة، وعلى رجال الدين المحترمين في قوافل الحج الشعور بتمام المسؤولية حيال هذه القضية وأن يتفطنوا ويعلموا ما الذي يريده الأعداء.
البراءة من المشركين، الركن الأساسي في الحج :
في هذا الميدان العظيم [الحج]، كما أن ذكر الله:{فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} و أعلان البراءة من المشركين: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} يعدان ركنين للحج، نعم، الساحة التي تلزم فيها البراءة من المشركين ـ أي الأعداء الأساسيين للأمة التوحيدية الواحدة ـ يُحرّم فيها الجدال مع الإخوة المسلمين ـ أي المكوِّنات الأساسية للأمة التوحيدية الواحدة ـ وهكذا تكتسب رسالة الوحدة والجماعة صراحة أكبر في الحج.
-هل فضح المخططات الأمريكية ومخططات سائر المستكبرين ضد الإسلام والمسلمين شيء بخلاف الواجب؟
أليست دعوة المسلمين للاتحاد وإبداء النفور من عوامل التفرقة أمراً قرآنياً صريحاً؟ الذي يستفيد من تعطيل مثل هذه الواجبات المهمة هو أمريكا والصهيونية.
-هتاف البراءة الذي يرفعه المسلمون في الحج اليوم هو هتاف البراءة من الاستكبار وعملائه الذين يتنفذون في البلدان الإسلامية باقتدار للأسف، ويفرضون على المجتمعات الإسلامية ثقافة وسياسة ونظام حياة طابعه الشرك، ويهدمون أركان التوحيد العملي في حياة المسلمين.
-إننا لم نأت بالبراءة من الخارج لندخلها في الحج. إنها جزء من الحج وروح الحج والمعنى الحقيقي لاجتماع الحج العظيم. البعض يحبون أن يقولوا دوماً في الصحافة وفي تصريحاتهم وفي همزهم ولمزهم في أطراف العالم: «لقد سيّستم الحج».. ما معنى هذا؟ إذا كان القصد أننا أدخلنا مفهوماً سياسياً إلى الحج فيجب القول لهم إن الحج لم يكن أبداً خلواً من المفهوم السياسي.
-البراءة من المشركين وإبداء النفور من الأصنام وصنّاع الأصنام هو الروح السائدة على حج المؤمنين. كل موضع من الحج دليل على التوق إلى الله والسعي والجد في سبيله والبراءة من الشيطان ورميه وطرده والاصطفاف بوجهه وضده. وكل موطن من مواطن الحج مظهر للاتحاد والانسجام بين أهل القبلة وانهيار التباينات الطبيعية والاعتبارية، وتجلي الوحدة والإخوة الحقيقية والإيمانية بينهم. الحج إنما هو إعادة قراءة لهذه الدروس الكبرى وإتقانها.

الصفحة (3)

صيانة الحريات في حكومة الإمام علي (عليه السلام)…

veladat_imam_ali_1

أولاً: مقدمة:
لا نعلم حاكماً في التاريخ زهد هذا الزهد كله، حتى رأى في نعله البالية خيراً من الأمارة، وسعى الناس إليه يحملونه إليها حملاً، إلا ما كان من أمر الإمام علي عليه السلام وحكومته، أليست الإمارة في ذاتها جزءاً من دنياه التي كان يراها أهون من ورقة في فم جرادة تقضمها؟ وما عسى أن يكون لهذه الورقة من قيمة لو دامت وبقيت؟ فكيف وهي توشك أن تقضم في الفم الشره؟ وهل قصرت بلاغة الإمام في رسم صورتها (الفنية) للتبشيع والتنفير منها حين قال إنها أهون في عينه من عراق خنزير في يد مجذوم؟ وهل سيجد بعد ذلك قيمة لشيء من زادها إلا التقوى؟ ماذا نقول لرجل أعطاه الله تعالى قلباً وعينين يرى بهما الدنيا عارية بحقيقتها لفظاً ومعنىً؟ أبداً، لن يكون لهذا السجين عشق إلا الإنعتاق من أسرها، والتخفف من إصرها، والتوحد بلذيذ مناجاة الله، والشوق إلى لقياه، حتى يكون كما عبّر: آنس بالموت من الطفل بثدي أمه. إنه الإمام الذي زم نفسه بزمامها وألجمها بلجامها، وأقسم أنه سيروضها برياضة التقوى حتى تهش إلى القرص مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً. ولن يشغله هذا الزهد كله – مع ذلك – من أن يجعل حركة حياته حرباً على الظالم، ونصفاً للمظلوم، وأن تكون حرية الإنسان وكرامته أسمى أهداف حكومته.
ثانياً: حكومة الإمام عليه السلام وإعلان المبادئ:
وخطب علي في الناس ليعلن مبـادئ حكمه، فقـال:
(أيها الناس، إن لي عليكم حقاً، ولكم عليّ حق، فأما حقكم عليّ فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم.
إن المبادئ الأربعة التي أعلنها الإمام من حقوق الناس هي:
(النصيحة – توفير الفئ (المال) – التعليم – التربية ) تشكل بحق أسس المجتمع الصالح الراشد.
إننا نرى أن هذه المبادئ هي التي تؤسس للحرية الإنسانية، فلا معنى للحرية بغير نصيحة، ولا بحال لها مع الظلم والإفقار، ولا ثمرة لها بغير تعليم وتربية.
ويؤكد في خطبة أخرى واجباته في مقام الإمامة بالقول: ( إنه ليس على الإمام إلا ما حمل من أمر ربه، الإبلاغ في الموعظة، والاجتهاد في النصيحة، والإحياء للسنة، وإقامة الحدود على مستحقيها، وإصدار السهمان على أهلها).
وفي تأكيده على أهمية العدالة الإنسانية أقسم أمام الناس: (وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً).
ويلقي بهذه الوصية في آخر يوم من أيام دنياه إلى ولديه الحسن والحسين، قائلاً لهما: كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً.
ولا تعجب من مساحة الحرية التي تمتع بها الناس على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم في حكومة علي عليه السلام، فإنها وبكل وضوح وبساطة ثمرة القيود الشرعية التي قيد بها نفسه، ونتاج إخلاصه لمدرسة الإسلام ومعلمها الأول رسول الرحمة المهداة صلوات الله عليه.
ثالثاً: مناخ للحريات:
على توفير مناخ الحريات الإنسانية عامة عبر خطبه ووصاياه وكتبه. ومن ذلك قوله في خطاب عام للناس: (لا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا عندي بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ).
كــان يعلــم رعيته أن لهم عليه مثل مــا له عليهم، وأن أعظــم الحقـــوق هـــذا الحـــق المتبــادل بيــن الوالي والرعية.
وكتب في وصيته للأشتر: (أشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، أطلق عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنك سبب كل وتر، وتغاب عن كل ما لا يصح لك).
ومنه: (واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في غيري موطن: ( لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع) ثم احتمل الخرق منهم والعي، ونح عنهم الضيق والأنف)
إننا ندرك أن حرية التعبير والتظلم قد تكون متاحة من الناحية النظرية، وكم ادعى الحكام الظلمة عبر التاريخ ويدعون أن لشعوبهم حرية التعبير والتفكير والتظلم والشكوى والنقد، ولكن أنى يكون ذلك؟ وسحائب الخوف تظلل الرؤوس، وذهب الحاكم تميل إليه النفوس، فتخرس الألسنة رغباً أو رهباً.
أما علي فلم يكن عنده ترهيب ولا ترغيب للناس من أجل موالاته ونصرته وطاعته، فكم سيبقى معه ممن أخلص النصر، وانتظر من الله الأجر؟
رابعاً: صور من الحريات في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام:
1- حرية البيعة:
ما أكره الإمام أحداً على بيعته، بل لو جاز لقلنا إن الناس أكرهته على الإمارة، كما وصف الحال بقوله: (بسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها..).
وأكد هذه الحقيقة في رسالته إلى أهل الكوفة: (بايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين بل طائعين مخيرين).
ثم نكث البيعة من نكث، فكان الإمام يغض الطرف عنهم ولم يشهر سيفاً ولم يبرز عنفاً، حتى ألبوا عليه، وجيشوا الجيوش، ورموه بما لم تجن يده ولا لسانه، في أسوأ استثمار لأجواء الحرية التي نعم بها أعدؤه ومخالفوه، كما نعم بها أقرب الناس إليه.
ولم يحاول الإمام أن يحد من حرية طلحة والزبير بعد أن بدت أمارات الغدر والنكث، حتى تعللا بالعمرة، وذهبا بكل حرية ليعودا قائدين لجيش يحاربه، ووصف ذلك بقوله: (وأبرزا حبيس رسول الله في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعاً غير مكره).
وجاء كذلك في كتابه إلى معقل بن قيس حين أنفذه إلى الشام: ( لا تقاتلن إلا من قاتلك، ولا تدن من القوم دنو من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد عنهم تباعد من يهاب البأس، حتى يأتيك أمري، ولا يحملنكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم الإعذار إليهم).
2- حرية القتال:
ولم يكن عند علي تجنيد إجباري للحرب، ولم يفعل إلا ما فعله رسول الله من تحريض المؤمنين على القتال، والترغيب بأجر الآخرة، والزهادة فيمن زهد في هذه الفريضة.
وخطبته في فضل الجهاد التي يقول في أولها: ( إن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه) أشهر من أن تعرف.
وكيف لا تسهر عيناه ويعصر الألم قلبه وهو يعلم علم اليقين أن سنن الله لا تتخلف في خلقه، وأن التخاذل عن الحق لا يعقب إلا الهزيمة، لنستمع إليه يقول لأصحابه وهو يقرر هذه الحقيقة المحزنة التي يماري فيها بعض جهلة المسلمين إلى الآن: (أما والذي نفسي بيد ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقي).
وقوله: (إني والله لأظن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفركم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم، وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم). وما لجفنه لا يؤرق وهذه حاله مع صحبه:
(منيت بمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، أقوم فيكم مستصرخاً، وأناديكم متغوثاً، فلا تسمعون لي قولاً، ولا تطيعون لي أمراً، حتى تكشف الأمور عن عواقب المساءة، فما يدرك بكم ثار، ولا يبلغ بكم مرام، دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الأسر..).
3- حرية الولاء والبراء:
كان الخوارج يقولون في علي ما شاؤوا، وهم ينعمون بالحرية، وهم آمنون على أنفسهم وأموالهم، إنه شيعته السابقون، وهم وإن كفروه في التحكيم، يعلمون حقاً ما تنطوي عليه نفسه من خلق عظيم، وقد عاد منهم من عاد إلى طاعته وولايته بعدما بصرهم، وأزال الشبهة من نفوسهم.
وجلس خارجي بين أصحاب علي يستمع معهم إلى بلاغة خطابه، ولم يلبث هذا الخارجي أن قال بالفم الملآن يعبر عن إعجابه بطريقته: قاتله الله كافراً ما أفقهه!
ويثب أصحاب الإمام ليقتلوه، إلا أنه يمنعهم ويقول: رويداً إنما هو سب بسب، أو عفو عن ذنب.
يحق لنا أن نعجب ولكنها أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله إذ دخل مكة فاتحاً، وقال لأهلها: اذهبوا فأنتم الطلقاء.وهاهو تلميذه النجيب يوصي بأعدائه، ويذكر لهم فضائل في هذا المقام الذي تطمس الخصوم بعضهم فضائل بعض، ولا تطفو على السطح إلا سيئات الآخر، ولا ينسى الإمام تذكير ابن عباس بأن لبني تميم رحماً وقرابة، وأن عداوتهم له لا تسقط أجر الصلة ولا تمحو إثم القطيعة، فأي أخلاق!
4- حرية في أداء الزكاة:
قد يتمكن حاكم من تحصيل المال قهراً وعنفاً من بعض رعيته، ولكنها لن تكون زكاة في جوهرها وأجرها، إذ لا أجر في الإكراه، كما تفقد بعدها الإنساني في تأليف قلوب الأغنياء والفقراء بعضها ببعض، وتصبح علاقة الحاكم بالمحكوم غلاً وحقداً، هذا إذا تمكن الجباة من تتبع حركة المال ونموه عند صاحبه، وخاصة مع اتساع رقعة الدولة، وتحول المال إلى صور مختلفة من النقد، وتعدد مجالات الصرف، واختلاف المذاهب في بعض موارد الزكاة أو الخمس.
إن الإكراه لا يؤسس تربية إسلامية في المجتمع، وهو قبل كل شيء مخالف لقاعة قرآنية عامة، (لا إكراه في الدين) لا يملك الحاكم أن يضع لها شيئاً من الاستثناءات، وكيف واتساقاً مع هذه القواعد، أقام الإمام نظام الزكاة في حكومته، وأبلغه إلى موظفيه على الصدقات، ولا مجال لإيراد نصوص وصاياه في ذلك لطولها، ولكن البعض يشي بالكل، جاء في إحداها: (ولا تروعن مسلماً ولا تجتازن عليه كارهاً)، ثم أوصاه أن يلقي صاحب المال بما وسعه من اللطف والتهذيب، وأن يسأله الزكاة بهذا الأسلوب: (عباد الله، أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق، فتؤدوه إلى وليه، فإن قال قائل: لا، فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم، فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه، فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة، فإن كان له ماشية أو إبل، فلا تدخلها إلا بإذنه).
ومن كتاب له إلى عماله على الخراج: ( ولا تضربن أحداً سوطاً لمكان درهم، ولا تمسن مال أحد من الناس مصل ولا معاهد، إلا أن تجدوا فرساً أو سلاحاً يعدي به على أهل الإسلام).
وهذا هو الحد الذي تقف عنده الحريات في حكومته: أن تلامس هذه الحريات حقوق الناس وتلحق بهم بالظلم.
5- الحرية الفكرية:
لا يدخل في حيز التصور ولا التصديق أن يكون هذا الرجل الرباني الذي طالما تعرض لمن حضره من المسلمين يقوله الشهير: سلوني، ممن يحجر على الفكر، ويضيق ذرعاً بالسؤال، رغم أن من أشعلوا الحرب ضده لم يمكنوه من أن تثني له الوسادة.
لم يكن حرج على من شاء أن يسأل عما يشاء، فقد سأله ذعلب اليماني: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال له: أفأعبد ما لا أرى؟ قال: كيف تراه؟ قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان….. الخ الكلام.
وكان في أصحابه من يدعي علم النجوم فنصح الإمام ألا يسير في وقت مسيره إلى أعدائه، وخوفه من الفشل، فاكتفى الإمام بوعظه وإرشاده ولم ينكل به، بل كشف أمام بقية الأصحاب عن عدم فائدة هذا العلم، وأن المنجم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر… ولم يأخذه بعقوبة، ولم يخرجه من أصحابه.
والخلاصة في ذلك أن الإمام قد نصب نفسه لتعليم الناس لا لزجرهم عن العلم، لأنه لا حرية بلا علم، ولا علم بلا حرية.
6- لا إكراه في العمل:
وبالرغم من تعظيم الإمام للعمل، وعلمه بقيمته في الدين والدنيا، وكونه قدوة في الكد والكدح، وقد استخرج بيديه عيوناً في المدينة وينبع وسويعة، وأحيا بها مواتاً كثيرة، وأخرجها من ملكه، وزرع بيديه آلافاً من فسائل النخل، وتصدق بدار له بالمدينة، وبالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر والبغيبغة على فقراء أهل المدينة وابن السبيل بعدما استخرج ماءهما بكد يده، إلا أنه لم يكره أحداً في حكومته على أداء عمل…
ومن شواهد ذلك ما رواه البلاذري في أنساب الأشراف أن قوماً من الكوفة جاؤوه يسألونه أن يأمر عامله على الكوفة ليكلف الناس بحفر نهر يعود خيره على البلاد، فكتب الإمام إليه: ( أما بعد فإن قوماً من أهل عملك أتوني فذكروا أن لهم نهراً قد عفا ودرس، وأنهم إن حفروه واستخرجوه عمرت بلادهم، وقووا على خراجهم، وزاد فيء المسلمين قبلهم، وسألوني في الكتاب إليك لتأخذهم بعمله وتجمعهم لحفره والإنفاق عليه، ولست أرى أن أجبر أحداً على عمل يكرهه، فادعهم إليك فإن كان الأمر في النهر على ما وصفوا فمن أحب أن يعمل فمره بالعمل، والنهر لمن عمله دون كرهه، ولأن يعمروا ويقووا أحب إلي من أن يضعفوا والسلام).
خاتمة: شهادة علي وأزمة الحريات:
وطعنت ضربة ابن ملجم قلب الحرية في الصميم، وثارت أعاصير طغيان الحاكم لتكنس ما بقي من قيم السماحة والرحمة، وانفض عشاق الحرية من حوله، فردهم شهداء أو سجناء، واستمال من أراد الدنيا وهي في يده.
وكان أعظم شهداء الحرية سبط رسول الله الحسين الذي خيروه بين السلة وبين الذلة، بين البيعة وبين القتل.
وغادر إمام الحرية الدنيا، وأمامه ريحانتان تسمعان قولته: (كونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً).
الأستاذ نبيل محسن

الصفحة (4)
في رحاب يوم الغدير ألأغر …

eide_ghadir_2(yalasaratelhosain.blogfa.com)

ويحل علينا يوم الثامن عشر من ذي الحجة ، اليوم الذي اختاره الله لإكمال دينه وإتمام نعمته على الأمة بتنصيب علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصيا وخليفة للمسلمين ، ومن خلال هذه النافذة سنلقي بعض الضوء عن دلالة الغدير.
إبلاغ الرســـــــــالة :
يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {يا أيها الرّسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس}.
في أواخر حياة النبي(ص)، وفي آخر حجة له جمع فيها المسلمين، أخبره الله تعالى بأن أجله قد اقترب، ونزلت هذه الآية لتقول له: إنك قد بلّ‍غت الإسلام ونصحت لله، وجاهدت في سبيله، وتحمّلت من الأذى كما لم يتحمّله نبي قبلك، وقد حان فراقك للدنيا لتنتقل إلى رحاب الله تعالى، ليجزيك أجر ما بلّغت وجاهدت، وبقيت هناك مسألة تتصل بمستقبل الإسلام، لأن الإسلام بحاجة إلى وليّ يعيش الإسلام في كل عقله، وكان عليّ(ع) هو الوليّ، لأنّ عقله إسلام لا مجال فيه لأيّ كفر ولأيّ ضلال، لأنه رضع الإسلام من روح رسول الله(ص)، فقد تربّى على يديه قبل أن يُبعث بالرسالة، وعاش الإسلام عندما انطلق في وحي الله تعالى لرسوله، وتربّى على خلقه، وكانت آفاقه آفاق رسول الله، لقد كرّم الله وجهه عن السجود لصنم، في الوقت الذي سجد الجميع للصنم، فقد عرف التوحيد وهو ابن سنتين، فكان توحيد الله في كل عقله وقلبه ومشاعره وأحاسيسه.
التفاني والإخــــلاص للإســــلام :
وهكذا، عاش الإسلام جهاداً في بدر وأحد والأحزاب وخيبر وحنين. أعطى الإسلام كل جهده وكان الفارس الذي لم يتقدّمه أحد من المسلمين، وقد سُمع في وقعة بدر: “لا فتى إلا عليّ ولا سيف إلا ذو الفقار”، وانطلق في وقعة الأحزاب التي هُدد فيها الإسلام بجيوش المشركين وحلفائهم، وجاء عمرو بن عبد ود، والنبي(ص) يقول: “من لعمر وقد ضمنت على الله الجنة”، ولم يقم إلا عليّ ـ في المرات الثلاث ـ حتى أذن له النبي وقال: “لقد برز الإيمان كله إلى الشرك كله”، واندفع عليّ(ع) إلى الميدان، فبادره عمرو بالقول : لقد كان أبوك صديقاً لي ولا أحبّ أن أقتلك ، فردّ عليه عليّ في عنفوان شباب الإسلام الذي يحمله: “ولكنك عدوّ للإسلام وأنا أحبّ أن أقتلك “، لقد بعت نفسي لله، ولذلك فإنني عدوّ لمن عادى الله ورسوله، وصديق لمن كان يحبّ الله ورسوله. وعرض عليّ(ع) عليه أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقال له عمرو : دع هذه ، فعرض عليه أن يرجع بهذا الجيش من حيث أتى، فقال: لا أريد أن تتحدث نساء قريش أنني جئت بهذا الجيش ورجعت من غير أن أقاتل ، فعرض عليه أن ينزل ليتقاتلا، فقال: والله ما دعاني أحد من العرب قبلك ـ لأنه كان يعدّ بألف فارس ـ وتجاولا وصرعه عليّ(ع)، فشتم عمر بن عبد ودّ عليّاً(ع)، أو بصق في وجهه ، والمسلمون ينادون : يا علي! احتز رأسه لأن الرجل غدّار، وعليّ لا يستجيب، ثم صرعه وقتله، وسئل بعد ذلك: لمَ تأخرت في قتله وكنا نخاف عليك منه؟ فقال: “لقد شتمني ـ أو بصق في وجهي ـ فثارت أعصابي، فخفت أن أقتله انتقاماً لنفسي، فانتظرت حتى بردت أعصابي وقتلته لله”. لقد كان جهاد عليّ لله كما كانت صلاته لله، واستقبله رسول الله(ص) بالكلمة الرائعة: “ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين”، الإنس والجن.
لماذا هذه الكلمة ؟ هل هي عاطفة من رسول الله، وهو الذي {لا ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى} ؟
بل لأنه لو انتصر عمرو بن عبد ودّ على عليّ، وانتصر المشـركون على المسلميــن، لما بقيت للمسلميـــن قائمة، لأنهم انطلقوا من أجل إنهاء الإسلام في المدينة التي هي عاصمة الإسلام كلّه.
وفي خيبر، عندما برز مرحب في عملية استعراضية للمسلمين، وأرسل رسول الله شخصاً، فرجع يجبّن أصحابه ويجبّنونه، وأرسل شخصاً آخر فرجع كذلك، وقال النبي(ص): “لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه”، وقال: “أين عليّ”؟ قيل له إنه يشكو من عينيه، فجاء عليّ إليه ومسح ببصاقه على عينيه، وانطلق عليّ(ع) وواجه مرحبًا وقدّه نصفين، واندفع اليهود إلى القلعة، ولكن عليّاً(ع) انطلق بساعده الممتلئ إيماناً بالله ورسوله، واقتلع الباب ووضعه جسراً للمسلمين. وقد قال عليّ(ع): “والله ما قلعت باب خيبر بقوة بشرية بل بقوة ربانية”، وانتصر الإسلام في خيبر وحنين، وكان عليّ بطل الإسلام.
العالــم والمجاهـــد :
كان عليّ(ع) يملك العلم كله، يملك علم رسول الله: “أنا مدينة العلم وعليّ بابها”، وقال(ع) : “علّمني رسول الله ألف باب من العلم، من كل باب يُفتح لي ألف باب”. كان عليّ(ع) الإنسان الذي عاش الفقر كله والزهد كلّه، حتى إنّه عندما خطب السيدة فاطمة الزهراء(ع) من رسول الله(ص)، قال له : “ما عندك “؟ قال له: “ليس عندي إلا سيفي ودرعي”، وباع درعه الذي كان مهر الزهراء (ع).
ونسأل بعيداً عن العاطفة : لماذا عليّ وحده ؟ لأنه ليس هناك إلا عليّ ، ليس هناك أحد من المسلمين يملك علم عليّ وتاريخه في الجهاد، وإخلاصه للإسلام ، ليس هناك في المسلمين من يملك الإسلام كله إلا عليّ. ربما كان بعض المسلمين يملك شيئاً من العلم أو الجهاد هنا وهناك، نحن لا نغمط حقوق المسلمين وقد مدح الله تعالى المسلمين من المهاجرين والأنصار، ولكن لم يجمع أحد من المسلمين ما جمعه عليّ(ع)، والإسلام بحاجة بعد النبي(ص) الذي كان يمثل المظلة للمسلمين جميعاً، والقوة الروحية التي أعطتهم كل هذه الروح، بحاجة إلى الشخص الذي يستطيع أن يكمل حركة الرسالة، لأن الإسلام كان بحاجة إلى أن يمتد ويتوسّع، ولذلك لم يجد رسول الله إلا عليًّا، ولم تكن المسألة مسألة شخصية من رسول الله، بل إنه(ص) عرف من عليّ كل ما يحتاجه الإسلام، والجميع يروون: “عليّ مع الحق والحق مع عليّ يدور معه حيثما دار”، ويروون: “يا عليّ، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي”. وكانت الأوسمة النبوية تتلاحق في كلمات رسول الله(ص) في عليّ(ع)، ولذلك أراد الله تعالى له أن يجعله وصيّه وخليفته من بعده، لتستمر الرسالة في خطّها المستقيم.
الناصح والمسالم :
وقـــد نزلت هـــذه الآية، والمسلمـــون مجتمعـــون، والشمس في أشدّ حرارتها، وخاطب النبي(ص) المسلمين: “ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم”؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال(ص): “من كنت مولاه ـ أي من كنت أولى به من نفسه ـ فهذا عليّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيثما دار”، وانطلق المسلمون يبايعونه.
ومرت الأيام، وغاب رسول الله(ص)، وكان عليّ(ع) مشغولاً بتكفينه وتجهيزه، والمسلمون مشغولون: منا أمير ومنكم أمير… وكان ما كان، وابتعدت المسألة عن خطها المستقيم، وهوجم دار عليّ(ع)، وهُدد إذا لم يبايع أن يُحرق بالنار، وكان ما كان. لكن عليّاً(ع) لم يفكر في ظلامته وفي ظلامة وديعة رسول الله(ص) عنده عندما أُبعدت عن حقها في فدك، وعندما أُبعد عن حقه في الخلافة، بل كان يفكر في الإسلام والمسلمين، ووقف موقفاً سلبياً، ولكنه رأى أن هناك تطورات تجعل البعض يرتد عن الإسلام والمسلمين، ما جعله يتحرّك بشكل إيجابي فاعل، ليعاون الذين تقدّموه، ويعطيهم الرأي الذي كانوا بحاجة إليه، لأن علياً(ع) لا يحمل حقداً حتى لخصومه، والذين أبعدوه عن حقه الشرعي في الخلافة، وقد قال: “فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر يبايعونه، فأمسكت يدي، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد(ص)، فخشيت إن أنا لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم، التي إنما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث، حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه”. وكان(ع) يقول: “لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن بها جور إلا عليّ خاصة”، المهم أن لا يُظلم الإسلام أو يضعف.
لقد كان عليّ(ع) لله بكله، وقد ورد في تفسير الآية الكريمة: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد}، أنها نزلت في عليّ (ع) ليلة الهجرة عندما بات على فراش رسول الله (ص)، وقد كان يقول لبعض الناس عنده: “ليس أمري وأمركم واحداً، إنني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم”، كان عليّ(ع) يدعو الناس إلى أن يحاسبوه وينقدوه وهو فوق الحساب وفوق النقد.
إننا عندما ندرس علياً (ع) في كل حياته، منذ أن وُلد في الكعبة ومنذ أن احتضنه رسول الله، وفي كل محطات تاريخه حتى جاءه ابن ملجم وضربه في المحراب على رأسه، نجد أنه كان بكله لله، وقد ختم حياته بالكلمة التي عبّر فيها عن فوزه: “باسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله، فزت وربّ الكعبة”.
رائد الوحدة الإسلامية :
لقد كان عليّ(ع) رائد الوحدة الإسلامية، لم يتنازل عــن حقه، لأنّ حقه في الإمامة من الله تعالى ومـــن رسوله(ص)، ولكنه جمّد المطالبة بحقه في سبيل الإسلام، وقد كان يريد وحدة المسلمين ومصلحتهم، وكان لا يريد لهم حتى في أشدِّ حالات النزاع أن يسبوا بعضهم بعضاً ويلعنوا بعضهم بعضاً، وقد قال لأصحابه وهو في طريقه إلى صفين: “إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم: اللهمّ احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به”. وعلينا ونحن نعيش في هذه المرحلة، حيث يقتل المسلمون بعضهم بعضاً، ويكفِّرون بعضهم بعضًا أن نقتدي بعليّ(ع)، ونقول لهؤلاء الذين يستحلّون قتل المسلمين ممّن يلتزمون خطّ عليّ وأهل بيته، كما يحدث في العراق: إن الإسلام بحاجة إلى كل طاقات المسلمين، وعلى المسلمين عندما يختلفون أن يتحاوروا، كما قال الله تعالى. لقد برز الشرك كله والاستكبار كله إلى الإسلام كله، ونحن بحاجة إلى أن يبرز الإسلام كله والاستضعاف كله إلى الشرك كله والاستكبار كله.
إن علينا أن نعيش عليّاً(ع) في كل منهجه وسيرته وشجاعته وإخلاصه، ونقرأ في نهاية المطاف بيت الشعر للشاعر المسيحي بولس سلامة:
يا سماء اشهدي ويا أرض قرّي
واخشعي إنني ذكرت علياً
نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإسلام وولايته، وفي هذا اليوم ـ يوم الغدير ـ نقول: الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية عليّ(ع)، الحمد لله على إكمال الدين وإتمام النعمة، {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}.

من فكر المرحوم العلامة السيد محمد حسين فضل الله ( رض ) . المصدر : وکالة رسا للأنباء .

دعاء