1

منبر العدالة…الثورة الإسلامية الخمينية

تصدر عن تنظيم مستقبل العدالة
العدد الثامن
ربيع الثاني 1435هجري – 2014 ميلادي

الصفحة (1)
أعوام مضــت وثورة الاســـلام التي انطلقـت وانبعـثت من أرض ايران الاســلام على يد أعظـم مصـلح ومجـدّد في القرن العشـرين ما زالت مسـتمرة وتزداد مع مرور كل عام منعةً ورسوخاً وهي ماضية في تحقيق أهدافها وطموحاتها رغم كل ما تتعرض له من ضربات قاسية على جميع المستويات كانت كفيلة بالقضاء عليها في مهدها،وأثبتت الثورة قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، واستطاعت مع ذلك التأثير على التطورات والأحداث العالمية في وقت يشهد العالم السياسي تطوراً بارزاً حيث يجري الاعداد والتهيئة والتخطيط لاقامة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد القائم على أساس هيمنة النظام الامريكي على مقدرات الشعوب والبلدان والاستبداد بها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، شقّت الثورة الاسلامية في ايران طريقها وسط هذه الأمواج والظروف القاسية التي أحاطت بها، مع ما تشهده الساحة العربية والاسلامية من انحدار كبير الأنظمة الحاكمة باتجاه الاذعان والخنوع لسيطرة الاستعمار الامريكي والغربي، فجاءت الثورة الاسلامية في وقت كان العالم فيه بأمسّ الحاجة إلى الصحوة واليقظة من نومه العميق، فأشعلت فتيل وشرارة البدء بموجة التغيير على مستوى العالم كله، ولتمهّد الطريق أمام العديد من الحركات التغييرية التي تطالب بها الشعوب وهي تختزن في داخلها كل معاني الكبت والحرمان فيما تعيشه من سلب ونهب لثرواته وسيطرة تامة على عقولها وإقفال الطريق أمامها لتعيش بعزتها وكرامتها.

1903144_266687133500609_733867228_n

إذا أردنا دراسة معطيات الثورة الاسلامية يجب أن نخرج بها من الدائرة الضيقة التي تسعى الى تصويرها كثورة تقتصر في نتائجها على إسقاط نظام (الشاه) وإقامة نظام اسلامي بديل عنه في ايران.
إن الثورة الإسلامية التي أسس لها الامام الخميني بفكره العميق والشمولي أرادت أن تعطي نموذجاً وبرهاناً على قوة الشعوب على مواجهة القوى العظمى ولتوجد أعظم عملية استنهاض لهذه الشعوب لتتحرك وتتفاعل مع مقتضيات الأحداث ولكي لا تسكت عن الظلم الذي يحيط بها، ولتكسر كل القضبان والاسلاك التي تحيط بها وتخرج من سجنها الذي وُضعت فيه.
ومن أبرز مميزات الثورة هو حفاظها على المنهج الذي رسمته منذ انطلاقتها في تبنّيها لقضايا الشعوب المقهورة والمظلومة مما أكسبها قراءة للمستقبل من بين الثورات التي انحرفت عن مبادئها وخطوطها التي رسمتها في بداية قيامها، يقول قائد الثورة الاسلامية ومرجع الأمة وولي أمرها السيد الخامنئــي في تصويره لمعطيات ومميزات الثورة الاسلامية في ايران : «جاءت ثورتنا بفلسفة جديدة وبقيت ملتزمة بها حتى اليوم، لقد أثبتت ثورتنا بأنه من الممكن الوقوف بوجه الهيمنة وعدم التأثر بجبروتها وطغيانها وعدم الاستسلام أمام ابتزازها على شرط أن تمتلك الايمان بوجود قدرة أقوى من كل قدرة مادية يعتمد عليها، ألا وهي قدرة الله سبحانه وتعالى».
هذه المعطيات التي أفرزتها الثورة كان لها الصدى الواسع في عملية استقطابها لكل قوى التحرر العالمي فمدّت معها الجسور وأقامت معها العلاقات على أساس القيم والمبادى والمثل العليا التي تجمع بين أحرار العالم، فمن أفغانستان الى باكستان وصولاً الى لبنان وفلسطين وغيرها من بلدان العالم التي تشهد وقائع وأحداث تحتاج معه الى من يقف الى جانبها لمساندتها ودعمها ومؤازرتها في جهادها وكفاحها، وهذا ما حمّل الثورة أعباء إضافية زادت من مسؤولياتها تجاه أرضها وشعبها وتتّسـع دائــرة المسؤولية إلـى ما هو أكبر من ذلك بكثير مما لا يمكن وصفه ولا بيان حجمه.
ومن الشواهد التي لا تحتاج الى الكثير من الدلائل والبيّنات على معطيات ونتائج الثورة الهامة والعظيمة ما شهدته الساحة اللبنانية منذ انتصار الثورة الاسلامية في ايران من تعاطف على مستوى المشاعر والعقول أنتجت واقعاً لبنانياً مختلفاً عن مرحلة ما قبل قيام الثورة، فالحالة الايرانية التي وُجدت في لبنان ما هي إلاّ من أبرز بذور الثورة التي غرستها في محيط كان يُخطّط له بأن يكون مظهراً من أكبر وأهم مظاهر الفساد في المنطقة، وهي تحوّلات لا يمكن قياسها بحجم صغير إذا ما نظرنا اليها بالنتائج التي أفرزتها خصوصاً على صعيد المقاومة الاسلامية التي كانت نموذجاً حياً عن تجربة الثورة الاسلامية ومرآةً لها.
فكل العوامل والأسباب التي أدّت إلى الانتصار في ايران هي نفسها التي أكسبت المقاومة الاسلامية النصر، ولا فرق بين سقوط الشاه في ايران واندحار اسرائيل من لبنان سوى الواقع الجغرافي، وإلاّ فالنصر واحد والهزيمة واحدة.
والخسارة التي مُني بها الاستكبار العالمي في ايران هي نفس الخسارة نفسها في لبنان، مع الإشارة إلى أن الامام الخميني (رضوان الله عليه) طرح شعار إسقاط امريكا واسرائيل قبل إسقاط الشاه وكان للامام نظره الثاقب والبعيد المدى منذ نشوء هذا الكيان الغاصب، وكانت له المواقف الهامة في الحرب التي خاضها العرب في العام 1967 والعام 1973 وكل مراحل الصراع العربي الاسرائيلي.
ففي بيانه الذي وزّع في العراق حيث كان يعيش في النجف الأشرف وتعليقاً منه على حرب حزيران 1967 يقول الامام عن اسرائيل:
«إن بؤرة الفساد هذه قد زرعت في قلب العالم الاسلامي بدعم الدول الاستعمارية الكبرى، وإن جذورها الفاسدة التي تهدّد كل يوم البلدان الاسلامية، لا بد أن تجتث بهمّة وتعاون شعوب هذه البلدان، إن اسرائيل نفّذت هجوماً مسلحاً ضد الدول الاسلامية بدعمٍ من الاستعمار، ولا بد من مواجهتها.
إنّ أي نوعٍ من الدعم والعــون لاسرائيل بشكل بيع الأسلحة والمواد المتفجرة الأخرى، أو بشكل بيع النفط، حرام ومخالف للاسلام، كما إن إقامة العلاقات مع اسرائيل وعملائها، سواء كانت علاقات تجارية أو سياسية حرام ومخالف للاسلام، ويجب على المسلمين أن يمتنعوا عن استخدام البضائع الاسرائيلية، أدعو الله تعالى أن ينصر الاسلام والمسلمين…».
والحقيقة التي يجب الإذعان لها بكل موضوعية هي أن انتصار المقاومة في لبنان ما هو إلاّ امتداد للانتصار في ايران، والأهم من ذلك هو النظرة إلى الواقع السياسي في أيامنا هذه حيث تشهد المنطقة متغيّرات تكاد تطيح بالكثير من الثوابت والمسلّمات، فبعد أن كانت دولة الكيان الغاصب مارداً عملاقاً في نظر البعض ها هي اليوم تتحول بكل جبروتها وامتداداها الاستكبارية والأمريكية الى قزم صغير بعد الهزيمة القاسية ي لبنان، واندلاع شعلة الانتفاضة في فلسطين المحتلة، والحجارة التي هي كل ما كان يمتلكه أبطال وأطفال الحجارة سترسم معالم المستقبل لتحولات المنطقة عندما تترسّخ في أذهان الجميع أن المقياس ليس هو حجم العتاد العسكري الذي يمتلكه أي واحد من أطراف النزاع.
فثورة ايران بدأت بالمظاهرات الصاخبة والحجارة التي كان يرشق بها الشعب الايراني المسلم أقزام الشاه وأعوانه وجنوده، ومقاومة لبنان انطلقت بالزيت المغلي والرصاصة الصغيرة في مواجهة دبابات وطائرات وتكنولوجيا العدو والتي كانت في نظر البعض إلقاءً للنفس إلى التهلكة لعدم ايمانهم بنصر الله لعباده المؤمنين ولأنهم تربّوا على مقولة أن العين لا تستطيع أن نقاوم المخرز، فالانتصارات المتتالية التي تحققت في ايران ولبنان أثببت قدرة الشعوب على الاستفادة مما تملكه من مخزونات فكرية وروحية تجابه بها أقوى قوة في العالم.
وكما كان انتصار المقاومة في لبنان امتداداً لانتصار الثورة الأم سيكتب المستقبل ومعه تاريخ امداد هذا النصر الى الانتفاضة في فلسطين لوحدة المنطلق والمبدأ ووحدة الهدف والمصير.

من هنا تبدأ الثورة ..

إن مفردة الثورة قد تبدو تعبيرا حماسيا، لكنها هنا تأتي في مكانها ومحلها من حيث المعنى اعتقد، فالواقع ومحصلة الأحداث، تشير إلى أننا كمجتمع وكأفراد نحتاج فعلا إلى ثورة على الذات، من اجل التصحيح.
تُرى هل نعاني من خطأ في ذواتنا ؟.
هذا السؤال الصريح يدفعنا إلى الانفراد بأنفسنا، ومناقشة هذا السؤال بجدية وهدوء وتأنٍّ كبير، لكي نصل إلى الإجابة العميقة الصادقة، حتى نتمكن فعلا من تحقيق النتائج الصحيحة، دفعا لذواتنا إلى الأمام أولا، ثم دفعا للمجتمع كله إلى الأمام أيضا، لذا يستدعي هذا السؤال إجابة دقيقة حقيقية من اجل التحرك لتصحيح الذات.
عندما نغوص في أعماقنا ونناقش أفكارنا وأفعالنا، سنجد أننا في الغالب نحتاج إلى إعادة بناء للذات، إن الوقائع الناتجة عن حركة المجتمع تدل على تفشي قيم وتقاليد غريبة، بيننا، تحكم أفعالنا وأقوالنا، وتتحكم بطبيعة تحركاتنا، وتوجّه تخطيطنا للحاضر والمستقبل، وتتدخل في زرع الروح الأنانية، في معظم ما نبديه ونقوم به من أفكار وأفعال، بسبب النزعة المادية التي طغت على ذواتنا.
ليس هذا تقريع للذات بطبيعة الحال، ولا أظن أن هذا النوع من الكلام يأتي من الفراغ، كما انه لا يهدف إلى المخالفة من باب (خالف تُعرَف)، بل كل ما نهدف إليه في هذه الكلمة هو لفت انتباه للنزعة المادية التي تتحكم بنا، وتدفعنا إلى تفضيل المادة وتوابعها، على المعاني الإنسانية الأخرى التي تمثل قيما عظيمة، نعم لقد طغت علينا النزعة المادية، وأنستنا الكثير من مبادئنا وأعرافنا، وربما بعض أخلاقياتنا التي تربينا عليها، فصارت قضية كسب المال بأية طريقة، قيمة جيدة! نطلق عليها في كلامنا المتداوَل بـ (الشطارة)، وبعد أن كان الشاطر هو الذي يتقدم على غيره بالإبداع والعلم، وخدمة النفس والمجتمع بمستوى واحد، أصبحت الشطارة هي أن تجمع على اكبر قدر من المال، بغض النظر عن الطريقة التي تم تحصيل المال بها !، فهناك موظفون في الدولة، ومنهم مسئولون كبار، وموظفون عاديون، يبتكرون طرقا جديدة لكسب الأموال بأساليب غير مشروعة، وقد بدأ بين هؤلاء نوع من التنافس العجيب والغريب، لكي يحصل هذا الموظف أو على نصيب المسئول أو ذاك أكثر من غيره من أموال الدولة أو ثروات الشعب!.
كل هذا منشأه تسلّط النزعة المادية على الذات، ودفعها إلى تفضيل النفس على الجميع، فالمهم في الأمر أن الإنسان لدينا يفكر كيف يحصل على الأفضل والأكثر، بغض النظر عما ينتج عن ذلك من أذى للآخرين، يحدث هذا في دوائر الدولة الرسمية وفي مؤسسات حكومية وأهلية كثيرة، بمعنى أوضح تحول هذا النوع من التعامل، إلى منظومة سلوك تحكم نشاطنا اليومي وهنا تكمن الخطورة!.
لذا ليس كثيراً ولا مستغرباً، عندما نقول إننا بحاجة إلى ثورة على الذات، تقضي على القيم الدخيلة كافة، ونعني بها قيم التخلف التي أصبحت تشكل مصدر خوف وقلق وخطورة حقيقية على أخلاقيات وقيم وأعراف المجتمع، لذا لابد من البحث عن فرص حقيقية للتصحيح، ولابد من استثمار مبادئ عاشوراء كونها على مساس بحياتنا، من اجل تحقيق التغيير الذي ينقّي منظومة القيم لدينا.
إن تعبير الثورة على الذات ينبغي أن يتخذ مسارين، الأول يعني الفرد وشروعه الفوري بتغيير ذاته ونبذ كل القيم التي تسيء له وللمجتمع، والثاني مسار يتعلق بالسلوك الجماعي، إذ لابد للمجتمع من خلال النخب وقادة التصحيح القيمي (الديني الثقافي الفكري الأخلاقي العرفي)، أن يتحركوا وفق خطط مدروسة ومنتظمة من اجل البدء بثورة حقيقة على الذات، لتصحيح القيم وطرد الخاطئ والدخيل منها، أملا في بناء مجتمعي ينسجم مع تطلعاتنا جميعا.

الصفحة (2)

ركائز التغيير
الرسالي..

ما حققه الرسول الأكرم (صلى اللـه عليه وآله) يجعلنا نتساءل عن السر الأول الذي مكّنه لأن يكون الرجل الصالح الأول على مر التأريخ ؟ وان يكون قائدا للأمة الوسط ، وبانيا لحضارة القبائل العربية المتناحرة؛ الغارقة في ظلمات الجهل والشرك والخوف والسيف والاغتيال والثأر .. وكيف تحولت هذه القبائل الجاهلة إلى أمة إسلامية – بقيادة هذا الرسول الفذ – ذات حضارة عريقة ما نــزال نحن المسلمين ، بل وغير المسلمين من الأمم الأخرى، ننعم بظلها بما تمثل من عمق فكري وعلمي وأدبي و.. و ..؟ وماذا كانت لدى الرسول (صلى اللـه عليه وآله) من وسائل في عملية بنائه الصرح الإسلامي؟ ونحن الآن بعد ما يزيد على ألف وأربعمائة عام ماذا يتوجب علينا أن نقوم به حتى نعيد تلك الأمجاد، ونعود إلى تلك الحضارة التليدة والتي كان في أيامها الحاكم يخاطب الغمام : أمطري .. شرّقي.. غرّبي.. فخراجك يأتيني ؟ إن هذه أسئلة لابد من العثور على أجوبة لها لنتمكن بذلك من أن ننقذ أنفسنا من هذا الواقع المتخلف ونرتقي بها إلى واقع أفضل .

ركائز العمل القيادي :
هناك ثلاث ركائز أساسية استطاع الرسول القائد (صلى اللـه عليه وآله) عبرها أن يغير وجه التاريخ ، وكلما أردنا أن نعيد الأمجاد الماضية لابد من الالتجاء إليها باعتبار أن معرفتها واستفادة العبر منها تمثل الدواء الناجع لما نصبوا إليه .
الركيزة الأولى : (إسقاط حجب الشرك)
إن النبي الأعظم (صلى اللـه عليه وآله) استطاع بحكمته البالغة، وعبر نشر القرآن وتعاليمه القيمة، أن يسقط حجب الشرك عن البشرية .
فالإنسان بذاته ووجدانه مخلوق الهي رباني مفطور على الإيمان والتسليم بوحدانية اللـه تبارك وتعالى. وهذه الفطرة تدعو الإنسان إلى تحمل المسؤولية في الحياة، وتدعوه إلى النشاط والحيوية، إلاّ أن حجب الشرك تتكالب عليه لتمنعه من الإشراق والتوحيد الذي هو رأس أمارات الحياة والوجود لديه.
فالإنسان في واقع الأمر يعيش صراعاً داخلياً مريراً؛ متعدد الصور والأشكال، متفاوت الدرجات، سواء اعترف بوجود هذا الصراع أو أصر على إنكاره.
فالمرء بطبيعته عابد لله تعالى، متشرف بالخضوع له، وبفعل تآمر النفس، ووساوس الشيطان، وضغوط الوقت يتحول عبداً لعبد آخر أو صنم أو غير ذلك من الآلهة المزيفة ! فبعض من القوم كان يعبد التمر، والآخرين كانوا إذا مروا على صخرة تتمثل فيها صورة إنسان أو حيوان أو ما يشبههما باتفاق الصدفة فإنهم يتوقفون عندها ويعتقدونها إلها من دون اللـه سبحانه، إن هذه الحال تعد الذروة في الفراغ الفكري والعقائدي، وليس ذلك إلا نتيجة من نتائج الخضوع لحجب الشرك .
فالنبي المصطفى (صلى اللـه عليه وآله) واجه واقعاً مريراً كهذا الواقع، وبفضل وتوجيه الآيات القرآنية الكريمة، وبالعمل على انتزاع داعي الشرك هذا.
تحول الإنسان في الجزيرة العربية الذي لم يكن غير كتلة من الركود والقيود والآصار، تحول إلى شعلة من النشاط والحيوية والفاعلية .
إذن، فالداعي إلى الشرك يتجسد في رغبة بني البشر في التملص من المسؤولية الملقاة على عاتقه بالفطرة.
المسؤولية التي يعبر عنها القرآن المجيد بـ “الأمانة” التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين ان يحملنها، الأمانة التي هي أثقل من النماذج – آنفة الذكر – على قلب الإنسان الذي يحاول التهرب من حملها ، فتراه يتوسل بالشركاء والآلهة المزعومة من دون اللـه تعالى، فقد قيّد نفسه ومصيره بالاعتقاد الأجوف بأن الخشب أو التمر أو الحجارة أو رئيس القبيلة سيقربه من اللـه زلفى وينقذه من نار جهنم، وهو في ذلك ما يخدع إلاّ نفسه.
إن التاريخ يشير إلى إن الأزمة البشرية في هذا الإطار لم تكن أزمة عقلية أو ذهنية، فالفكر والتفكير بأبسط أنواعه وتركيباته يؤكد للإنسان إن الصنم – الحجارة لا يضر ولا ينفع، بل إن أزمة بني الإنسان التاريخية لا تعدو كونها أزمة نفسية، وهذه الأزمة هي التي أودت بالناس لأن تعبد الأصنام ما تزال تتوسل بالأوهام والتمنيات على أشكالها العديدة.
لقــد جاء القرآن، وجاءت سيرة الرسول (صلى اللـه عليه وآله) لتحذر الإنسان من إن هذه الأصنام ليست لا تنفع ولا تضر فحسب، وإنما تهوي به إلى النار حيث المصير ذي الأهوال الخالدة إلا أن يشاء اللـه.
كما صرح اللـه تعالى في القرآن بان الأموال والأولاد والحسب والنسب ليست ميزانا يعتمد لتحديد المصير الموعود، وما أروع صراحة الرسول (صلى اللـه عليه وآله) مع الناس إذ كان يوجههم نحو تحمل مسؤولياتهم الموكة إليهم.
لقد أعلن لهم بكل بساطة ووضوح أن الإيمان لا ولن يدرك بالتمني، ولكنه وقر في القلب، يصدقه عمل الأركان، والإيمان من دون اقترانه بالعمل الصالح ليس إلا كذبة تافهة، والقرآن الكريم لم يحثنا على الإيمان إلا حثنا على العمل الصالح.
ولقد ضرب لنا الأمثلة المتنوعة على ذلك، وذكر قصص أسلافنا من الأمم ليوضح في طياتها محاسن اقتران الإيمان بالعمل الصالح، وليوضح أيضاً الصورة المضادة لذلك .

كلكم مسؤول :
إن القرآن الكريم وسيرة الرسول الأكرم (صلى اللـه عليه وآله) اسقطا حجب الشرك عن أعين الناس؛ فإذا بهم يواجهـون مسؤولياتهم بشكل مباشر، وحينما قال لهم نبيهم (صلى اللـه عليه وآله): “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”، تجلت الإنسانية في ضمائرهم وحركاتهم، وتحول أولئك الجامدون الساكنون، أولئك الناس الذين يحترفون تضييع أعمارهم في اللـهو والصيد والخرافات، تحولوا إلى أمة حيّة فاعلة، وأصبحوا رقماً يحسب له سكان الأرض جميعاً حسابه، وقد وصف إمامنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعض أصحاب الرسول (صلى اللـه عليه وآله) قائلا: “كانوا واللـه رهبان الليل وفرسان النهار”، إن هؤلاء صنعهم الرسول المصطفى بفضل إزاحة حجب الشرك التي في مقدمتها التمنيات والأماني .
ولم يوجه القرآن الكريم النصح للمسلمين فحسب، وإنما توجه بالخطاب إلى أهل الكتاب الذين كانوا يستحلون الخضوع للأوهام القائلة بان مجرد الانتماء إلى دينهم يمنعهم من السقوط في جهنم ، وتؤكد الآية المباركة على (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ ءَامَنَ بِاللـه وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، تؤكــد أن شرط الخـلاص هو الإيمان والعمل الصالح. فبمجرد ادعاء أحدٍ مّا انتماءه إلى الإسلام أو اليهودية أو النصرانية أو الصابئة غير جدير – البتة – لأن يكون المقياس في تحديد مصير الإنسان في الدار الآخرة.
الركيزة الثانية : (الفلاح)
أما الركيزة الثانية في ارتقاء الرسول (صلى اللـه عليه وآله) قمة القيادة – وهو القمة أبداً – فهي: إقناع الناس بان العمل الصالح هو المنقذ الوحيد، فحينما كان المسلمون ينظرون إلى القرآن ويتلون آياته الكريمة كانت بصائرهم متفتحة وقلوبهم متدبرة ما تحويه، وحينما كانوا يصلون إلى قول اللـه تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) كانت تتفجر كل كوامن طاقاتهم، كانت هذه الآية ومثيلاتها باعثا على تحويلهم إلى كتل من النشاط والحيوية.
ولقد جاء أحدهم رسول اللـه (صلى اللـه عليه وآله) يوماً من البادية قائلاً: يا رسول اللـه ! أنا رجل أعيش في البادية البعيدة ولا يمكنني الوصول إليكم كل حين، وأحب أن توجز لي الدنيا كلها بكلمة واحدة حتى أعقلها وأعمل بها، فتلا عليه النبي (صلى الله عليه وآله): (إذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِاَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيـْراً يَرَهُ …) وعندما وصل الرسول (صلى اللـه عليه وآله) إلى هذه الآية قام الرجل قائلاً: حسبي يا رسول اللـه.
مثل هذه الآية الشريفة كانت تبعث الذين اتبعوا الرسول على استغلال كل لحظة من لحظات حياتهم للعمل والحيوية، فكانت حركاتهم نضالاً ًمقدساً، ولم تكن بأي شكل من الأشكال تعني السكوت والجمود واللـهو .
ووقف احد الغرباء بين يدي النبي (صلى اللـه عليه وآله) الذي كان جالساً بين أصحابه، حيث أن من عادته (صلى اللـه عليه وآله) أن يجلس جلسة العبد، وما كان ما يميزه عن المحيطين به، حيث لم يكن بمستطاع من لا يعرفه أن يميزه بمظهره عن أصحابه، فإذا بالرسول يتفوه بكلمات معدودة انفض الجمع على أثرها مسرعين، في كل اتجاه.
فقال القادم: ما بكم؟
وماذا قال لكم هذا الرجل – النبي (صلى اللـه عليه وآله) – ؟
ولماذا تحركتم بهذا الأسلوب واتجهتم باتجاهات مختلفة؟
فقال قائل منهم: هذا رسول اللـه إلينا، ونحن نصدق به ونؤمن، وقد حدثنا بحديث.
فقال: فلماذا وإلى أين انطلقتم؟
فقال: انطلقنا لنطبق الحديث.
قــال: وكيف ؟
قال : نعمل بالحديث الأول الذي سمعناه ثـم نعود إلى
الرسول لنستمع إلى الحديث الثاني .
إن المسلمين في الصدر الأول للإسلام كانوا يطبقون إلى حد كبير الآيات القرآنية، والذي دعاهم إلى ذلك إحساسهم العميق وشعورهم الصادق وإيمانهم الحق بأهمية العمل الصالح، وكانوا على اعتقاد راسخ بان هناك يوماً آخراً لا يحكم فيه سوى ميزان العمل.
ولقد قرأوا حِكَم القرآن الكريم القائلة بان (مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) هو الذي تحيط به خطيئته. أي أن من كان في كتابه عمل صالح وسيء، ورجحت كفة العمل السيئ – والعياذ باللـه- فانه كان كمن لم يكن له عمل صالح حيث تلم به خطوب الخطايا من كل حدب وصوب.
إن هذه البصيرة وهذا الوعي كانا يدفعان بالمؤمن آنذاك إلى الاستزادة من أعماله الصالحة، كان على يقين من أمره بان كلمة مقدسة واحدة ينطقها من شأنها أن ترفع من منزلته يوم القيامة وتنقذه في أحرج المواقف.
وما أوسع رحمة اللـه سبحانه وتعالى، حيث جعل للمؤمنين سبلاً لا تحصى لممارسة عمل الخير والصلاح.
ولقد فتح اللـه لنا أسباب الإيمان والعمل الخير في أنفسنا.
وعلى الطرف النقيض من ذلك هناك الأعمال السيئة ومما يمكن أن تلحق بالإنسان الغافل عن مصيره.
ولا ننسى المثل العربي المعروف “القشة التي قصمت ظهر البعير” فقد تكون هناك قشة واحدة من شأنها أن تغير من حركة الميزان باتجاه تعاستنا الأبدية. ومن هنا لا يجوز لنا بأي حال من الأحوال ان نستهين بالعمل الصالح فنتركه، أو نستهين بالعمل السيئ فنرتكبه رجاء مغفرة اللـه سبحانه .
نعم، ان اللـه عز وجل ارحم الراحمين، لكن لا يعني ذلك انه يغفر للإنسان دون أن يكون في كتابه أعمال صالحة: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)، فالعمل الصالح يحول السيئات إلى حسنات، وليس السيئات تتحول بذاتها إلى حسنات.
لقد أصبحت القبائل الجاهلة امة ذات حضارة شماء يفضل ما كان يبعث فيها الرسول الأكرم (صلى اللـه عليه وآله) هذه العقيدة الصالحة، فكان (صلى اللـه عليه وآله) يتقدم المؤمنين من أصحابه في ساحات الحروب بنفس الدرجة التي كان يحثهم على التقدم في القتال ومواجهة الأعداء، كان يتقدمهم في ممارسة العمل الصالح وتهذيب الذات وخدمة الناس بنفس الدرجة التي كان يحثهم على ذلك .
والآيات القرآنية الكريمة أكدت في غير موقع بان ذات رسول اللـه (صلى اللـه عليه وآله) تواقة إلى أن تكون الأنموذج الأعلى في ممارسة ما هو خير وصلاح.
ومن هذه الآيات: (وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)،أي انك أيها الرسول قد سبقت المؤمنين في الاستعداد الميداني لقتال أعداء اللـه، والقيام بمهام التخطيط والاستعداد له قبل الجيش الإسلامي، وهذا بطبيعته يمثل القمة في الإيثار والجرأة والشجاعة، حيث يعمد القائد إلى تنفيذ مثل هذه المهمة. ولقد صور لنا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) شخصية الرسول (صلى اللـه عليه وآله) و شجاعته في القتال بقوله: ” كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول اللـه (صلى اللـه عليه وآله وسلم) فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه.
الرجل الأول في التأريخ :
كان النبي الأعظم (صلى اللـه عليه وآله) – وهو الإنسان الأول في التاريخ – يسارع إلى عمل الخيرات، مبادرا إلى ممارسة كل ما من شأنه ان ينعكس بالإيجاب على نفسية أصحابه وتربيتهم.
وحينما قرر بناء أول مسجد للمسلمين في المدينة المنورة أمر المسلمين بان يأتوا ويضعوا حجر البناء، وكان كل مسلم يحمل حجراً واحداً وكان هو – القائد يحمل حجرين معا، وكلما أراد المسلمون أن يخففوا عنه كان جوابه النفي، مؤكداً أن القائد لابد له من الفعل المضاعف، فيا ترى ماذا كان بوسع الرعية الصالحة أن تتخذ من مواقف إزاء هــذا الإيثار والتضحية النبوية غيـر الاقتــداء والالتــزام ؟!
الركيزة الثالثة : (الاستقامة ثم الاستقامة)
أما الركيزة الثالثة التي اعتمدها الرســـول المصطفى محمد (صلى اللـه عليه وآله) في حث المسلمين على أن يكونوا أمة صالحة فهي: تمسكه بمبدأ الصبر والاستقامة وحثهم على الالتزام به.
وقد جعل النبي (صلى اللـه عليه وآله) من نفسه مثلا أعلى في هذا المضمار؛ حتى قال: ” ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت .. ”
وقد صرح بهذا التصريح العظيم وهو الذي (ومَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى).
ولمزيد من التبصر بهذا الحديث النبوي الشريف لابد لنا من قراءة تأريخ الرسل والأنبياء (عليهم السلام) وما تعرضوا له من أذى وتعذيب وتنكيل لا يليق بأي حال من الأحوال بشخصياتهم ومقاماتهم الرفيعة، لكي نتعرف على عظمة الرسول وموقعه عند ربه عز وجل.
أوليـــــس الأجـــــر علــــى قـــــــــدر المشقة؟! وفوق ما كان يتعرض له (صلى اللـه عليه وآله) من أذى جسدي ونفسي كان يؤمر بالصبر والاستقامة من قبل اللـه تعالى حتى قال يوماً: ” شيبتني سورة هود ” فقيل له : لماذا يا رسول اللـه ؟ قال : لآية فيها: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ” .
وتحدثنا السيرة النبوية الشريفة إن الرسول (صلى اللـه عليه وآله) حينما استشهد العشرات من أصحابه البررة ومن بينهم حمزة سيد الشهداء (عليه السلام) وفر قسم كبير أثناء وبعد انتصار المشركين في معركة احد، وإصابته ومن تبقى معه وفي مقدمتهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبليغ من الجراح، بعد كل ذلك عاد (صلى اللـه عليه وآله) إلى المدينة، وحينما أخذ ينزع لأمة حربه هبط عليه الأمين جبرائيل (عليه السلام) قائلا: يا رسول اللـه أتنزع لأمة حربك والملائكة ما نزعوا لاماتهم؟! إن اللـه سبحانه وتعالى يأمرك بأن تلحق بالمشركين، أنت والمجروحون معك.
وقد انصاع الرسول (صلى اللـه عليه وآله) لهذا الأمر الإلهي، فذهب إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فرآه وقد أثخنه ما يزيد على سبعين جرحا بليغا، وكانت الدماء تنزف منها على السواء، فقال (صلى اللـه عليه وآله): صبرا يا أبا تراب! فقال (عليه السلام): يا رسول اللـه إن هذا موضع الشكر، فقاما ومعهما النخبة الخالصة من أصحاب الرسول، وقاد بهم المعركة التي سميت بمعركة (السويق) حيث ألحق بالمشركين هزيمة نفسية نكراء، لم يتذوقوا بعدها طعم الانتصار أبداً.
بهذه الآيات من الصبر والاستقامة والصمود تمكن النبي (صلى اللـه عليه وآله) من خلق الأمة التي كانت حتى وقت قريب من ذلك العهد ميداناً للتناحر والبغضاء والهزيمة والخنوع .
عودة التأريخ الجاهلي :
والآن عاد إلينا التأريخ الجاهلي بدورته، أو أعدناه نحن على أنفسنا، حيث تداعت وتتداعى علينا الأمم كما تتداعى الأكلة على القصعة، كنا قبل الإسلام وصرنا الآن مجرد مواد خام وإمكانات وأسواقاً وساحات لاستعراض السيطرة الأجنبية، نتوجه حيث يريد لنا أعداؤنا.
فحل بنا كل ذلك بعد أن تركنا نهج الرسول (صلى اللـه عليه وآله) وما رسمه لنا من برنامج حياة حرة.
علينا العودة إلى الجذور :
إننا اليوم بأمس الحاجة إلى العودة إلى النهج النبوي الذي عمل على تنبيه الناس، بأنه لا مفر دون إسقاط حجب الشرك عن أعينهم، وإزاحة هذه الغشاوة الشيطانية المتمثلة في ارتكاب السيئات .
إن المفترض بنا أن ندرك بأن كل لحظة من لحظات عمرنا محسوبة علينا في كتاب اللـه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها.
فالمسلم النزيه ليس لديه ثمة وقت يضيعه في مجالس اللـهـو مثلاً، وهو مطلوب منه على درجة عاليـة من الأهميـة، إن المسلمين على عهد رسول اللـه (صلى اللـه عليه وآلـه) كانوا كما هي خلية النحل، فمن الإيمان باللـه الواحد الأحد، إلى ممارسة العمل الصالح الذي يبدأ بتهذيب النفس ويمر بقتال المشكرين ، لينتهي بتحصيل العلم وفتح آفاق الحياة، ليضمنـوا بكل ذلك الحياة الأبدية، والنعيم الدائم، ورضوان اللـه الأكبر .

الصفحة (3)
هذه حقيقة الإسلام..

ابتلي الإسلام منذ البداية بالمحنة، وكانت محنته في عدم إدراك المسلمين للإسلام. فالذين يدرسون الإسلام لم يفهموه بجميع أبعاده، كلّ واحد أدرك بُعداً من أبعاد الإسلام وفسّر قضايا الإسلام والقرآن الكريم طِبقاً لذلك الإدراك، لقد فسّر جماعة المتكلّمين، في القرون السّابقة، الإسلام حسب فهمهم الكلامي، وجماعة أخرى من الفلاسفة فهموا الإسلام كفلسفة، والجماعة الثالثة العرفاء، كانوا قد فسّروا الإسلام بالفهم العرفاني، فكل طائفة درست الإسلام حسب فهمها، وأرجعت كلّ الآيات وأخبار النّبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام إلى وجهة نظرها. لذلك لا يوجد في تفسيرهم خبر عن البعد الدنيوي أو نظام الحكم في الإسلام، وكل المواضيع التي اهتموا بها كانت فلسفيّة وعرفانيّة.

– الإسلام مادةً ومعنى :
أمّا ما هي وظيفة الناس في الأيام التي يعيشونها؟ كيف يجب أن يتعامل النّاس مع الطبيعة؟
لا يوجد شيء عن ذلك في كلامهم. درسوا فقط المواضيع التي ترتبط بما وراء الطبيعة والمسائل العرفانية والفلسفية.
إلى أن وصل الأمر إلى الطبقة المتأخرة، فعمل هؤلاء على العكس من أولئك، أي إنّ هذه الطبقة تركت الأبعاد المعنويّة، والفلسفيّة، والعرفانيّة للإسلام جانباً بشكل عام، ونظرت إلى الظّاهر فقط. إنهم تصوّروا أن الإسلام رسالة ماديّة، كما تصور أولئك أن الإسلام رسالة معنويّة مفصولة عن المادة أساساً، بل إنهم أوّلوا الآيات المتعلّقة بقتال المشركين، بالقتال مع النفس وأمثال ذلك.
وفي مقابل أولئك، وفي الوقت الذي وصلت إلينا علوم الغرب ودعاياته، نجد أنّ معرفة هؤلاء بالإسلام – رغم كونهم مسلمين – تقتصر على بعده المادّي فقط. فيما كان أولئك يدعون إلى الباطن ويغفلون عن الظاهر والطبيعة، نرى هؤلاء يدعون إلى المادة ويغفلون عن المعنويّات، وكلاهما أخطأ.
الإسلام غير محدود في المعنويات ولا في الماديات. الإسلام رسالة نزلت لتربية الإنسانية.
يجب أن نعرف ما هي أبعاد هذا الإنسان الذي يقول بعض الناس عنه إنه مجهول الماهية، ما هي احتياجاته؟ وهل الإسلام جاء لتربية جوانبه الحيوانية فقط؟ أم جوانبه المعنويّة فقط؟
أم أن الإسلام يريد تربية الإنسان؟
– إنسان في كل الأبعاد :
ليس الإنسان كسائر الموجودات،فإدراك الحيوان عمّا ّ وراء الطبيعة إدراك ناقص، أمّا
الإنسان فيستطيع أن يسير من الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة ومن ما وراء الطبيعة إلى الإلوهية إلى أن يصل إلى فهم ذلك كلّه.
الإنسان كائن جامع، ذو أبعاد متعددة ولكلّ من أبعاده حاجات، أما المدارس الفكريّة الأخرى الموجودة في العالم فهي مادية تصوّرت الإنسان حيواناً، وأنّ جميع أموره تتحرك ضمن هذه الحدود وتكامله يتمّ ضمن الاعتبارات المادية فقط.
في حين أنّ هناك عوالم أخرى لم يدركوها، ولتلك العوالم حظّ أكبر من العينيّة بالنسبة إلى عالم الطبيعة.
إنّ عالم الطبيعة يقع في آخر مراتب موجودات عالم الوجود، أي إنّ عالم الطبيعة هو نهاية عالم الوجود، وهو أدنى العوالم.
ليس صحيحاً أنّ الإنسان وحده الموجود وله هذه الطبيعة فقط، وليس ثمة مراتب أخرى بعد ذلك، بل للإنسان مراتب، والذي طلب المرتبة العليا للإنسان وغفل عن هذه المراتب قد أخطأ، ومن تمسّك بعالم المادة، فشهد مرتبة الطبيعة وغفل عمّا وراء الطبيعة فقد أخطأ أيضاً.
إن للإسلام منهجاً ومسلكاً لهذا الإنسان الذي له مراتب من الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة ومما وراء الطبيعة إلى الإلوهية.
– الإنسان الكامل :
إنّ الإسلام يريد أن يربّي إنساناً جامعاً لكل الأبعاديربيه بالصورة التي هو عليها وفي كل الأبعاد: فينمي فيه البعد الطبيعي، والبعد البرزخي، والبعد الروحي، والبعد العقلي، وينمي فيه البعد الإلهي أيضاً.
إن جميع الأبعاد التي يمتلكها الإنسان هي ناقصة الشكل ولم تصل إلى درجة الكمال، وجاءت الأديان لإنضاج هذه الثمرة غير الناضجة، وإكمال هذه الثمرة الناقصة، لذلك على المسلمين المقيمين في الغرب، الغافليــــن تمامـــــاً عمــــا وراء الطبيعــــة،
أن لا يخدعوا بمدارسهم الفكرية.
لا تظنوا أنّ الإسلام جاء ليربي حيواناً، يريد الإسلام أن يربي الإنسان ليكون كائناً متكاملاً يمتلك جميع الأبعاد.
والإسلام يمتلك لكلٍ منها تعليمات.
في الإسلام أحكام للحكومة الإسلامية، ولمؤسساتها، ولمواجهة الأعداء، ولتحريك المجتمع من أجل الوصول إلى ما وراء الطبيعة.
وليس الإسلام آحاديّ الجانب، ليقول الإنسان إنني عرفت الإسلام، وعرفت تاريخه مثلاً، أو لنفرض ما كانت عليه حياته البشرية، وقوانينه الطبيعية وأمثال ذلك.
فليس الموضوع كذلك، إن قضايا الإسلام أسمى من هذه المعاني ولها أبعاد كثيرة.
– انظروا في القرآن :
فمن يريد أن يعرف الإسلام، عليه أن ينظر جيداً في القرآن الذي هو المبدأ الأساس، ويلاحظ جميع الأبعاد الموجودة فيه وأن لا يقول: أنا أقبل الآيات المتعلقة بالطبيعة والحكومة فقط، أما الآيات المتعلّقة بيوم القيامة فلا أقبلها، لأنّ هذا الإنسان لا يعلم ما معنى القيامة وما هو ذلك اليوم الذي سيأتي، فيظن الأمر وهماً. إنه أمر عينيّ وعينيّته أكثر من عينيّة هذه الطبيعة.
غاية الأمر نحن لم نصل إلى ذلك، وعلى أي حال أوصي الطلاّب المقيمين في الخارج أن لا يحدّدوا الإسلام ضمن أُطُر. وأن لا يظنّوا أن المدرسة الإسلاميّة كالمدرسة الشيوعيّة أو الماركسيّة أو المدارس الأخرى كلاّ، إنها ليست مثيلتهم في شيء.

من نصائح الإمام الخميني( قدس سره ) إلى الشباب :..

– أدو ا الصلوات الخمس في أوقاتها و أقيموا صلاة الليل
– صوموا أيام الاثنين و الخميس قدر الإمكان
– قللوا من أوقات النوم و أقرؤوا القرآن كثيراً
– أوفوا بعهودكم ومواثيقكم
– تصدقوا على الفقراء
– اجتنبوا مواضع التهم
– لا تشتركوا في مجالس الزينة المليئة بصرف المبالغ الطائلة و لا تقيموا مثلها
– ألبسوا أبسط الملابس
– لا تتكلموا كثيرا وعليكم بالدعاء و خاصة دعاء الثلاثاء
– مارسوا الرياضة (المشي على الأقدام وتسلق الجبال
و السباحة
– أكثروا من قراءة الكتب الدينية و الاجتماعية و السياسية و الفلسفية و الخطابة و الكلام …
– تعلموا العلوم التكنولوجية (القيادة و الميكانيك
و الكهرباء…..)
– تعلموا اللغة العربية و قواعدها و كونوا في كل موقف حذقين
– انسوا حسناتكم وتذكروا سيئاتكم
– انظروا مادياً إلى الفقراء و روحياً إلى أولياء الله
– كونوا على علم بأحداث اليوم و اطلعوا على الأخبار اليومية والأخبار المرتبطة بأمور المسلمين

لكم وطنكم ولي وطن..

1937815_266688293500493_657775140_n

لكم وطنكم ومعضلاته، ولي وطني وجماله.
لكم وطنكم بكل ما فيه من الأغراض والمنازع، ولي وطني بما فيه من الأحلام والأماني.
لكم وطنكم فإقنعوا به، ولي وطني وأنا لا أقنع بغير المجر المطلق.
وطنكم عقدة سياسية تحاول حلها الأيام، أما وطني فأودية هادئة سحرية تتموج في جنباتها تسابيح الآذن وأغاني السواقي.
وطنكم صراع بين رجل جاء من الغرب ورجل جاء من الجنوب، أما وطني فصلاة مجنحة ترفرف صباحاً عندما يقود الرعاة قطعانهم إلى المروج ، وتصاعد مساء عندما يعود الفلاحون من الحقول والكروم.
وطنكم حكومات ذات رؤوس لا عداد ها، أما وطني فجبل وحيد وديع جالس بين البحر والسهول جلوس شاعر بين البد والأبدية.
وطنكم حيلة يستخدمها الثعلب عندما يلتقي الضبع والضبع حينما يجتمع بالذئب، أما وطني فتذكارات تعيد على مسمعي أناشيد الفتيان في الليالي المقمرة.
وطنكم مربعات شطرنج بين رئيس دين وقائد جيش. أما وطني فمحراب أدخله بالروح عندما أمل النظر إلى وجه هذه المدينة السائرة بالبركة.
وطنكم رجلان: رجل يؤدي المكوس ورجل يقبضها، أما وطني فرجل فرد متكئ على ساعده في ظلال الرمان وهو منصرف عن كل شئ سوى الله ونور الشمس.
وطنكم مرافئ وبريد وتجارة، أما وطني ففكرة بعيدة وعاطفة مشتعلة وكلمة علوية تهمسها الأرض في أذن الفضاء.
وطنكم موظفون وعمال ومديرون، أما وطني فتأهب الشباب وعزم وحكمة الشيخوخة.
وطنكم وفود ولجان ، أما وطني فمجالس حول الموقد في ليال تغمرها هيبة العواصف ويجللها طهر المُزنِ.
وطنكم طوائف وأحزاب، أما وطني فصبية يتسلقون الصخور ويركضون مع السواقي ويقطفون هدية البستان.
وطنكم خطب ومحاضرات ومناقشات ، أما وطني فتغريد العصافير ، وحفيف أغصان الشجر ، ورجع صدى التسبيح في الوديان والكهوف.
وطنكم كذب يحتجب وراء نقاب من الذكاء المستعار ، ورياء يختبئ في رداء من التقليد والتصنع، أما وطني فحقيقة بسيطة عارية إذا نظرت في حوض ماء ما رأت غير وجهها الهادئ وملامحها المنبسطة.
وطنكم شرائع وبنود أوراق ، وعقود وعهود في دفاتر ، أما وطني ففطرة في أسرار الحياة وهي لا تعلم أنها تعلم ، وشوق يلامس في اليقظة أذيال الغيب ويظن نفسه في منام.
وطنكم شيخ قابض على لحيته، قاطب ما بين عينيه ولا يفكر لا بذاته، اما وطني ففتى ينتصب كالبرج ، ويبتسم كالصباح ، ويشعر بسواه شعوره بنفسه.
ووطنكم ينفصل آناً عن (السعودية) ويتصل بها آنة ثم يحتال على طريه ليكون بين معقود ومحلول، أما وطني فلا يتصل ولا ينفصل ولا يتفوق ولا يتصاغر…
لكم وطنكم.. ولي وطني…

الصفحة (4)

فلسفة ثورات الربيع العربي وأهدافها..

Photo1

طريق الثورة نحو أهدافها ما زالت طويلة وشاقة وتحتاج إلى كثير من اليقظة والحكمة والتخطيط والتعبئة والتجرد والتوافق .
بديهياً يمكن القول بأنه ليس بإمكان أي ثورة أن تنجح وتصل إلى أهدافها أو بعضها بدون رؤية واضحة وخطة مدروسة وتنظيم محكم وتوجيه دائم. كما أن الثورة التي لا تتضمن تلك العناصر مآلها الفوضى والتخبط ثم الفشل.
لكن المتابع للكيفية التي من خلالها اندلعت ثورات الربيع العربي بدءاً من تونس ومرورا بسائر الأقطار العربية التي شهدت تلك الاحتجاجات، خصوصا في بداياتها، لا يرى أنها تحتوي على أي من تلك العناصر المشار إليها، بل ما هو ملفت أكثر في تلك الثورات هو أنها بدأت بصورة عفوية وفجائية وبدون سابق تخطيط، إن عدم وجود تخطيط أو برنامج مسبق للثورات العربية في بداية انطلاقتها لا يعني بالضرورة أنها استمرت على هذا النحو. ولو كان الأمر كذلك لما كتب لبعضها النجاح، الجزئي على الأقل، وفي فترة قصيرة جداً، لقد اعتمدت هذه الثورات على الحس العفوي كمصدر أساسي لنظرية الثورة وعلى خفّة الحركة كأسلوب لممارسة الثورة. من هنا يمكن القول بأن الثورات العربية استلهمت نظرية وأسلوب الثورة من مصدر قريب منها ألا وهو الثقافة الشعبية العامة”، ولقد أصبح القهر والحرمان الممزوج بالذل، بمثابة الوقود الذي فجر وأشعل شرارتها في كل البلدان العربية وزودها بالاستمرار والانتشار السريع والواسع.
مع أن الغضب الكامن في نفوس الجماهير هو أحد محركات الثورات الأساسية، إلا أن مسارها لم يكن هو الانفعال والهيجان، ولو كان الأمر كذلك لكان الطابع العام للثورات العربية هو العنف والفوضى، في حين أن نقيض ذلك السلوك هو الذي برز على السطح، لهذا أصبحت “السلمية” هي السمة الأبرز لما سمي بثورات الربيع العربي في معظم الأقطار.
واستطاع الشباب الثوار الذين نزلوا إلى الميادين والساحات، واكتظت بهم، استطاعوا أن يحولوا الغضب الجماهيري الكامن في النفوس إلى قوة سياسية فاعلة وضاغطة، استطاعت أن تحرك عجلة التغيير في بعض الأقطار العربية، وأجبرت بعض الأنظمة الدكتاتورية على التنحي عن السلطة والتخلي عن مناصبهم، كما أوصلت رسالة بالغة الوضوح إلى العديد من الأنظمة العربية الاستبدادية الأخرى، مؤداها أن بادروا في الاستجابة لإرادة الشعوب قبل أن يجرفهم طوفان الثورة القادم ويصبح مصيرهم كمصير نظراهم.
صحيح انه لم يكن على رأس الثورات العربية قيادات ملهمة، تحرك الجماهير وتوجهها الوجهة التي تريد، كما هو شأن الثورة الإسلامية في إيران 1879م مثلا، كما خلت الثورات أيضا من وجود فلاسفة ومنظرين للحراك الثوري، الذي يتناسب مع مختلف مراحل التغيير. ولم يكن خلفها أحزاب سياسية تعبئ الجماهير وتشحذ هممهم وتوجه طاقاتهم لممارسة مختلف أشكال الأعمال الثورية المطلوبة. لكن الشيء المؤكد أن هناك ثمة رؤية جماعية مشتركة للثوار، كانت تصنع في الشوارع والميادين وعبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال عملية الحوار المستمرة، وكانت هي البديل الموضوعي عن القائد الموجه والفيلسوف المنظر والحزب المنظم أيضا.
بروز هذا النمط الجديد من العمليات والعناصر، التي أضحت سمات بارزة للثوارت العربية، مرده تطور وسائل الاتصال وتقنياته، وسهولة التواصل بين الناس، إلى جانب ارتفاع منسوب الوعي السياسي والحقوقي في صفوف الشباب، الذين يمثلون الشريحة الأوسع والأكثر تأثيرا في العالم العربي.
لقد سميت الثورة في إيران قبل ثلاثة عقود، بثورة الكاسيت لأنها كانت تعتمد على الكاسيت كوسيلة أساسية للتوجيه والتعبئة والتثقيف السياسي، في حين أن ثورات الربيع العربي اعتمدت بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، والقنوات الفضائية التي تنقل الأحداث لحظة بلحظة، مضافاً إلى الحوارات الجارية في الشوارع والميادين، ومحاكاة الثورات لبعضها البعض والأخذ منها بما يتناسب مع ظروف وخصوصيات البلد، الذي بدأ يعيش حراكاً ثورياً.
فلسفة الثـورات:
فيما يتعلق بفلسفة الثورة، فأنه يقصد بها أمران:
1-مجموع التصورات والأفكار والأطروحات التي تتبناها الثورة، والتي تشكل في مجموعها “الرؤية”.
2-النهج الذي تسلكه الثورة للوصول إلى أهدافها والذي يتمثل في مجموع الأعمال الثورية، التي تعكس أفكار وتوجهات الثورة غالبا.
فالرؤية التي تبنتها الثورات العربية، لم تكن معقدة أو غامضة، بل كانت في غاية البساطة والوضوح في الرؤية وكذلك سلمية المنهج للثوار، والتي اتضحت من خلال الشعارات المرفوعة في مختلف الميادين والساحات، وأسلوب وطبيعة الأعمال الثورية المدنية، التي انتهجها الثوار حققت العديد من المكاسب المهمة، كان أبرزها تبني غالبية الثوار لها، مما شكل إجماعا حقيقيا حولها، إذ أصبحت هي البديل الموضوعي للقيادة الجامعة. مما شكل إلحاح الثوار بالمطالبة بتجسيدها ضغطا حقيقيا على النظام السياسي الذي ثار الناس ضده. حيث وجد رأس النظام نفسه مجبراً على الاستجابة لضغط الشارع والانصياع التام لمطالب الثوار.
أهداف الثورات:
أما فيما يتعلق بأهداف الثورات العربية، فيمكن إجمالها في هدفين رئيسيين، شكلاً محل إجماع لمعظم الجماهير العربية، وهما:1-الإطاحة بالنظم الاستبدادية بكافة شخوصها، وهذا يتطلب إحداث قطيعة كلية مع الحقبة الماضية المليئة بالمآسي والحزن والألم والتخلف والفساد.
2-إقامة نظم ديمقراطية حقيقية وفاعلة، تحقق ما عجزت عن تحقيقه النظم السابقة، وتلبي الحد الأدنى والمعقول من تطلعات الجماهير التي صنعت التغيير.
يظهر إن شعوب المنطقة وصلت إلى قناعة مؤداها: أنه لا خيار مع تلك الأنظمة لإصلاح الأوضاع إلا الإطاحة بها، واستبدالها بنظم سياسية ديمقراطية أخرى وإن الطريق الأمثل والأنجع والأقصر إلى تحقيق ذلك الحلم، صار في نظرهم هو خيار “الثورات السلمية المدنية”.
ولكن ذلك وخصوصا هنا في اليمن ما نحتاج أن ندركه ونفهمه ونستوعبه اليوم ان طريق الثورة نحو أهدافها ما زالت طويلة وشاقة وتحتاج إلى كثير من اليقظة والحكمة والتخطيط والتعبئة والتجرد والتوافق.
فالحكم ليس لعبة، والدول بحاجة إلى إعادة بناء، وهي ليست جزرا معزولة، بل ساحة مزدحمة بأطراف مؤثرة وأجندات محلية وإقليمية ودولية تحتاج إلى فهم وحكمة في التعاطي.
كذلك لا بد من استخلاص العبر من الثورات التي قامت، واعتبار الفوارق بين النظم والشعوب والمعطيات، ودراسة مختلف السيناريوهات، واختيار المعارك والتوقيتات بعناية، وإيجاد وصفة أو خارطة طريق مناسبة تحقق الإصلاح والنهوض بأقل التكاليف ولو بتدرج وتتجنب الانسداد الذي يفتح الباب لسيناريوهات كارثية كالفتن والحروب الداخلية التي يحاول إشعالها بقايا النظام السابق ومن ورائهم من القوى الإقليمية والدولية المتضررة والتي قد تؤدي لا سمح الله إلى الانهيار الكامل والذي سيدفع ثمنه الباهض الجميع بدون استثناء.
أملنا ورهاننا بعد الله سبحانه وتعالى على كل الأحرار والشرفاء من أبناء الشعب اليمني بمختلف انتماءاتهم واتجاهاتهم والعاقبة للمتقين .

ذكرى ثورةٌ واندلاع ثورات..

قــــال المـــسـيــــــح عبـــــــارةً منـــــذ الأزل
كــانــت كمـــا مــزنٍ علــى قحـــلٍ نـــــزل
وعلـى الطغــاة غــــدت كــرعـــدٍ قاصـــفٍ
ولخوفهم كـــم حـــاولـــوا قتــــل الجُــمـــل
كــل الــــذي تــخــشـــون مــــن إظــهــــارهِ
مـــن سطـــوة النـمــرود إن يغضـــب قتـــل
بيـــــن البــــرايا كلــــهــا وعلـــى المـــــلا
سـيُـــذاع جــهـــراً دون خـــــوفٍ أو وجـــــــل
والأنــبيـــــا وعــــدوا الأنـــــامَ بدولــــةٍ
مالِلخنــا والظــلــم فيــهــــا مـــن مـــحــــل
والصالحــــون أتــــوا وأحيـــــوا نــهــجـــهـــم
وســـعــوا لإحيــــاءِ العبــــــاد بــــــلا كلــل
لتــســود دولـــتــهم علـــى كـــلِّ الـــدول
وتســـــودَ ملّتُـــهــم علــى كــــــلِّ المــلل
والمصطــفــى أعطـــى عــــلامــــاتٍ لهــــــا
ومـــقــال طـــه الحـــــق … ليــــس بمحتمل
إن ماسمعتم أن رايـــاتٍ بدت من مشــرقٍ
فـــــأتـــــــوا إليــــهــــــا فـــــــي عـجــــــــل
حتـــــى ولــــو حبـــــواً علـــــى ثـــلـــجٍ ولا
تهِنـــوا ومــن عــادهــمُ يجـــنِ الفشـــل
بـــالفـــعـــل لاحـــت فــالتــقتــــها زمـــــرةٌ
مــن خيـــرِ أرضٍ بــل ومــن أزكــى جبـــل
منـــهـــا استــقــــت ريـــــاً وأروت أمتـــــي
ولــهــا قـــرونٌ تحــتــسي كـــأس الوحـــل
مــــن قبلــهـــم كــــان الطـــغــاة تـــذلنــــا
وطــغــاتــــنــا خـــــــدمٌ لخـــنـــزيــــرٍ أذل
فلــطــالـمــا انتــعـــل الطغـــاةُ شعـــوبَنــــا
والعـــــم ســــام لحــاكميـــنــا قـــد انتــعــل
هــــي سنـــــــــةٌ لله فـــــــي أكــــــوانـــهِ
لايــعــتـــريــهـــا أيُّ نـــقــصٍ أو خـــلـــل
مــن قــد تولــى عــن صــراطِ المصطفى
يجـــنِ الــمــهـــانةَ والــتــمـــزقَ والخبـــــل
ولســوف تــأتــي أمـةّ مــــــــن غيرهـــــــــم
ذو عـــــزةٍ ومـــحـــبـــةٍ وهـــــمُ البـــــدل
أومــاتــراهـــم قـــــد ســقـــونــــا عـــــزةً
والمعتـــدي أســـقـــوه كــاســــات الأســـــل
مهــلاً فـــذي الأحــداث إرهــاصٌ لمــا وعــدوا
ومــــن يــــقـــفُ الــخُــطـــى حــتــمـــاً يصــل
أولــم نــقـــل مــــا قـــد خشينــــا قـــولهُ
وســنـشــهـد الـغـــوث الـمُـــرجــى والأمــــل

فؤاد الراشدي
3/شباط/2011