1

لو تم إحياء القيم والمبادئ الحسينية

تصدر عن تنظيم مستقبل العدالة
العدد السادس
صفر 1435هجري – 2013 ميلادي

الصفحة (1)
10487494_682393171844785_8760577407873390288_n

لماذا لا تحترق قلوبنا على محمد وآل محمد؟ كما تحترق على أنفسنا!!
أيها الحسينيون لا تسمحوا لأحدٍ تشويه هذه المسيرات والشعائر الحسينية
لو تم إحياء القيم والمبادئ الحسينية في داخلنا لرأيتم المعجزات.

لو جاءوا لرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لوجدوا الحلول …

2012-634831305031751568-175_Inner_630x371

إذا أريد لهذه الأمة أن تحصل على موضع قدم في عالم تتحكم فيه عمالقة وتكتلات فلا مفر إلا بالعودة إلى السيرة العطرة لرسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وآله، والتراث العظيم الذي تركه لنا والذي ينسجم مع نواميس الكون إلى قيام الساعة، فهو الوحيد الذي يمدنا بعناصر القوة، ويرسم لنا الصورة المستقبلية لأمة الغد.
ربما نختلف في نظرتنا للحكومات التي جاءت بعد حكومة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكننا نتفق على أن حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله)، هي المثال الذي لا يرقى إليه الشك، والمعيار الأول عند الحكم على الأشياء والنظائر، فالاقتداء يجب أن يقف عند حدود هذه الحقبة وإطارها التاريخي ولا يتعداها إلى حدود مختلف عليها، كما أن أي استهانة بهذه السيرة والسنة لا يزيد وضعنا إلا سوءاً ويضعنا أمام خيار الالتجاء إلى تقليد آخرين لا يمتون إلى واقعنا الإسلامي بصلة قريبة أو بعيدة.
دعوة لإحياء الذاكرة أولاً:
كمرحلة أولى نحن بأمس الحاجة إلى تنشيط الذاكرة وتخزينها بأكبر كمية من المعلومات والأحداث وخصوصاً تلك التي ترتبط بواقع أمتنا وتنمي فيها روح التحمل والمثابرة لتحقيق أهدافه.
فالغالبية ما زالت تجهل أبسط المعلومات عن رسول الإسلام صلى الله عليه وآله، وحتى الذين يفتخرون بأنهم يحيطون بكل الجوانب التي عاشها النبي الأكرم صلى الله عليه واله، كثيراً ما يبالغون فيما يحملون، ولو دققنا جيداً في جميعهم لرأيناها تحوي معلومات ضحلة أو محرفة صاغتها بعض الجهات الدخيلة والمريضة لتشويه الصورة النقية لنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله.
لذا يجدر بنا أولاً وقبل كل شيء تفتيت كتل المعلومات السلبية والهامشية وإحياء ذاكرتنا وتنشيطها بمعلومات إضافية دقيقة.
ودعوة للإقتداء ثانياً:
لاشك أن المعلومات جيدة إن هي صبت في اتجاه العمل والسلوك الحياتي فالحق تعالى يقول: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، وفي آية أخرى يقول سبحانه عن لسان النبي صلى الله عليه وآله: ( إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).
المطلوب منا جميعاً تلمس الضوء في حياة النبي(صلى الله عليه وآله) لنقف عندها طويلاً قبل استنباط الأحكام واتخاذ المواقف، فكل وقفه في حياته (صلى الله عليه وآله) فيها من العبر والدروس الشيء الكثير.
ولا يمكن تخطيها بسهولة والعبور من حولها أو تركها جانباً، إنها منهاج حياة علينا اقتفاء أثرها والتأسي بها وإتباعها خطوة خطوة دون التفريط بجزئياتها.
فالكثير من الجزئيات هي في الحقيقة قواعد ثابتة وسنن خالدة ترسم لنا طرق العمل ومناهج التحرك على مختلف الصعد، فليس سنة النبي(صلى الله عليه وآله) منحصرة في طريقته في الحياة الفردية والاجتماعية أو أسلوبه في نظام الحكم فحسب وإنما السنة فتشمل كل حركة، وسكنة، وهمسة، بل وحتى نظرات عينيه(صلى الله عليه وآله) وإشارات حاجبيه.
ما الذي نريده من السيرة؟
إن الروح المحمدية التى اصطفاها الحق سبحانه لنشر دينه العام في العالم بلغت من السمو إلى الحد الذى استأهلت فيه أن يكِل إليها خالق الوجود تربية الأمة التى سيعهد إليها أن تتولى هذه المهمة الخطيرة فالسيرة النبوية بصور رائعة ومواقف جمة في شتى الجوانب الحيوية الشخصية والاجتماعية لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله، فما يتعلق بتكوينه الذاتي يتحدد في الأربعين سنة الأولى من حياته، وهي الأرضية التي منحته صفاته الخَلقية والخُلقية وهيأته لتحمل أعباء المسؤولية بجدارة وتفوق، ونحن هنا لا نريد الخوض في هذا الفاصل الزمني مع سعته وتشعبه، غير أن الذي يهمنا أكثر ونحن نمر في ظروف غير طبيعية، الفترة التي تعرف (بعد البعثة) لما تحتوي من دروس وعبر لكل العاملين في الحكم وخارجه أفرادا وجماعات.
وهذه تنقسم إلى قسمين قبل فتح مكة، وبعدها أو ما يعرف بفترة الجهاد التأسيس ومعارضة قريش، وفترة تسلمه (صلى الله عليه وآله) قيادة الأمة، وسوف نسلط الأضواء على هذين المحورين في الأتي.
النبي قبل فتح مكة :
منذ أن جهر رسول الله صلوات الله عليه وآله برسالته وقريش وحلفاؤها أعلنت ضده حرباً لا هوادة فيها استعملت فيها جميع الأساليب والحيل والطرق.
تشويه وترغيب وترهيب واضطهاد،، فقد استعملوا ضده شتى ألوان الاضطهاد، ومع كل ذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله)
ثابتاً على إيمانه، صابراً على الأذى يرد الإساءة بالإحسان (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون)، ينقل منيب بن مدرك بن منيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله(ص) في الجاهلية وهو يقول: يا أيها الناس! قولوا لا اله إلا الله تفلحوا.
وربما قوله (صلى الله عليه وآله) (ما أوذي نبي بمثل ما أُوذيت (لا يستثني أي أسلوب مورس ضده كما أن كلامه (صلى الله عليه وآله) إلى الخبّاب بن الأرت عندما طلب منه أن يدعو على قومه فقال له: (قد كان قبلكم من ليمشط بأمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه وليُتِمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجل، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)
يظهر قوة واستعداد النبي (صلى الله عليه وآله) لتحمل الأذى والصبر على الناس وطول البال وضبط النفس وهي أمور فقدتها ساحاتنا الخاصة والعامة ولم تعد منظوره أو مسموعة من أي جهة معارضة أو حاكمة.
فقد قامت هذه الروح بمهمتها في وسط جاهلية جهلاء، و لم تدع مظنة من مظان الانحراف الخلقى، أو غريزة من غرائز الوحشية الأولى، إلا انتزعتها و أحلت محلها عاملاً إصلاحيا يؤديها إلى مثلها الأعلى، كما لم تبق ناحية من النواحى التى يصل إليها السلطان الآدمي إلا نالت حصتها من العدل و الرعاية، حتى العالم الحيوانى في ظل هذه الروح العلوية، مصداقا لقوله تعالى: (و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
لذلك حري بنا أن نستلهم من هذه الشخصية الإنسانية التي تجاوزت الحدود الزمانية والمكانية الجامعة بما يكفل لنا إقامة وبناء حياة كريمة وإنسانية وطيبة.

اللعب بنار الفتنة..

لا يزال تجار الحروب يراهنون على اللعب بالورقة الطائفية في محاولات لإذكاء الفتنة الطائفية في البلاد، حيث يسعى هؤلاء إلى تأجيج نار الفتنة من خلال النفخ في رمادها من جديد والعمل على تأجيج الصراعات بين مكونات المجتمع اليمني بالاعتماد على ترسبات تاريخية تثير العصبية المذهبية وتذهب باليمن صوب منزلقات خطيرة.
المشكلة أن الأطراف الإقليمية والعصابات الإرهابية لم تعد وحدها من يراهن على الفتنة الطائفية في إجهاض الثورة وإفشال العملية السلمية بل تجاوز الأمر إلى وجود أجندات داخلية تقودها أطراف سياسية تحاول أن تعطي لمحاولاتها صبغة شعبية للوصول إلى غايات تلتقي مع أهداف الأجندات الخارجية في إذكاء الفتن والصراعات الطائفية والمناطقية، ويمكن أن نجد ذلك من خلال ما يحدث اليوم من اقتتال اليمنيين والدفع بهم إلى معارك عبثية دامية تحت عناوين مذهبية وتكفيرية وفتنوية غريبة عن ثقافة المجتمع اليمني وطبيعته.
كما يظهر وبجلاء من خلال القراءة لبعض خطابات المنابر ووسائل الإعلام المرئي والمقروء وقنوات التواصل الاجتماعي الالكتروني التابعة لتلك القوى وكذلك اللافتات والشعارات التي ترفعها.
ذلك الخطاب التحريضي الفتنوي والتقسيمي ساهم ويساهم في تعميق الأزمة وتمزيق النسيج المجتمعي الوطني وإغراق البلاد في العنف والفوضى ..
كما أن ذلك خلق مناخاً مناسباً لأجهزة المخابرات الأجنبية و للعصابات الإرهابية لتنفيذ مخططاتها الإجرامية والاغتيالات والتصفيات للكثير من الشخصيات الوطنية وعناصر الجيش والأمن، في محاولة لإطلاق شرارة الفتنة عبر تصعيد المواجهات لكي تصل الأمور في النهاية إلى مواجهات دامية وفلتان أمني وفوضى عارمة حسب ماهو مخطط له من قبل أعداء اليمن اليوم هذه الأساليب التي يتخذها أمراء الحرب ودعاة الفتنة بديلا للأساليب القديمة والأدوات التي كان يستخدمونها في تأجيج الفتنة وإثارة الصراع والتي خبرها اليمنيون جميعا.
ومن هنا يمكننا أن نراهن على وعي الشعب اليمني في مواجهة ذلك وإحباط المؤامرات الفتنوية، حيث نلاحظ يوميا الرفض الشعبي الكبير لكل ما من شانه إثارة الحروب والفوضى في البلاد.
وعليه … فإننا نحذر الجميع بأن نار الفتنة ستحرق الجميع، وأن السير بهذا الطريق سيجعلنا نعيش كابوس القتل على الهوية ورؤية آلاف الجثث المجهولة، ومئات التفجيرات الإرهابية التي لن ترحم أحداً ولن تستثني أحداً.
فاليمنيون جميعا معنيون بأن يتحملوا المسؤولية الوطنية والتاريخية، وسينجحون إن شاء الله في إفشال هذه المحاولات. هذا إذا ما أردنا أن ننجو بأنفسنا وأهلينا من الغرق في الطوفان والذي لاعاصم منه إلا بالوعي وتحكيم العقل والشعور بالمسئوولية، ولنمضي جميعا في بناء يمن آمن ومستقر يعيش فيه الجميع بحرية وكرامة وسلام .

الصفحة (2)

العقيلة زينب عليها السلام سيدة العبادة والثورة

zinab_lefat_ym_7ussain_by_hasanain-d34lug9

كثيرة هي الأدوار التي أدتها ومثلتها السيدة زينب (ع) قبل كربلاء وفي كربلاء وبعد كربلاء، أدوار متعددة تروي لنا القيم الإنسانية والتعاليم الإسلامية وهي تحتاج إلى صفحات وكتب للتدوين لا سيما المواقف البطولية التي وقفتها بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) في كربلاء وخلال مسيرة السبي إلى الشام.
– العبودية للَّه عند الشدائد :
قال الإمام زين العابدين (ع):” إن عمتي زينب كانت تؤدي صلواتها من قيام، الفرائض والنوافل عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشام، وفي بعض المنازل كانت تصلي من جلوس، فسألتها عن سبب ذلك، فقالت: أصلي من جلوس لشدة الجوع والضعف منذ ثلاث ليال، لأنها كانت تقسِّم ما يصيبها من الطعام على الأطفال، لأن القوم كانوا يدفعون لكل واحد منا رغيفاً واحداً من الخبز في اليوم والليلة”.
ويتابع الإمام (ع) أيضاً:” إن عمتي زينب مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تركت نوافلها الليلية” و كانت تقضي كافة لياليها بالتهجد وتلاوة القرآن” حتى أنها ليلة الحادي عشر من المحرَّم لم تترك صلاتها ونوافلها يقول الإمام (ع):” رأيتها تلك الليلة تصلي من جلوس” وعن فاطمة بنت الحسين (ع) تقول:” وأما عمتي زينب فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة أي العاشرة من المحرم في محرابها، تستغيث إلى ربها، فما هدأت لها عين ولا سكنت لنا رفة” … وقد ورد في بعض الروايات” أن الحسين (ع) لما ودَّع أخته زينب (ع) وداعه الأخير قال لها:” يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل” هذا إضافة إلى نصوص أخرى وردت في هذا المضمار تظهر من خلالها عبوديتها المطلقة للَّه تعالى، وهي التي لم تنهزم أمام المحن والشدائد بل زادتها قوة وعنفواناً وإباء ..
وهذا هو سر قوتها، فهي معدن من معادن العظمة الإلهية، وقبس من نور الرسالة التي تحتاج في تبليغها إلى قوة وعقيدة راسخة وهذه‏ القوَّة استمدتها زينب (ع) من اللَّه، من نوره المطلق الذي يشع في قلوب العارفين والأولياء فتتفجر ينابيع الحكمة من قلوبهم وتجري مجرى الزلال الصافي الذي لا يعرف الكدر؛ لذلك خلد التاريخ موقفها البطولي في كربلاء بعد استشهاد أخيها الإمام الحسين (ع) حين قالت” اللهم تقبل منا هذا القربان”.- الدور الإعلامي التبليغي بعد أحداث كربلاء :
هناك دور للسيدة زينب (ع) لولاه لما كنَّا ننعم نحن اليوم ببركة الإسلام وببركات الثورة والمجاهدين إذ أن كل ما لدينا هو من عاشوراء، نحن لا نملك شيئاً، بل الحسين (ع) أعطانا الحياة عندما قال:
إن كان دين محمد لم يستقم‏
إلا بقتلي يا سيوف خذيني
وعندما استشهد الإمام الحسين (ع) اغترف الناس من معين ثورته وتعرَّفوا على مبادئها وماهيتها وأخلاقياتها وهوية أبطالها …
لقد انتهت لغة الدم ولم تعد تُسمع أصوات السيوف ليبدأ جهاد الكلمة والمنبر الإعلامي التبليغي.
فماذا يعرف الرأي العام الإسلامي آنذاك عن تلك الثورة؟ عن أسباب استشهاد الإمام الحسين (ع)؟
عن قافلة السبي الزينبي .. لا شي‏ء، سوى أن هؤلاء مجموعة من الفرس والديلم خرجوا عن طاعة الأمير عبيد اللَّه بن زياد فاستحقوا القتل … لقد ثبَّتت أجهزة الدعاية الأموية أضاليلها وأكـاذيبــها لتضلل النـاس، ولتسدل الستــار على هوية الثورة ورجالها … في هذا الموقف برز دور السيدة زينب (ع) والطفلة الثائرة فاطمة بنت الإمام الحسين (ع) وسكينة وأخريات يشرحن ويوضحن أهداف الثورة: لماذا حدثت؟ من هو الحسين (ع) ما هي المبادئ والقيم التي أراد الإمام أن يحييها في قلب هذه الأمة؟ بكلمات بليغة تدخل إلى أعماق القلوب فتحدث فيها الثورة والجهاد من جديد … وتعيد للعقيدة صفاءها وطهارتها … كل هذا أثناء رحلة السير الزينبي من كربلاء إلى الكوفة حيث تحولت صحراؤها إلى مبكى الجماهير فخاطبتهم السيدة الجليلة زينب (ع) ووجهت إليهم اللوم والتوبيخ قائلة:” يا أهل الكوفة يا أهل الغدر والختل! أتبكون؟!
فلا رقت الدمعة، ولا هدأت الرنّة.
ألا ساء ما قدَّمت لكم أنفسكم، أن سخط اللَّه عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون”.
وهكذا أثناء الطريق من الكوفة إلى الشام … طريق طويلة محفوفة بالصعاب وفي كل ناحية يمرون فيها، كان الناس يتجمعون على الطرقات ويتساءلون: من هم هؤلاء الأسارى؟ وفي كل مرة يبرز دور السيدة زينب (ع) وأخواتها في تبيان حقيقة الثورة وأهدافها ودحض أجهزة الاعلام الأموي الكاذب.
لقد حفظت السيدة زينب (ع) مشروع الثورة ووقفت بجرأة بوجه الظالمين لتعلِّم الأجيال دروساً في الشجاعة والإيمان والتوكل على اللَّه تعالى والأهم من كل ذلك أنها حضنت الإمامة وحافظت عليها ولولا وجود العقيلة زينب (ع) في كربلاء ووجود النساء معها لانطمست أهداف الثورة، وهنا نفهم سر اصطحاب الإمام الحسين (ع) النساء معه إلى كربلاء حيث تذكر لنا كتب السيرة أن العقيلة زينب (ع) وقفت أمام عبيد اللَّه ابن زياد في مجلسه في الكوفة عندما قال لها شامتاً الحمد للَّه الذي فضحكم وأكذب أُحْدُوثتكم” فقالت (ع): الحمد للَّه الذي أكرمنا بنبيِّه محمد صلى الله عليه وآله وطهَّرنا من الرجس تطهيراً، إنما يُفتضح الفاسق ويُكذَّب الفاجر وهو غيرنا” فقال لها:” كيف رأيت فعل اللَّه بأهل بيتك”؛ قالت (ع):” ما رأيت إلا جميلا”.
يا لقوة صبر زينب (ع) كل تلك المصاعب والمحن لم ترها إلا جميلا … جمال الحب الإلهي الذي يسكن في قلوب المجاهدين. فيزدادون قوة … وجمال القيم والتضحية والمبادئ، وجمال صور الشهداء وهم يستأنسون بالمنيّة استئناس الطفل بمحالب أمه … وجمال الأمهات اللواتي دفعن أولادهن إلى الجهاد … جمال يحمل في طيَّاته معاني رائعة لا نستطيع نحن العاجزين والمقصِّرين أن ندركها أو نعبِّر عنها ما لم تغشَ نفوسنا روحية الإسلام.
– القدوة الملحَّة :
إذن عاشوراء كلها دروس وعبر ومواقف … تُنَمي فينا بذور العقيدة … وتستطيع المرأة المسلمة في عصرنا الحاضر أن تلتحق بقافلة الإمام الحسين (ع) وموكب السبي الزينبي رغم بعد المسافات حيث الحاجة ماسة ومُلحَّة إلى تربية جيل صالح وأفواج من الشباب مستعدين لتلبية نداء الحسين (ع) … والحاجة قوية أيضاً إلى أن تربي المرأة نفسها بالإسلام لأن الإسلام يهذب النفوس ويطهرها من دنس المعاصي والشهوات .وأعظم مدرسة للتربية مدرسة عاشوراء … وأجَلُّ قدوة لنا السيدة زينب (ع) في دعوتها وتبليغها، وقوَّتها، كي يكون لنا منبراً زينبياً نحارب فيه الفساد والمجون والظلم، في عصرٍ تكاد تنمحي فيه القيم من الوجود.

السلم الإجتماعي..

بالرغم من الظروف السوداوية والقاتمة التي تمر بها البلاد اليوم ، نجد أغلبية اليمنيين ينظرون وبتفاؤل إلى مخرجات الحوار باعتباره الأمل الوحيد للخروج من دائرة الفوضى والعنف الذي نعيشه اليوم وكإطار للسلم الأهلي ، على اعتبار أن تحقيق السلم الاجتماعي كفيل بتفكيك بقية الأزمات .
وصحيح أن هناك من اليمنيين يعمل على الدفع في اتجاه إنجاح الحوار ، ولكن في مقابل ذلك نجد ان هناك من يعمل لإجهاض عملية الحوار ، ولإرباك المشهد السياسي والأمني والسلم الاجتماعي في البلاد .
وما تشهده البلاد اليوم من فتن طاحنة وتزايد حالات حوادث الاغتيالات الدامية التي أصبحت جزء من حياة اليمنيين ،يثير القلق لدى الناس وينبئ عن مستقبل مظلم لكل اليمنيين .
وهذا التخوف من خطورة هذه المرحلة لم يأتِ اعتباطاً، بل هو تشخيص وقراءة مستفيضة لمجمل الأوضاع الداخلية، وطبيعة التمحورات الإقليمية، ومدى تأثيرها في الوضع الداخلي ، وما يحاك خلف الكواليس وأمام الأنظار من مؤامرات ومشاريع تستهدف بالدرجة الأولى تمزيق النسيج الاجتماعي لهذا الشعب .
إن تشخيـص الحالة التي يمـر بهـا البلـد

بشكل دقيق ، وبعيدا ًعن الخلفيات التي ينطلق منها هذا التشخيص تُعد من أهم العوامل والمؤثرات التي تساعد في إيجاد الحلول الممكنة .
ومن الواضح إن أهم ما يميز هذه المرحلة هو غياب أو تغييب مفهوم المواطنة، يقابل ذلك تغليب مفهوم الهويات الفرعية ، وهذا الأمر لم يأت ِ من فراغ بل جاء نتيجة لتراكمات وخلفيات تاريخية، قد لا يسع المجال لذكرها – ما ولد هذه الهوة في الاندماج الاجتماعي والثقافي الذي يعتمد التعددية والتنوع في إطار مفهوم المواطنة.
ومـن الواضــح أننا بأمـس الحــاجة إلــى إشاعة الطروحات الوطنية، وفي هذه المرحلة بالتحديد، على اعتبار أن هذه المرحلة تشهد تحولات وتغييراً مستمراً للكثير من المفاهيم والرؤى التي أكل الدهر عليها وشرب، والتي تراكمت عبر حقب تاريخية طويلة، حتى ضربت أطنابها داخل أوصال هذا المجتمع.
لذا يجب العمل في هذا الاتجاه، لتعميق وتعميم كل ما من شأنه زيادة االتلاحم بين أفراد المجتمع، والعمل على إرساء مبادئ السلم الاجتماعي الدائم، من خلال نشر ثقافة الوحدة والتوحد، ثقافة بناء مجتمع فاعل ومحصن بالعوامل الذاتية، وقادر على تجاوز المصاعب والتحديات.

لكن ترديد مثل هذه الطروحات والرؤى الوطنية لا يمكن لها أن تتحقق ما لم يتوفر لها إطار سميك ومحكم ، يحتويها ويحافظ على مضامينها، وهذا الإطار يتمثل بالسلم الأهلي الدائم .
والذي يعني بالدرجة الأولى الحفاظ على حالة التوافق بين مكونات المجتمع الواحد، ورفض كل دعوات العنف، أو التحريض عليه أو تبريره، أو نشر ثقافة تعتبر التصادم حتميًا بسبب جذرية التباين، و تحويل مفهوم الحق بالاختلاف إلى إيديولوجيا الاختلاف و التنظير لها و نشرها.
ومن اجل الخروج من الوضع السيئ الذي
تعيشه البـلاد اليـوم يتطلب البحث عـن الأسباب الحقيقية والجوهرية التي تعرقل بناء الدولة، بدلاً من الاكتفاء بالتركيز على المظاهر الشكلية والثانوية.
كما أن البلاد اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التهدئة وتحكيم العقل، والكف عن إصدار البيانات وإطلاق الاتهامات التحريضية وتحمل المسؤولية في تعزيز الوحدة الوطنية ونبذ الفرقة وكل ما من شأنه تمزيق النسيج الاجتماعي والعمل على خلق الأجواء اللازمة لتنفيذ مخرجات الحوار باعتبارها مرجعية وطنية، ومدخلاً هاماً لإعادة الطمأنينة وخلق وتعزيز الثقة بين كل اليمنيين .

الصفحة (3)

اليمن والثورة الحسينية..

السيد

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا أبي القاسم محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ولاسيما بقية الله في الأرضين روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء اقبِل سيدي ومولاي … السلام عليك يا سيدي ومولاي يا صاحب العصر والزمان يا ليتنا معك فنفوز فوزاً عظيماً السلام على الحسين وعلى علي ابن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين .. قال الله تعالى في محكم كتابه((إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنهُ كان توابا))صدق الله العلي العظيم
اليوم في العالم العربي والإسلامي ترتفع راية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وترجع روح الثقافة الحسينية الثقافة المحمدية الأصيلة والتي سعى ومازال يسعى أعداء محمد وآل محمد لطمس هذه الروح وإطفائها ويأبى الله إلا أن يُتم نوره.
ولقد جرب عداءه لهذا النهج على مدى ثلاثة عشر قرناً ونيف ويوماً بعد يوم هذا النهج في توسع ونهج أعدائه في اضمحلال وهزيمةٍ وانكسار رغم أنهُ سعى في كل البلدان وبكل الأشكال والأساليب والتي تتلائم مع كل مناخ لإطفاء هذا النور، وفي اليمن سيكون سعيه لإخماد وإطفاء هذا النهج مضاعف على كل البلدان والتي رأينا كيف سعى في العراق ولبنان وسوريا والبلدان المجاورة لنا.
نحن في الساحة اليمنية يجب أن نجعل من هذا المجلس ومن رجال هذا المجلس حُسينيين بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وهذا ما يجب لنعرف فلسفة هذه المجالس،
بالرجوع إلى الأحاديث وما كتبه المؤرخون تجد أن أول مجلس أقيم لأبي عبد لله الحسين هو بعد استشهاده بأربعين يوماً.
والسؤال كيف أحيت تلك الثلة الباقية من كربلاء عاشوراء فهم أعلم منا كيف تحيا مجالس أبي عبد الله الحسين ارجعوا إلى التاريخ واقرءوا كيف استطاعت السيدة زينب أن تقلب موازين المعركة وتجعل من هذا التهديد فرصة وكيف استطاع الإمام السجاد أن يوصل أهداف أبي عبد الله وأن يوضح للناس لماذا خرج الحسين؟ولماذا قُتل؟وماذا كان يريد؟ وما واجب كل شيعي بعد الإمام الحسين إذ أن المسألة لم تكن عاطفية فحسب رغم أن ما جرى في كربلاء لا يُمكن للقلوب أن تتحمله ولا العقول أن تدركه.
أيها الحسينيون الحسين بذل ما بذل وتحمل ما تحمل كي يحيا كل واحدٍ منا بعزة وكرامه كي يبقى كل بيت من بيوت المسلمين حياً بالقرآن كي تبقى الصلاة قائمه وكي تظل الصلاة على محمد وآل محمد في جميع الأقطار، فهل نستطيع تجسيد هذه الأهداف؟ عندما تموت القيم الحسينية اعرفوا أنها ستحيا فينا القيم اليزيديه المسألة لا يوجد فيها خياران أو إمساك العصا من الوسط أمير المؤمنين يقول من لم يفكر بالحلال فكر بالحرام من لم ينشغل بالحلال انشغل بالحرام، واليوم من لم يكن حسينياً سيكون يزيدياً .
عندما يفشل الإنسان في إحياء ما أُمِرَبه يرجع إلى الخرافات واللامنطق و اللا شرعي عند العجز عن تقديم وإحياء الحق يرجع إلى الترهات والأباطيل.
كل ما أمامنا من قيم ومبادئ للإمام الحسين لو تم إحياؤها داخل كل واحدٍ منا لرأيتم المعجزات.
عند ما نرى المسيرات العاشورائيه لحزب الله وفي إيران نبكي ونغبطهم وللأسف كأن هذا الشيء لايمكن أن يحصل في اليمن ويقول البعض لا يمكن أن نصل إلى ما وصلوا إليه وهذا مما يؤسف له لأنه طعن في رواية الإمام الصادق الذي أخبر أن اليمن أهدى الرايات بمعنى أنها أعظم وأرقى راية حسينية وأجل حركه.
أولئك الذين نجحوا في مسيرتهم لم يكونوا غافلين كانوا مستيقظين وعوا أهداف عاشوراء فلم يستطع العدو أن يشوه مسيرتهم.
ونحن في اليمن علينا أن نكون واعين لما يحاك لنا فالعدو عندما يعجز عن إيقاف المسيرات الحسينية بالتفجيرات والترهيب والتهويل يرجع إلى مكرٍ ًآخر وهو الذي بدأ اليوم في ساحتنا تشويه المسيرات. حزب الله بالنباهه واليقظة والوعي لم يعط للعدو فرصة لينفذ من خلالها تشويه مسيرته.
نحن اليوم مكلفين بهذا الشيء إذا أردنا أن نصل إلى ما بشر به الإمام الصادق عليه السلام ولذلك أمامنا
ثلاث تجارب فأين سنكون منها :
الأولى الهزيمة والإيحاء للنفس أننا لانستطيع أن نفعل شيئاً.
الثانية التقليد والمشي كالآخرين وهذه لاتتطابق
مع رواية المعصوم (أهدى الرايات )وتبقى الثالثة التي يجب أن نفوز بها وننالها .
هناك من يسعى لتثبيت الخرافة في الساحة اليمنية وللإيضاح فقد تم إعلان عن موكب الحوراء زينب موكباً تطبيرياً يخرج في شوارع العاصمة وتم الإعلان له في صفحات الإنترنت أن هذا الموكب سيخرج ولأول مرة في تاريخ الشيعة في اليمن لإحياء ذكر محمد وآل محمد وعلى الجميع الخروج، لكننا بفضل الله ودعاء الحجة (عج)انتبهنا لهذا المخطط والذي تم تنفيذه في أكثر من دوله ولم يثمر إلا تضييقاً وتشويهاً لشيعة آل البيت ومسيراتهم الناصعة.
كان المراد الخروج بموكب تطبيري في شوارع صنعاء عندها فكروا ما الذي سيحدث سيشتغل الإعلام ولن يسكت وعندها لايسمع للعقلاء صوت
هنا تكمن اليقظة والحضور في الساحات وعدم إعطاء الفرصة لمن يشوهوا باسم الحسين مسيرات أبي عبد الله (ع).
عندما يئسوا من الخروج نشروا بين الناس أن هناك من يمنع المسيرات الحسينية ولقد فشلوا مرة أخرى عندما سعوا لبث الفرقة بيننا وبين الأخرين والمشارب الأخرى وفشلوا عندما أرادوا أن يوقعوا الفرقة والتمزق بيننا في البيت الداخلي ولأول مرة في اليمن نخرج في مسيرات عاشورائية وباللبس والعمامة الحوزوية لنثبت أننا حاضرون في الساحات وموجودون وأننا أصحاب الحسين الحقيقيون.
أيها الحسينيون لاتسمحوا لأحد أن يشوه هذه المسيرات .. لماذا لا تحترق قلوبنا على محمد وآل محمد كما تحترق على أنفسنا ؟
هناك رواية للإمام الحجة (عج) يجب أن تقرأ كل صباح ومساء كي لا يكون أحد منا جاهلاً أو أحمقاً فيكون سبباً في تأجيل فرج صاحب العصر والزمان (قد آذانا جهلاء وحمقاء شيعتنا ومن دينهم جناح البعوضة أرجح منه).
نعوذ بالله أن نكون في يوم من الأيام سبباً في أذيتهم أو وسيلة في تأجيل فرجهم .
يجب أن نسعى أن نكون سبباً في تعجيل هذا الظهور وهذا لن يأتي بالتمني أو التخيل أو المدح
السيد حسن نصر الله عندما يظهر الإمام المهدي (عج) سيقدم مشروعه قائلاً : تفضل سيدي ومولاي .. الإمام الخامنئي (دام ظله) سيقول: تفضل سيدي ومولاي هذا مشروعنا وما استطعنا عمله .. المراجع العظام سيقدمون مشاريعهم وما استطاعوا أن يفعلوه .
يجب أن نكون حاضرين في كل الساحات العلمية والعملية فعندما يقول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) فما هي قوة ذلك الزمان فيجب أن تعدوا، وقوة هذا الزمان متعددة أهمها الإعلام الذي يقول الإمام الخامنئي أنه أكبر وسيلة وسلاح في هذا العصر .
خلاصة الأمر هو معرفة ما يأتي : –
أولاً – لماذا ثار الإمام الحسين (ع) ؟ وكيف نقيم مجالس أبي عبدالله الحسين (ع).
ثانياً – كيف سعى العدو لإطفاء نور هذا النهج؟
ثالثاً – إحياء أمر الإمام الحسين (ع) في أنفسنا قيمة ومبادئه.
في هذا اليوم يجب ان نتذكر الإمام الحسين (ع) دمه ودماء أولاده وأهل بيته وأصحابه وأنات الثكالى ونزف الجرحى وبكاء الأطفال واليتامى وعطشهم ومصابهم وكل ذلك يهون أمام أخذ بنات رسول الله صلى الله عليه وآله سبايا تصوروا الإمام السجاد يقاد أسيراً وزينب سبية لهذه الأمة بل ويُحملون إلى أحقر خلق الله.
لقد رأت زينب موت جدها المصطفى (صلى الله عليه وآله) وموت أمها الزهراء (ع) والحسن (ع) أخاها يلفظ كبده من السم وأخاها الحسين (ع) تتناوشه السيوف وتمطره السهام رأت ما رأت من أهوال ومصائب ولم يفت ذلك من عضدها ولكن ما فت من عضدها وألهب صدرها هو لعن أبيها الإمام علي ابن أبي طالب (ع) في مجلس يزيد .
ما حدث في مثل هذا اليوم لا يتحملة إنسان فلا مثيل له في حياة البشرية ثم يأتي من يريد إفراغ هذه الثورة من محتواها وباسم الحسين عليه السلام ولكننا لن نسمح لهم في اليمن أن ينفذوا مايريدون من إساءة وتشويه.
نحمد الله الذي من علينا في هذا العصر أن ارتفعت هذه الراية على يد الإمام الخميني (قدس سره) وحفظها الإمام الخامنئي (دام ظله) وسار على نهجهما السيد حسن نصرالله حفظه الله الذين يحافظون على قدسية هذه الثورة المباركة وعلى نهج الإمام الحسين (ع) وأهدافه وعلينا نحن أن نحافظ مثلهم بل وأكثر على هذا النهج وهذه الثورة لنكون مصداقاً لقول الإمام الصادق (ع) أهدى الرايات .

سماحة السيد حسن علي العماد
يوم العاشر من المحرم 1435هـ

المجتمع القرآني..

لا يجد الباحث صعوبة كبيرة وهو يحاول رسم صورة المجتمع الصالح الذي يدعو القرآن إلى إقامته، بوصفه كتاب هداية وتربية وتنوير.
تبدو خصائص هذا المجتمع ومميزاته وأسسه ومعالمه واضحة ومشخصة بشكل يفوق كل المحاولات الأخرى التي نجدها لدى كتب أخرى، سماوية أو غير سماوية.
بداية، لا بد أن نشير إلى ظاهرة واضحة جدا في القرآن وهي انه يخاطب المجموع بشكل كبير عبر قوله:”يا أيها الذين امنوا…”.
وفي هذا إشارة ضمنية إلى أن القرآن يسعى إلى تربية مجتمع وأمة وجماعة.
وهناك ظاهرة أخرى نجدها في سياق حديث القرآن عن ذاته وعلاقته بالمؤمنين، مثل قوله تعالى: “ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين”.
ففي مثل هذه الآيات نجد أن القرآن الكريم يفصّل في خصائص المؤمنين أو المتقين أو أولي الألباب أو عباد الرحمن.
وهذه كلها تعابير تشير إلى مجتمع أو أمة أو جماعة، وحين نغوص في التفاصيل نجد أن “المجتمع القرآني” يتألف من أفراد أحرار، متساوين، فعالين، تجمع بينهم رابطة الخلافة الربانية.
هذه ثلاث صفات يؤكد عليها القرآن الكريم، حيث تشكل الحرية والمساواة والفعالية أو الإيجابية، ركائز للمجتمع القرآني.
ومع أن القرآن الكريم لم يحرم الرق صراحة لأسباب ليس الآن محلها، إلا أن الاتجاه القرآني العام يتحرك نحو الإلغاء ليصفو المجتمع القرآني ويتألف من مواطنين أحرار فقط.
والمواطن القرآني الحر والمتساوي مع الآخرين إيجابي وفعّال، بمعنى أنه ليس سلبيا إزاء ما يحدث من حوله في المجتمع والعالم.
إنه مواطن مسؤول، ويقوم المجتمع القرآني على منظومة قيم وأخلاق عالية ورفيعة جدا. فالتوجيه القرآني يركز على الصدق والصراحة والشفافية والسلام والإخلاص ومساعدة المحتاجين واحترام الكبير والعطف على الصغير والبر بالوالدين والتواضع والتسامح والعفو عند المقدرة، ويحذر من الكذب والتجسس والبهتان والخيانة والنميمة وقول الزور وهدر المال العام.
والمجتمع القرآني مجتمع تعاوني، ينشأ بين أفراده رابط التعاون الطوعي على البر والتقوى.
والتعاون الطوعي يعني أنه ينبثق من مبادرة ذاتية، لا يعتورها الإكراه والضغط، ولا حتى الطمع بمردود مالي أو مادي، وإلا تحول إلى تجارة، ومع أن التجارة ليست مما يمقته القرآن، بل يحببها إلى النفوس، إلا أنه يبعد التعاون عن أي معنى ربحي أو مادي.
وهذا التعاون منصف وعادل، بمعنى أنه لا يؤدي إلى غمط حقوق الآخرين، بحجة التعاون والتضحية، والقرآن يؤكد كثيراً على العدالة والإنصاف وعدم ظلم الآخرين.
والإنصاف في التعاون الطوعي يعني عدم تحميل المواطن أكثر مما يتحمل، إنما يجري الأمر على قاعدة “من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته.”
ولذلك فالتعاليم الدينية عبارة عن نظام منصف للتعاون الطوعي بين أفراد أحرار ومتساوين وفعالين.
وطبيعي أن نتوقع أن يتمكن هذا المجتمع، ومن خلال الآليات الديمقراطية، من إقامة دولة مدنية عادلة ومنصفة وصالحة، وبالتالي تكون الدولة التي يقيمها هذا المجتمع مجسدة في قيمها وأخلاقها واتجاهاتها العامة للقيم القرآنية العليا.

الصفحة (4)

الثورة الحسينية وصناعة الحياة..

منذ ما يقارب ألفاً وثلاثمائة سنة، وعاشوراء تُطل موزعةً علينا لياليها العشر، وفي كل ليلة لونٌ من دموعٍ تعلمنا: كيف نذرفها، وكيف لا نخنق بها. وكيف نحتفظ بخميرةٍ منها، من الآن إلى العام الآتي بعاشوراء جديدة، تذكرنا بأن لا ننسى مآسيها المخبوءة في ضلوع المآسي المتولدة من ذات الخمير!! خبراً بعد خبر، يولد الحسين لعشرٍ من ليالٍ مترعاتٍ بالأسى الأحمر، يتجرَّعه، وينزح إلى دهر آخر، حتى يستفيق ويتمكَّن من الرجوع!! ويبقى الرجوع واحداً كأنه الموت المؤبّد، لأن عاشوراء هي الموت الآخر الذي لم يتجدد .. وعندما تدرك عاشوراء أن الحياة ولادة من موت، كما هي الأصباح انبثاق من ظلمات، ومثلما هي الرؤى انبلاجٌ من غفوات، ساعة تلك تعرف أن الحسين الذي شدَّ به النبل، والرفض، والإباء، إلى تجرُّع الموت، وامتشاق الشهادة هو الحي الذي لا يمكن أن يغيب، وهو الشهيد الذي لا يجوز أن يوارى، وهو القضية المتمسكة بتلابيب الحق، في ترسيخ مجتمع على ركيزة الحق، ولا بد لهذا المجتمع إلَّا أن يجد ذاته المرسومة، عندما تعانقه تلك القضية التي صاغ لها الحسين قالب الموت، وقالب الشهادة!والمجتمع الذي بذل الحسين له الراحة والدم، إنما هو الذي نزَّل له جدُّه النبي قرآناً كريماً، وأبوه العلي نهجاً بليغاً .. ولقد تمنَّى له العظيمان المتلاحمان بذات الأبعاد وذات المكرمات. وصولًا إلى تحقيقاتٍ ثريَّةٍ، تجعله بين مجتمعات الأرض مثالًا يحتذى: تقىً، وطهراً، وقوةً، وصفاء .. ومن هذه الأشواق الغنية بالنبل ومكارم الأخلاق، تجمَّعت للحسنين بوادر منها، نطق بها الحسن، وعبَّر عنها الحسين، في كل المعادلات التي قدَّمها لتأسيس أمة جدّه وأبيه المرجوَّة التحقيق، ولصيانتها، بالشوق المخصَّص لها، حتى لا يطالها الانفراط.
تلك هي القضية- قضية أمةٍ برمتها، تملكت الحسين بمثالياتها، وتعلَّق بها رافضاً، بإبائه ونبله، كل ما ينحطَّ بها، أو يبعدها عن خطها المرجَّى لها. وخطها المرجَّى لها: أن تصير أمةً مثاليةً بما تحققه الرسالة المنزَّلة لها من استقاماتٍ ناطقةٍ بالحق، والطهر، ونبل المكرمات .. فيكون لها إنسان نيّر العقل، وطيّب اللب، وصادق اللهجات، يبنيها، ويصونها، وهو يقدسها بالحب والولاء، وهي تحضنه بالعطف الكبير، وتكفكفه بالخير، والعدل، ونبل المساواة!
وتلعثمت القضية بالصدمات المذلَّة، والمبعدة الأمة عن حقيقة الوعد، ومتانة التركيز .. ولم يقبلها الحسين، هذه الصدمات: تزعزع المجاهدين، وتهدد الأمة بانشقاقها عن حلْبَة المواثيق، ليكون للذئب ناب الزندقة، وناب الفسق! وناب التهام الحظيرة قبل ما يتجمَّع فيها من خرافٍ، ونعاج، وحملان!!! وها هي الأمة، تتدنَّسُ فيها المواعيد، ويتشتَّت بها الرجاء الأكبر، ويتفسَّخ بها الإيمان إلى حبالٍ مهترئةٍ بالظلم، والكذب، والطغيان!!!
إنها كلَّها رؤى الحسين، رآها زاحفةً بقدمي يزيد، يمرّغ بها أمة جده النبي، فيقطّعها عن جادَّتها المرسومة لها: تحت قرص الشمس، وفي أحضان الفضاء، والنقاء، والبقاء، ويرميها أشلاء في أشداق الخلاء، والبغاء، والعار!!
مَن علَّم الحسين رفض السياسة الخرقاء؟! وعدم القبول بها.
وليس وحده النبل هو الذي علَّمه الرفض .. وليس وحده الإباء … وليست وحدها البطولة العصماء .. ولا الإرادة النجلاء .. هنالك أمةٌ مرجوَّةٌ للبقاء .. سُنَّت لها دساتير البقاء .. فإذا تعثَّرت بها قدمٌ مخبولةٌ شنعاء!!
فإن رجاءً مقطوباً بأل رجاء .. سيعيد إليها أملًا مشدوداً ومعقوداً، لا يموت به الحق، ولا صدق الرجاء .. لأنه وحده الحق، ولأنه وحده الرجاء!
وأقدم الحسين على البذل السخيّ الأرشد، وعلى تقديم الرفض تحت عين الأمة المقهورة، حتى تتعلَّق الأمة بالرفض المعلن، من دون أن تنساه ذخيرةً لها: تبني به- في أيّ يوم أنسب- التحاماً فاعلًا، يحقّق لها رجاءً معهوداً، ما وعدها به إلَّا نبيُّها العظيم الباقي لها في حضوره الأمجد!
وحده ابن الحسين، أنعش أباه الشهيد بدمع غزير راح يسقي ثراه، وراح يعلّلُ الأمة بإنماء شوقٍ فيها ينبتُ من عشقها الذاتي، ومن توقها إلى كل تحقيقٍ تعيّنه إرادتها من اقتناعها المتطور بها صعوداً إلى كل خيرٍ تجتليه، وتجنيه إلى رصيدها الشريف الخالد.
وهكذا رأى ابن الحسين- زين العابدين- أن يفكَّ الأمة من عقال الجهل، وأن يوسّع لها منافذ الفهم .. وتوّاً خصَّها بجامعةٍ علميةٍ موسعةٍ وشاملة البنود، تبتدئ الآن من دون أن تنتهي .. وها هو ابنه الباقر يجمع لها كلَّ العلوم .. وها هو حفيده العبقري الآخر جعفر الصادق، يكمّل أباه وجده، بجهدٍ عبقريّ نادر المثيل!
تلك هي الإمامة المثلّثة: بزين العابدين، وابنه الإمام الباقر نجيّ الرسول، وحفيده الجامع معارف الأرض، جعفر الصادق .. إنهم ثلاثةٌ في مجمع الإمامة العلمية المركّزة- على أن تبقى وتستمر- لمحض الأمة بكل المعارف الحياتية، الفكرية، الروحية، الاقتصادية والناهضة بالأمة، من يومٍ إلى يوم، ومن جيل إلى جيل، لتكون- هذي المعارف- حضارتها وثقافتها المعبّرتين عن انتاجها وتعيينها ما ترتئي، وما تريد .. وهكذا، باختصار التنويه، تصل الأمة المثقَّفة إلى بناء ذاتها المعينة في أشواق النبي، وقد شملها الإدراك، أن الثقافة بالذات، هي التي جعلتها تعي أن رفض الحسين هو الأداة الموصلة إلى جمعها أمةً عظيمةً ناجيةً من الذل، والقهر، والطغيان!
ليس لنا الآن أن نعلّق على أنَّ الجامعة العلمية التي ثقَّفت الأمة طيلة ثلاثة عهود صمتت بانتقال‏ الإمام الصادق إلى مداه الأبدي!! إن في ذلك شجىً آخر، حرم الأمة من استمرارية الصعود!
ولكن للأمة حبلًا من رجاء لا يزال معقوداً- ستلتجئ إليــه الأمة التــي لا تــزال مفروضــة، لتشتدّ به، وهو- وحده- لها في الانتظار .. لقد
أغزله لها زين العابدين وعندما تتلفَّظ الأمة بغزل الإمام، يعودُ إليها شدُّ الحزام، ويكون لها من حدود العلم غزاراتٌ أخرى، تُفيضُ عليها: خيراتٍ، وجنىً، وأفواجَ مواسم .. وكلّها قوىً لها تجمعها من شتاتها، وتوحّدها في ميناها، وتمتّثلها في عمليات الرفض الحسيني الباقي لها في خزائن الأرض، وفي سُوَرِ القرآن .. وعندئذٍ يعودُ من الموت حسب عاشوراء، لا ليبذل دمه، في كل سنةٍ مرة، بل ليحيا الخلود بدمٍ أبيٍ لا يجوز أن يُهدر!
ولن يكون تمجيد الشهادة، من أجل تأصيلها- وهي الأصيلة- بل من أجل رفعها شعلةً على عمود مغارة، توضّح الخط. وتوضّح الإشارة: بأنَّ الحقَّ هو العزيز في نيل السجيَّة، وأنَّ الذلّ هو الكريه على النفوس الأبيَّة … أما الرفضُ الحسينيّ، فهو العلمُ الثمين الذي تسخو به الجامعات الثقافية الإنسانية المجنّحة بالعدل والإباء، واللمسات الكريمة .. وعندما تُمسُّ واحدة من هذه المجتمعات.
فإن الرفض الحسيني الباهر، يتصدَّى لها بالمقاومات النخية التي تعشقها النفوس الأبيَّة، وتتبنَّاها في شرعيَّة الدفاع، حتى ولو أدَّى عدم التكافؤ في الصراع إلى هدر الدم، وتعطيل الحياة!
أترانا تلفَّظنَا بالمقاومات حتى نشير إليها بأنها فسيلة من الفسائل المقتطعة من أمها النخلة والشامخة، ذات الأقراط التي تتدلَّى منها حبَّات البشر الناطقة بأطياب الثمر؟
إني أراها كذلك- بعد ألف وثلاثمائة سنة من استشهاد الحسين- تتعلَّق بذات الرفض، وذات الإباء، وذات البذل، وذات النصرة المتحمّل وطآت الضيم!
إن نعمة الثورات الأصيلة- وليكن لها المجد الخطير- تعبّر عن مدى الغوص في بحر الذات، وتدافع عنه، من دون أن تأبه لجبروت الجائرين، ليبقى الحق وحده الحسام الممتشق، حتى ولو أدَّى بالمعتدين المجرمين، إلى غرزه في صدور الرافضين!
والسلام عليكم تمتصُّون عاشوراء ذكراً حياً ملتهباً بالرفض، والنبل، والإباء .. وبكل ما ينعش الوجود الإنساني المتحلّي بالشهامات.

زينب..

حدثيني عنك يازينبْ
حديث الظامئ المتعبْ
زهور فؤادِه ذبلت .. وتبغي صافي المشربْ
إليك إليك سيدتي
وحيث رحالك أرغبْ
فأنت الزادُ للمُسغب .. وأنت الرَّوحُ للمُكربْ
حسينٌ قد قضى نحبا
وسلًّمَ روحه ربا
ولولا أنت يازينبْ
لما عُرفت ولم تكتبْ
أما أخبرتِ أن الحق لا يُمحى ولا يُغلبْ
صدى كلماتِكِ يازينَ .. كم أرعب طواغيتاً وكم أرهبْ
ويا لله كم خَرَّب عروش البغي والعقربْ
لقد ظنوا بأن القتل يفنينا ،، وأن الذبح يثنينا
وما عرفوا بأن الموت يحيينا
فروح السبط تجري في شرايينا ،، كما تجري مآقينا
وكوثر جدهِ المختار يسقينا
معيناً طاهراً دوماً فلا ينضبْ
فإن قتلاً وإن حرقا ،، وإن صلباً وإن شنقا
فلا لن تخمدوا عشقا ،، ولن نغدو لكم رقا ،، ولا لن تطمسوا حقا
لكي ما تنشروا فسقا
فمكتوب لهذا النور أن يبقى .. فمن زيتونة الأطهار إذ يُسقى
كثيرٌ منكمُ كذّبْ ،، فلم يظفر وقد جَرَّبْ
دماء السبط لم تذهبْ .. سدى فالنهجُ قد أعقبْ
فحزب الله برهانُ ،، ومصداقٌ وتبيانُ ،، لهذا النهجِ عنوانُ
تَّكرَمَ فيه إنسانُ ،، تجلى فيه إيمانُ
تشيد فيه بنيانُ ،، تعايش فيه أديانُ
وضوء الشمس إن يُحجبْ ،، فعن عينين لا ترغب !!
فهذا العصر عصر الآلْ ،، فكوثرهم زلالاً سالْ
ومن يشرب ينلْ في الحالْ ،، بلا شكٍ ولا ريبٍ صلاح البالْ
ويلبس حُلة الإجلالْ
وبعد اليوم لن نسلبْ ،، ولن نخشى ولن نرهبْ
من الوحش الذي أنشبْ ،، بأحشانا نيوب الحقد والمخلبْ
أما شاهدتم الحوراء قد جالتْ ،، بقصر الظلم من أعدائها نالتْ
كحيدرةٍ على الأوغاد قد مالتْ
وروح الله مصداقٌ لما قالتْ
أتى ليُهيأ المركبْ ،، من اللّجات والأمواج ينجو كل من يركبْ
ومن عن نهج روح الله قد يرغبْ ..
فلن يلقى له من عاصمٍ ينجيهِ أو مهربْ
ويأتي روحُ روحِ الله يمحو ظلمة الغيهبْ
فنورٌ جاء من نورٍ وعذبٌ سالَ من أعذبْ
فيسقي الوادي الأجدبْ
يهيئ أرضنا والدارْ ،، يجمّع حوله الأحرارْ
وعندئذٍ يسلم راية الثوارْ ،، لمظهر رحمة الباري على الأخيارْ ..
ونقمتهُ على الأشرارْ
ليأتي آخذاً بالثار ،، ومنتقماً من الفجار والكفارْ
يطهر أرضنا من حفنة الأقذارْ ،، ويرفع عن رياض الفل والأزهارْ
والريحان دعوى العار
فيا شوقاً إليك بقية الأطهارْ
ألا ياقارئ الكلمات لاتعجبْ !!
فهذا وعد خالقنا به قد أخبرت زينبْ

فؤاد الراشدي
1435 هـ