1

ولادة الرسول الأكرم (ص)توحدنا..

تصدر عن تنظيم مستقبل العدالة
العدد السابع
ربيع أول 1435هجري – 2014 ميلادي

الصفحة (1)
ونحن نعيش الذكرى العطرة لولادة الرسول الأكرم ولانه كان هناك اختلاف في الروايات حول يوم مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين السنة والشيعة حيث يرى الأخوة من أهل السنة أن يوم 12 ربيع الأول هو يوم مولد الرسول الكريم بينما يرى الشيعة إن يوم مولده هو 17 ربيع الاول، وحتى لا نحقق حلم الغرب المستمر في تمزيق وتفريق المسلمين فكان للإمام الخميني (قدس سره) رؤية جميلة لوحدة المسلمين وجمعهم حيث دعا إلى أن يكون هناك أسبوع للوحدة الإسلامية يمتد من 12 ربيع الاول وحتى 17 من ربيع الأول، ومع مرور الأيام أصبح هذا الأسبوع يلقى الرواج في الكثير من الدول العربية والإسلامية حيث تقام فيه الندوات والأمسيات والمحاضرات والمؤتمرات التي يشارك فيها المسلمون من سنة وشيعة.

صورةةمع الصوفية

وعندما نفكّر في الآليات والأساليب العمليّة لتحقيق هذا الأمل نجد أنّ شخصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله والتي تعتبر أفضل وأعظم شخصية في الإسلام، هذه الشخصية الفذّة هي المحور الأساس الذي تتمحور حوله عواطف وعقائد المسلمين كافة، وقلّما تجد مفردة من مفردات الإسلام أو حقيقة إسلامية تكون مورد اتفاق جميع المسلمين وقادرة على استقطابهم وتستأثر بكل عواطفهم كما هو الحال بالنسبة إلى شخصية الرسول محمّد صلى الله عليه وآله..نظراً لدور وتأثير العواطف البالغة الأهمية، بحيث إننا إذا استثنينا بعض الفرق الشاذّة التي لا تهتم بالجانب العاطفي والولاء القلبي ولا بمسألة التوسّل، فإنّ عموم المسلمين تشدّهم بالرسول صلى الله عليه وآله عواطف وأواصر حبّ قوية. وبناءاً على ذلك يمكن لهذا الوجود المبارك وهذه الشخصية العظيمة أن تكون محور الوحدة التي نحن بصدد تحقيقها.
وقد نبه الامام الخامنئي في هذا الأمر إلى الضرورة الملحة والأكيدة للوحدة الإسلاميّة وذلك لأنّ أعداء الإسلام اليوم يتّصفون بصفتين لم يكونوا قد توفّروا عليهما من قبل:
الصفة الأولى: أنّهم اليوم يمتلكون أكبر قدر ممكن من عناصر القوة، كالمال والسياسة والإعلام، كما يمتلكون كافة وسائل وآليات السيطرة والنفوذ والهجوم والمباغتة. وهم يشكّلون جبهة واحدة في قبال الإسلام بدءاً بالاستكبار وعلى رأسه أمريكا والصهيونية ومروراً بشركات النفط العالمية وانتهاءاً بذوي الأقلام المأجورة الّذين يعملون لصالحهم، وهم مجهّزون بمختلف الوسائل والمعدات وأحدثها. ونظرة سريعة إلى تأريخ الصراع المحتدم بين الإسلام والقوى المضادة تثبت أنّ القوى المضادة لم تكن في يوم من الأيام مجهزة بكلّ هذه الإمكانيّات والمعدات وعناصر القوة كما هي عليه اليوم.
الصفة الثانية: أنّ هذه الجبهة المناوئة للإسلام حسّاسة بشدة تجاه الخطر الإسلامي الذي يهدّدها أكثر من أيّ وقت مضى. ومنشأ هذا التحسّس أنّها ترى الإسلام قد خرج عن كونه مجموعة وصايا أخلاقية وأصبح تياراً فكرياً له نظامه الخاصّ به.
لقد شاهد أعداء الإسلام بأمّ أعينهم أنّ الإسلام استطاع أن يحدث ثورة ويخرج الناس من مواقع الهزيمة ويرسّخ ثقتهم واعتزازهم بدينهم وأنفسهم، كما شاهد كيف استطاع الإسلام أن يؤسّس نظاماً يتمتع بالاستقرار والثبات،.. ولذلك تراه يبدي حساسية شديدة تجاه الإسلام، والسؤال المطروح هو ما الّذي يخطّط له أعداء الإسلام في الوقت الراهن؟ إنّ أفضل وسيلة يمتلكها الأعداء هي بثّ الفرقة والاختلاف بين المسلمين، بالخصوص بين من له القدرة على التأثير في الآخرين وأن يكون مثلاً أعلى وأسوة لغيره، وهم يبذلون جهوداً حثيثة ومتواصلة في المجال السياسي ليحقّقوا أغراضهم الخبيثة.
ومعنى أن تتحد الشعوب المسلمة هو أن تتخذ موقفاً موحداً فيما يخصّ مجريات ومسائل العالم الإسلامي، وأن تتعاون فيما بينها، ولا تهدر ثرواتها في فتن وصراعات داخلية. ومن هذا المنطلق يمكن أن نعتبر شخصية الرسول الأعظم المحور الأساس للوحدة، ولذا ينبغي على المسلمين خاصة مثقّفيهم أن يتمحوروا حول شخصية وتعاليم هذا الرمز الكبير والحبّ والولاء له”.
ولقد اجتـازت هــذه الأمـة مراحـل صعبـة ومـرّت بمنعـطفـات كثيرة على مرّ التاريخ، وقد وصلت اليوم الى مرحلة مصيرية وحاسمة، ولو أنَّ الأمة الإسلامية عقدت عزمها اليوم من أجل التقدّم على الصعيد الديني والعلمي بقيادة النخب‎‎‎ السياسية والعلمية والثقافية‎، فسوف تتمكن من انتخاب طريقٍ تستطيع من خلاله القضاء على التخلّف والمشاكل والصعاب والتخاذل من قبل بعض حكومات الدول في العالم الإسلامي، وهداية الأمة الإسلامية الى طريق الوحدة وحثّهم عليه.
علينا أن نتيقّظ، ونفهم بأن وظيفتنا هي التصميم على تحديد المصير التاريخي للعالم الإسلامي، ومن الطبيعي أنّ هذا التصميم ليس منحصراً بنا شخصياً أو بوقتنا الحاضر.
فاليوم ليس هناك طريقٌ أمام الأمّة الإسلامية سوى الإيمان بقدرتها والحيلولة دون استمرار الظُلامات، والتصميم على عدم الاستسلام حيال القوى الجائرة.
وهذا الأسبوع ليس إلا رمزاً لمد جسور العلاقات بين شعوب الأمة الإسلامية وإلا فإن مشروع الوحدة يبقى مشروعاً هاماً على امتداد السنة بكاملها كافة وتعتبر هذه قضية من أهم القضايا في هذا العصر بعد أن رأينا حالة التفريق المقصودة للأمة بقيادة الاستعمار بعد أن أدركوا ضعفهم أمام قوة المسلمين،وما يجب على الأمة اليوم هو أن لا تساهم في إسقاط مشروع الوحدة بين المسلمين ، وما يقصد بالوحدة هو أن الوحدة ليست بمعنى تنازلٍ للطرف الأخر ،،، وبالقدر الذي نجد فيه مساحة من الخلاف بين الأمة نجد أن المساحة الأوسع هي المشتركة بين هذه الأمة.
كما يجب على شعوب الأمة أن لا يعيروا أهمية إلى محاور الاختلاف، ولا يتّهم بعضهم بعضاً، ولا يكفّر بعضهم بعضاً، ولا يُخرج أحدهم الآخر من دائرة الدين، وأن ترقق القلوب في كافة أرجاء الأمة الإسلامية بذكر الرسول (صلى الله عليه وآله) ومحبته، ونكون جميعنا من محبيه والمتعلقين به.
وبهذا فإن أسبوع الوحدة الإسلامية الذي دعا إليه الإمام الخميني هو فرصة لجعل قضايانا حية في الوجدان ولتوصيل رسالتنا للعالم أجمع هذا ما نودّ أن نقوله ونسأل الله تعالى بشرف وعزّة وجلالة الرسول (صلى الله عليه وآله) عنده أن يُوفّق العالم الإسلامي إلى هذا السبيل، وأن يكون مستقبل الأمة الإسلامية أفضل من حاضرها.

ولادة الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) توحدنا..

2012-634831305031751568-175_Inner_630x371
من الواجب ونحن نحتفي بعيد المولد النبوي الشريف وأسبوع الوحدة الإسلامية في العام 1435 هجري، أن نولي أهمية بالغة لترشيد العقل الإنساني سواء ضمن واقعنا الجغرافي المعروف او على امتداد العالم، نظرا للدور المصيري لهذا العنصر في تحديد مسيرة الأمم و الشعوب ومستقبلها وعواقبها على جميع الصعد.
وفي الرويات الصحيحة ( العقل يُتعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان) .
فقد أفرز العقدان الأخير أن معطيات مثيرة في التفكير والممارسة والتصادم، برهنت بشكل لا لبس فيه على ان الدوائر الغربية والصهيونية، كانت تعمل في الخفاء وبعيدا عن الأنظار على تدريب أناس من أمتنا الإسلامية ليكونوا وبالاً عليها.
ففي الوقت الذي يشدد الإسلام وتعاليمه السمحاء على تكريس ثقافة الحياة والإحياء ، من منطلق المودة والألفة والتراحم بين أبناء الأمة خصوصا والمجتمع البشري عموما ،فإنه يرفض ثقافة القتل وإزهاق الأرواح البريئة من وازع الحقد والكراهية والمزاجية. قال ربنا سبحانه في محكم كتابه الكريم: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا).
إلا أن الدوائر المشبوهة تلاعبت بعقول بعض الناس الذين خضعوا أو أخضعوا لإيحاءاتها الجهنمية حتى باتوا يعشقون ثقافة القتل والدمار والارهاب ويطبقونها على شعوبهم من المغرب الى حدود الصين وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
وهذه الأفكار والمفاهيم المنحرفة التي تلقاها هؤلاء البعض، أماتت فيهم صفة التعقل، وجعلتهم لا يتورعون عن شئ من اجل أشاعة الموت بدافع الانتقام و النفور من المواطنين والأهالي الآمنين الذين “يصنفونهم في طائفة الكفرة والعصاة والخارجين على حكم الله تعالى”.
ويبدو من ذلك أن الظروف القاسية التي عاشها هؤلاء المتشددون في أغلب البلدان الإسلامية في المنطقة ،أججت في نفوسهم رغبة تعويض تلك المعاناة والآلام والضغوط عبر ممارسات دموية لا تمت إلى الإسلام والشرائع السماوية بأي صلة.
ولا يخفى على احد في هذا الاتجاه دور أموال البترودولار والمناهج الوهابية المنحرفة في تعطيل العقل الإسلامي، وتحريض المتطرفين والجهلة على استباحة أي شيء يقف في طريقهم حتى ولو كان مقدسا.
اللافت أن الدوائر الغربية والرجعية قامت ببرمجة طريقة تفكير هذه الطائفة على أساس معاداة كل شيء في العالم الإسلامي، ما عدا “إسرائيل” الغاصبة لفلسطين والقدس الشريف .
فقد لُقنوا أساليب القتل والانتحار والتفخيخ وإشعال الفتن والاضطرابات وتسعير النعرات الطائفية، وفي بلدان وديعة كانت إلي الأمس معروفة بالأمن والأمان والاستقرار والتعايش الحضاري.
في ضوء ذلك يتضح لنا أن ثمة مسؤوليات خطيرة وعظيمة ينبغي الاضطلاع بها لمعالجة هؤلاء المضللين من الأمراض الفتاكة التي ابتلوا بها جراء العوامل المباشرة وغير المباشرة ،الأمر الذي يجعل من ترشيد العقل الإنساني على مستوى عموم الآمة الإسلامية مفتاح الحل لجميع المصائب والسلوكيات المنافية لرسالة النبي الأعظم محمد بن عبد الله (صلي الله عليه واله وسلم) والدعوة الخيرة التي حملها بكل أمانة للبشرية جمعاء.
فقد أرسله الله جل جلاله ليكون رحمة للعالمين، وليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليجمع المؤمنين علي المحبة والإخاء والتعاون على البر والتقوي ، ونبذ العداوة والبغضاء .
قال تعالى في القرآن الكريم {وأن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}.

الصفحة(2)

نحن والنبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) …
يبدو لنا النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) بعد مضي أربعة عشر قرناً ونيف وكأنه لا زال واقفاً ناصع الجبين، داعياً إلى الله باذنه، وسراجاً منيراً في دروب الحياة، وشاهداً علينا وعلى الأمة، ومبشراً ونذيراً ، فماذا نتوقع أن يقول الرسول الأعظم وهو ينظر إلى واقعنا الزاخر بالضعف والخوف، والمليء بالذل والشهوات.
ألا نسمعه يقول فيما معناه وهو يعلق على واقعنا الحالي: (كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم كتداعي الأكلة على القصعة) ؟ قالوا: (أمن قلة نحن يومئذ)؟ قال: لا.. بل أنتم كثرة ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن اله من صدور العدو المهابة منكم ، ويقذفنّ الله في قلوبكم الوهن !
ونراهم اليوم أذلاء يتسكعون على أبواب الأمم الأخرى ويطلبون فتات موائد الشرق والغرب فلم يحصلوا على السر؟ سر النصر والتمكين ، إن العالم اليوم لا يزن لنا أي وزن حين يتخذ القرارات المصيرية بشأننا!
لماذا: يا رسول الله.. وهل فينا شيء.. وهل فينا نقص؟ نعم !!!
انه الوهن: هو القوة الخائرة. قوى موجودة ولكنها خائرة معنوياً…(حب الدنيا.. وكراهية الموت).
فالدنيا تأخذ بمجامح القلب، وتصرع الإنسان وتقوده إلى السقوط والإنحطاط.. وتسد أبواب التفكير الإنساني فلا تدعه يفكر في تحرير نفسه أو تحقيق هدفه الإنساني.. وتراه يكره الموت الذي يكون طريقاً إلى الحياة الأبدية. وفي كل بلد من بلاد الدنيا يوجد مساجد ومسلمون.. وهذا على عكس ما بدأ به الإسلام حيث لم يتجاوز أتباعه ذلك اليوم العشرة والعشرين، فماذا يقصد النبي (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ) مع هذه الشعبية المنقطعة النظير للإسلام اليوم؟ فالمقصود غربة مبادئ الإسلام وتعاليمه.. وأحكامه!! وأصبح المعروف منكراً ينهى عنه والمنكر معروفا يؤمر به ..!! لم يبق من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه ..!! و لو كان الإسلام يحكم حياة هذه الأمة لكان وضعها ومصيرها غير هذا الذي تعيشه الآن حتماً.
هل يعيش الإسلام في قلب امرئ يقبل الخضوع لغير الله.. ويرضى بالسكوت على الظلم والديكتاتورية.
وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
الحرية هي: جزء من الرسالة التي بعث بها الأنبياء جميعاً وهي البشارة التي بشرت بها رسالات السماء.. لأنها الجوهرة الثمينة وتعد من أغلى النعم التي منحها الله للإنسان..
وجاء الأنبياء ليعلنوا حرية الإرادة البشرية ويعلنوا.. (قلب الإنسان منطقة حرة)… جاؤ مزودين بوسائل لتأمين حرية الإنسان والدفاع عنها ضد الطغاة والمستكبرين من أقوامهم الذين أرادوا سلب حرية المستضعفين ، واستعباد الفقراء والضعفاء وقهرهم بالقوة.
إنما يبعث الهس الأنبياء لدعوة الناس إلى الحق و ارشادهم إلى الصراط المستقيم ليرفعوا عنهم الإكراه العقلي والتحجر الفكري الذين يفرضهما الطغاة على عقول الناس والسؤال المهم هو:
لماذا حورب الأنبياء وحاربوا.. وخاضوا كفاحاً مريراً ضد الكفر والشرك ، وتحملوا المشاق والآلام، وواجهوا القتل والتشريد والتعذيب والتنكيل من طغاة زمانهم ونماردة عصرهم وفراعنة قومهم؟
لماذا قاوم موسى فرعون؟ وواجه إبراهيم نمرود؟
ولماذا خاض النبي الاكرم محمد (صلّى الله عليه وآله) اكثر من ثمانين حرباً وغزوة مع أعداء الهو وكافح وناضل وضحى ؟ هل لأن هؤلاء الأنبياء أرادوا أن يجبروا هؤلاء على الإيمان والهداية..؟ أم أن أحد أهدافهم أن يرفع الطغاة أيديهم عن رقاب الفقراء و يخلوا سبيل المستضعفين ليقرروا مصيرهم بأنفسهم ويختاروا طريقهم بحرية..
أليس ما حدث كان من أجل تأمين الحرية للمجتمع.. ومن أجل إنارة الطريق للناس.. وتوضيح طريق الخير والهداية.. لمن شاء أن يؤمن ويتبع الحق.
إن أحد أسباب خوض الحرب على الكفار و الطغاة هو أنهم كانوا يستعبدون الفقراء والمساكين، لأنهم كانوا يعتقدون بأن عقيدة التوحيد ونبذ الأصنام تضر بزعامتهم وتضر كبريائهم.
ولأنهم أبوا أن يخضعوا لدين يساوي بين العبد وسيده، ويآخي بين الفقير والغني. لهذا فأول من التف حول النبي ودعوته كانوا هم الفقراء والعبيد والمستضعفون، لأنهم وجدوا في الإسلام ملجأً للخلاص من العبودية والظلم، ووجدوا في رسالة النبي طريقاً للحرية والشعور بالكرامة ، فهذا بلال الحبشي الذي كان صورة مشرقة من صمود المستضعفين في وجه المستكبرين ، وكان يفضل أن يموت تحت التعذيب على أن ينكر باللفظ ديناً نفذ نوره إلى قلبه، أو ينسى إلهه تحت وطأة الألم (أحدٌ أحد) فأصبح رجل هداه الها إلى طريق الحق والحرية و أراد أن يسجل صورة جميلة لتحدي الطغاة والمستكبرين الذين مهما استطاعوا أن يسلبوا الطعام والماء عن الإنسان فهم لا يستطيعون أن يسحقوا فيه حريته.. أو يسلبوا منه قدرته على أن يقول كلمة لا في وجه الطغاة ، فالإسلام يقوم على كلمة واحدة: هي كلمة التوحيد . وكلمة التوحيد قائمة على اعتقادين.
الأول: اعتقاد الرفض: لا إله.. أي لا للخضوع لأصنام البشر والحجر والحديد والورق…
لا للخضوع للمال والشهوة والغرائز والأهواء…لا للخضوع للأهل والعشيرة والزوجة والولد والبيئة والمجتمع بالباطل، أن ترفض الخضـوع للحاكميـات الأرضية، وآلهة البشر، والأنظمة الطاغوتية والديكتاتورية.
والثاني: اعتقاد التسليم.. للقوة المطلقة والكمال المطلق.
إلا الله …. رمز الحرية والحق والفضيلة والكمال المطلق والجمال الدائم.
(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) .
يؤكد الاسلام في أكثر من موضع على حرية الإنسان المطلقة، حرية الفكر والعقيدة..حرية النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي حرية ابداء الرأي والمعارضة في وجه الطغاة والظالمين.
ان تحقيق حرية العقل والفكر ناتجة عن الاقتناع بفكرة ما و أن لا يقبل الإنسان أي عقيدة إلا عن اقتناع ووعي، أو عن دليل ومنطق ..فهو حر في أن يسلك أياً منهما و يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، ولا مسؤولية بدون حرية..
وهكذا شرح الإمام علي (عليه السلام) مهمة الأنبياء في كلماته..(بعث أنبياءه ليذكروهم منسي نعمته ويثيروا لهم دفائن العقول). ويخاطب علي (عليه السلام) الناس بهذه الكلمة، و يذكرهم بهذه النعمة.. نعمة الحرية في قوله: (لا تكن عبد غيرك، وقد خلقك الله حراً)، ماذا يعني هذا؟
ألا يعني أننا بعيدون جداً عن دين الإسلام، و رسالة محمد (صلّى الله عليه وآله) ومنهج علي (عليه السلام) في الحياة.. نحن الذين نرضى بالعبودية للطغاة والشهوات النفسية.. ونخضع في حياتنا لطاغية مستبد أو نظام دكتاتوري.
نحن ـ بعد هذه الحالة ـ هل يصح أن نسمي أنفسنا مسلمين ومن أتباع محمد (صلّى الله عليه وآله) رسول الحرية..

الصفحة(3)

حاجة المجتمع إلى القانون الكامل..
النبوة سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده، لإزاحة علّتهم في أمر معادهم ومعاشهم.
والنبي هو الإنسان المُخْبِر عن الله تعالى بإحدى الطرق المعروفة.
والبحث في النبوة يقع على صورتين:
الأولى: البحث عن مطلق النبوة، من دون تخصيص بنبيٍّ دون نبي.
الثانية: البحث عن نبوة نبي خاص، كنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والأبحاث الّتي طرحها المتكلمون في النبوة العامة تتمحور في أربعة أُمور هي:
1- البحث عن حسن بعث رجال الغيب والوحي لهداية الناس وإرشادهم إلى الغاية المتوخاة من خلقهم، أو لزومه.
2- إذا ثبت حسن البعثة، فما هي الطرق الّتي يُعرْف بها النبي الصادق من المتنبيء الكاذب؟ وهل هي منحصرة بالإِعجاز، أو هناك طرق أخرى؟
3- إذا كان النبي هو الإنسان المتصل بالله سبحانه، فما هو ذاك الطريق الّذي يتصل به عبْرَه، ويتلقى من خلاله تعاليم الخالق سبحانه؟
4- ما هي الصفات المميزة للنبي عن غيره؟
ويرجع البحث في الأول إلى تحليل أدلة مثبتي لزوم البعثة ومنكريه، كما يرجع البحث في الثاني إلى الطرق الّتي تثبت بها نبوة الأنبياء. ويرجع البحث في الثالث إلى الوسيلة الّتي يتلقى بها النبي تعاليمه من الغيب، أعني الوحي والإلهام. ويرجع البحث في الرابع إلى التعرف على صفات الأنبياء، كعصمتهم من الخطأ والزلل وتنزههم عن الصفات المنفِّرة.
وبإشباع البحث في هذه المجالات الأربعة، يكتمل البحث في النبوة العامة، ويقع الكلام بعده في النبوة الخاصة، بإذنه تعالى.
لزوم بعثة الأنبياء
اتفق أهل الملل قاطبة على لزوم بعثة الأنبياء إلى الناس، بمعنى أن حكمة الخالق البالغة تقتضي إرسال الرسل لهداية الناس وإرشادهم إلى سبل السعادة.
وخالفهم في ذلك البراهمة، فقالوا بأن المجتمع الإنساني بفطرته وعقليته، يصل إلى تلك الغاية، من دون حاجة إلى معلم غيبي.
والتعرف على الحق في ذلك يتوقف على تحليل أدلة الطائفتين، ونقدم أولاً أدلة المثبتين، مختارين القليل من الكثير منها1، ثم نتبعها بأدلة النافين فنذكرها ونحلّلها.
حاجة المجتمع إلى القانون الكامل
وبيان هذا الدليل يستدعي رسم أمور :
الأمر الأول: نزعة الإنسان إلى الحياة المدنية :
لا يشك احد من الفلاسفة والباحثين في الحياة الإنسانية، في أن للإنسان ميلاً إلى الاجتماع والتمدن، فهو يفر من حياة الانفراد في الغابات والصحاري وكهوف الجبال، ويتجه إلى التشكّل مع أبناء نوعه في اطار المجتمعات الكبرى، وكلّما تكاملت الحضارة الإنسانية، انحسرت تلك الحياة الفردية وازدادت التشكّلات المدنية والاجتماعية.
وهناك نظريتان في تفسير هذه النزعة الانسانية
الاولى: أن الإنسان “مدني بالطبع” فهو بدافع فطري محض يفر من الحياة الفردية إلى الحياة الاجتماعية.
والثانية: أن الإنسان “مستخدِم بالطبع”، يميل إلى استخدام كلِّ شيء في الطبيعة لصالح غرائزه ومتطلِّبات فطرته، ولا يمكنه تحقيق هذا الدافع إلى الاستخدام إلا بالتشكل في إطار الحياة الإجتماعية. ولولا وفاء التعاون مع أبناء نوعه المستلزم للحياة الاجتماعية بإشباع ميله للاستخدام، لظلّ حليف الغابات والكهوف. وعلى كل تقدير، لا مفر للإنسان عن الحياة الإجتماعية سواء لكونه مدنياً بالطبع أو مستخدماً بالطبع.
الأمر الثاني: الحياة الاجتماعية رهن القانون :
إن حاجة المجتمع إلى القانون ممّا لا يُرتاب فيه، وذلك لأن الإنسان مجبول على حب الذات، وهذا يجرّه إلى تخصيص كل شيء بنفسه من دون أن يراعي لغيره حقاً. ومن المعلوم أن الحياة الاجتماعية بهذا الوصف تنتهي إلى التنافس والتشاجر بين أبناء المجتمع، وتؤدي بالتالي إلى عقم الحياة وتلاشي أركان المجتمع.
فلأجل ذلك لا يقوم للحياة الإجتماعية أساس إلا بوضع قانون دقيق ومحكم ومتكامل، يقوم بتحديد وظائف كل فرد وحقوقه، ويشرِّع الحدود والقيود الّتي يجب تحرك الجميع من خلالها.
الأمر الثالث: شرائط المقَنِّن :
إن وضع قانون ولو للقضايا والمشاكل الجزئية، يعدّ من أصعب الأمور في مقام التحقيق، ولا يقوم به إلا أماثل رجال المجتمع الذين تجتمع فيهم مؤهلات عالية من العلم والخبرة.
ولكي تقف على حقيقة ما ذكرنا نضرب مثالا لبعض القضايا:
إنّ مشكلة أزمة السير من أعسر المشكلات الّتي تعاني منها المجتمعات المدنية الحديثة، ويٌعَدّ حلُّها من الامنيات الكبرى لسكانها والقائمين عليها. فلو قامت مدينة تعاني من هذه الأزمة بتشكيل لجنة مهمتها وضع قانون مطلعة على عدد شوارع المدينة ومقدار سعتها، وكيفية ارتباطها، وعدد الوسائط النقلية الّتي تجوبها، كذالك المراكز الاقتصادية والحيوية في المدينة،، ومراكز الكثافة السكانية، ومراكز المواقف العامة للسيارات، ومقدار سعتها وضيقها، وكذلك الوعي الثقافي لدى الناس الداعي إلى رعاية النظام والتخطيطات، والتعرف ايضاً على خبرات السابقين والمخططات الّتي طّبقت في المدن الاخرى …… إلى غير ذلك من الشروط اللازمة لوضع قانون وخطة وافية بحل الأزمة. والجهل بواحد منها فضلا عن جميعها، موجب للفشل وعدم نجاح القانون.
فإذا كان هذا الموضوع الجزئي بحاجة إلى علم وخبروية بهذا الحد حتى يُجْعَلَ له قانون كافل لحل أزمته، فكيف يجعل القانون للمجتمعات البشرية المنتشرة في أصقاع الأرض، والّتي تتباين من حيث الظروف الجغرافية والعادات والتقاليد، يكون متناوِلاً لجميع جوانب الحياة؟!
لا ريب أن جعل قانون كهذا يحتاج إلى توفّر شروط وشروط، تخرج قطعاً عن طاقة الإنسان مهما ترقّى في درجات العلم.
وإليك ثلاثة من أُمهات تلك الشروط:
الشرط الأول: أن يكون المقنّن عارفاً بالإنسان :
إنّ أول وأهم خطوة في وضع القانون، معرفة المقنِّن بالمورد الّذي يضع له القانون، كما أشرنا إليه في المثال المتقدم، وعلى ضوء هذا لا بد أن يكون المقنّن عارفا بالإنسان: جسمِهِ وروحِهِ، غرائزه وفطرياته، وما يصلح لهذه الأمور أو يضُر بها، وكلما تكاملت هذه المعرفة بالانسان، كلما كان القانون ناجحاً وناجعاً في علاج مشاكله وإبلاغه إلى السعادة المتوخاة من خلقه ووجوده في هذا الكون.
ومَثَلُ المقنِّن فـي هـذا المقـام، مَثَـلُ الطبيب، كلما كانـت معلوماتهُ

حول المريض جسمِهِ وروحِهِ وظروفِهِ المحيطة به، كاملةً، كما كانت الوصفة مفيدةً وناجعة في قَلْعَ المرض.
وهناك وجهة أُخرى لاقتضاء طبيعة التقنين، المعرفة الكاملة بالانسان، وهي أن الإنسان خُلِقَ مع غرائز جامحة لا تعرف لإرضائها قاعدة ولا حدّاً. ومن المعلوم أن تعطيل هذه الغرائز بالكلية ينتهي إلى الفناء، كما أن اطلاق عنانها يؤدي نفس النتيجة. فالطريق الأوسط، كبح جماحها على حد يتم لصالح الإنسان الفرد أولاً، وصالح المجتمع ككلّ ثانيا.
ومن هذا يتبين أن من يريد أن يقنِّن لصالح المجتمع، يجب أن يكون عارفاً بالإِنسان عرفاناً كاملاً، واقفا على زوايا روحه وأعماق ضميره وخصوصيات بدنه وطاقاته، وما يرجع إليه بالصلاح أو الفساد.
الشرط الثاني: أن لا يكون المقنِّن منتفعاً بالقانون :
وهذا الشرط بديهي، فإن المقنن إذا كان منتفعاً من القانون الّذي يضعه، سواء كان النفع عائداً إليه أو إلى من يمت إليه بصلة خاصة، فإنّ هذا القانون سيتم لصالح المقنِّن لا لصالح المجتمع، ومثل هذا القانون ناكب عن الحق، متردّ في مهاوي التفرقة والتمييز، ونتيجته الحتمية الظلم والإجحاف.
فالقانون الكامل لا يتحقق إلا إذا كان واضعُهُ مجرّداً عن حب الذات وهوى الإنتفاع الشخصي.
الشرط الثالث: إصلاح الباطن وضوابط كفيلة بحلّها :
فلا بد أن تتوفر لـدى أعضاء هـذه اللجنة، المعرفة والخبـرة اللازمين لتحقيق هذه الغاية، فلا بد أن تكون للعقيدة دورها وأثرها في اختيار الفعل وانتخابه وكلُّ ما يصدر من الإنسان من فعل أو ترك فهو وليد عقيدته وتفكيره فالمؤمن بالله وشرائعه يسعى للإتيان بأعمال يرضي بها ربَّه، كما أنّ الملحد والكافر به وبشرائعه يسعى إلى الأعمال الّتي فيها رضى غرائزه ومتطلبات نفسه.
والقانون مهما بلغ في درجات التكامل، لا يكون ناجحاً ومفيداً إلا إذا كان في جوهره وصميم ذاته، ضمانات لاجرائه وتجسيده في الحياة.
وبضم هاتين المقدمتين إلى بعضهما يتضح أن الضمان الكامل لإجراء القانون لا يتحقق إلا بتوجه المقنن إلى إصلاح الباطن مع إصلاح الظاهر، ولا يكون نظره محصوراً بوضع الضوابط الماديَّة الجافّة.
فالقانون الكامل يبتني على إيجاد عقيدة وإيمان بالغيب، وبقوة قاهرة كبرى، تراقب الإنسان في ليله ونهاره وفي حياته الشخصية وعلاقاته الإجتماعية، بالإضافة إلى ايجاد التنظيمات المادية لمراقبة أعمال الفرد الظاهرية.
واجتماع هذين الأمرين يصنع من الفرد إنساناً إجتماعياً يعيش في ظل القانون مراعياً له ولا ينقضه إلا شاذ ونادر.
ولو كان المقِّنن ناظراً إلى الجهات الظاهرية فقط ومكتفياً في ضمانات الإِجراء بالتنظيمات الرائجة، لكان خاسراً في تقنينه، ولن يَرى له تجسّداً إلا في وضح النهار وأمام أعين القوى البشرية المُجْرِية.
هذه أبرز الجهات الوافية بكمال القانون فهلمّ نرى أين تتحقق هذه الشرائط، وعند مَنْ؟.
أما الشرط الأول، فإنا لن نجد في صفحة الوجود موجوداً أعرف بالإنسان من خالقه، فإن صانع المصنوع أعرف به من غيره. يقول سبحانه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ﴾.
واما الشرط الثاني، فلن نجد أيضا موجوداً مجرداً عن أي فقر وحاجة وانتفاع سواه سبحانه، ووجه ذلك أن الإنسان مجبول على حب الذات، فهو مهما جردّ نفسه من تبعات غرائزه، لن يستطيع التخلص من هذه النزعة، وإلا لزم أن ينسى نفسه، ويَخْرُجَ بالتالي من عداد البشر.
وأما الشرط الثالث، أي تشريع القانون على صرح الإيمان والإعتقاد بصحة التشريع، فلن نجده أيضاً في غيره سبحانه، لأنه يدعو إلى ربوبية نفسه وعبوديّة غيره، ويبين للناس أن صلاحهم في إطاعته وشقاءهم في مخالفته وبهذا يسري قانونُه وتشريعُه في الحياة والمجتمعات البشرية سريان الماء في الشجر والنبات، ويكون مضمون الإجراء والتطبيق.
أضف إلى ما ذكرنا، ان التبدل الدائم في القوانين، والنقض المستمر الّذي يورد عليها، بحيث تحتاج في كل يوم إلى استثناء بعض التشريعات وزيادة أخرى، إضافة إلى تناقض القوانين المطروحة في العالم من قبل البشر، كل ذلك دالّ على قصورها عنه الوفاء بحاجة المجتمعات إليها، وما ذلك إلا لقصورهم عن معرفة الإنسان حقيقة المعرفة، سائر الشروط في واضعيها.
فتلخص من هذا الدليل أُمور :
الأول: أَنَّ الأنسان يميل إلى الحياة المدنية، إما لكونه “مدنياً بالطبع” أو لكونه “مستخدماً بالطبع”.
الثاني: أَنَّ الحياة الإجتماعية لا تستقر إلا بتعرف أعضاء المجتمع على وظائفهم وحقوقهم، وهذا لا يتسنى الا بالتقنين.
الثالث: أَنَّ مهمة التقنين الشاقة لا يقوم بها إلا من اجتمعت فيه عدّة شروط أهمها: معرفته الكاملة بالإنسان، وعدم انتفاعه من القانون الّذي يجعله، وأن يبني قانونه على صَرْح الإِيمان.
الرابع: أنّ تلك الشروط لا توجد على وجه الكمال إلاّ في الله سبحانه خالق البشر.
فإذا كان استقرار الحياة الاجتماعية للبشر متوقفاً على التقنين الإلهي، فالواجب في حكمته تعالى إبلاغ تلك القوانين إليهم عبر واحد منهم يرسله إليهم، ليوقفهم على ما في سعادتهم. والحامل لرسالة الله سبحانه هو النبي المنبئ عنه والرسول المبلغ إلى الناس، ويَثْبُتُ بذلك أنّ بعث الانبياء واجب في حكمته تعالى حفظاً للنظام المتوقف على التقنين الكامل.
إشارة إلى هذا الدليل في الذكر الحكيم
إنّ في الكتاب الحكيم ما يشير إلى هذا الدليل، وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
فجعل القيام بالقسط الّذي هو عبارةٌ أخرى عن ضبط المجتمعات بالنظم والقوانين ليحصل التآزر والتآلف المطلوبين لتأمين الأرضية الصالحة لسلوك الإنسان إلى معين السعادة، جعله علةً وغايةً لإرسال الرسل، فالقسط لا يتحقق إلا بالتسنين الصحيح والتقنين الكامل الّذي لا يقوم به إلا خالق الإنسان وبارئه.

الصفحة (4)

حاجتنا الى القادة الالهيين..
Untitled-1
قصور علمنا …
قد يتساءل البعض: هل من الضروري أنَّ يبعث الله الانبياء لهداية الانسان؟ ألا يكفي عقلنا وحكمتنا لإدراك الحقائق؟
ألا يساهم تقدم العلوم عند البشر في كشف الأسرار الغامضة وتوضيح الحقائق جميعها؟
ثمّ أنَّ ما يأتي به الأنبياء لا يخرج عن حالتين اثنتين: فإمّا أنْ يدركه عقلنا، وإمّا أنّه لا يدركه.
ففي الحالة الاولى، لاحاجة لتجشم الانبياء هذا العناء، وفي الحالة الثانية، لا يمكننا أنْ نتقبل اُموراً هي خلاف ما يراه عقلنا.
ومن جهة اُخرى، هل يصح أنْ يضع الانسان نفسه تحت تصرف شخص آخر كلياً ويطيع أوامره دون أي اعتراض؟
أوليس الانبياء بشراً مثلنا؟ فكيف نضع انفسنا تحت تصرف إنسان لا يختلف عنّا بشيٌ؟
للإجابة عن هذه الأسئلة لابدّ من الأخذ بنظر الاعتبار النّقاط التّالية التي سوف تبيّن أهمية وجود الانبياء البشرية:
1- علينا أنْ ندرك أنَّ علمنا قاصر ومحدود، فعلى الرّغم من كل هذا التقدم العلمي الذي حققه الانسان في مختلف ميادين العلوم، فإنَّ ما نعلمه بالنسبة لما لا نعلمة لايكاد يبلغ مقدار قطرة الماء بازاء البحر، أوبازاء الجبال، أو كما قال أحد كبار العلماء: إنَّ كل ما نعلمه اليوم لا يزيد على الالف باء في كتاب عالم الوجود العظيم.
وبعبارة اُخرى، إنَّ المساحة التي يحكمها عقلنا وادراكنا مساحة صغيرة تضيئوها أشعة العلم، أمّا ما هو الواقع وراء ذلك فلا علم لنا به إطلاقاً. فيأتي الأنبياء ليلقوا لنا الضوء على مناطق أوسع بالقدر الذى نحتاجه، صحيح أنَّ عقلنا أشبه بكاشف قوي النور، ولكن الأنبياء بما يأتون به من الوحي الإلهي يكونون أشبه بالشّمس التي تسطع على الكائنات، أفهناك من يقول: للشمس مادمنا نملك هذا الكاشف القوي، فما حاجتنا بالشمس؟
وبتعبير أوضح نقول: إنَّ اُمور الحياة يمكن تقسيمها الى ثلاثة أقسام:
“المعقول” و”غير المعقول” و”المجهول”.
والأنبياء لا يمكن انْ يقولوا شيئاً “غير معقول” وخلافاً لما يقول به العقل وتحكم به الحكمة، ثم إنَّ الانبياء يعينوننا على إدراك المجهولات، وهوأمر مهم لنا.
وعليه، فمن يقول: إنَّنا بوجود العقل والحكمة لا نحتاج الى الانبياء مثل الطائفة البرهمية في الهند وفي أماكن اُخرى، أومن يقول: مع العلم وانجازاته وانتصاراته العلمية، لم تعد حاجة الى الأنبياء وتعليماتهم. كلاهما لم يعرفا حدود العلم عند البشر، ولا رسالة الانبياء الإلهية.
فهم أشبه بالصّبي الذي درس الحروف الهجائية في المدرسة ثم قال إنَّه أصبح عالماً بكل شيء ولم يعد بحاجة الى المعلم والأستاذ.
ثم إنَّ الأنبياء ليسوا مجرد معلمين، فإنَّ مركزهم كقادة له حساب خاص .
2- لم يقل أحد إنَّ على المرء أنْ يضع نفسه كلياً تحت تصرف شخص آخر مثله، أمّا الأنبياء الذين ينطقون عن الوحي الإلهي، فعلينا أنْ نتأكد من ارتباطهم بعلم الله اللامتناهي عن طريق الادلة الدامغة. ففي هذه الحالة وحدها يمكن أنْ نتقبل أقوال هؤلاء القادة الرّبانيين بمجامع قلوبنا، فلو أنَّ أحداً عمل وفقاً لإرشاد طبيب ماهر، فهل يكون عمله هذا مرفوضاً؟
• إنَّ الأنبياء عليهم السلام أطباء روحانيون عظام!
فاذا استوعبت درس معلم ينسجم مع عقلي وفكري، فهل أكون قد أخطأت؟
• إنَّ الانبياء عليهم السلام معلمون كبار! ويحسن بنا أنْ نبحث أدلة ضرورة إرسال الأنبياء من قبل الله عزّ وجلّ.
إنَّ هناك ثلاثة أدلة حيّة تؤكد حاجتنا الى هداية الأنبياء:
1 – الحاجة الى التعلم :
لوأنَّنا امتطينا سفينة وهميّة مصنوعة من أمواج النور، تنطلق بسرعة ثلاثمائة الف كيلومتر في الثّانية في هذا الفضاء اللامتناهي، فإنَّنا سوف نحتاج الى الآلاف من مثل عمر نوح حتى نستطيع أن نستكشف زاوية من هذا الكون الواسع المترامي الاطراف.
إنَّ هذا الكون باتساعه لم يخلق عبثاً حتماً.
أنَّ خلق هذا العالم لا ينفع الله بشيء، لانَّه كامل، وغير محتاج، ولانهاية له، فليس به نقص لكي يسعى لسدّه عن طريق خلق العالم والبشر.
نستنتج من هذا أنَّ هدفه هوأن يفيض على البشر من جوده ورحمته، ليوصل الكائنات الاخرى الى التكامل، كالشمس التي تشرق بنورها على أهل الارض بغير أنْ تكون محتاجة إليهم، بل نحن الذين نحتاج الى ضوئها، وإلاّ فما ذا نستطيع فعله لصالح الشمس؟
ثمّ، من جهة اُخرى، هل تكفي معلوماتنا وحدها للسير بنا في طريق التكامل وإيصالنا الى مرحلة الإنسان الكامل من جميع الوجوه؟
تُرى كم نعرف من أسرار العالم؟ ما هي حقيقة الحياة؟ متى وجد هذا العالم؟ إنَّ أحداً لا يعرف الجواب القاطع عن هذه الأسئلة.
حتى متى سنبقى؟ لا أحد يعرف الجواب كذلك.
ومن حيث الحياة الاجتماعية والاقتصادية كل عالم من علماء البشر له رأى أو نظرية، فبعض يوصون بالرأسمالية، وفريق آخر يرتأون الاشتراكية والشيوعية، وآخرون يرفضون هذا وذاك.
وفي مسائل الحياة الاخرى تجد مثل هذا الاختلاف قائماً وبكثرة، ويصاب الانسان بالحيرة، ترى أيّها يختار؟
هنا لابدّ لنا من الاعتراف بأنَّنا ولكي نصل الى هدف الخلق الأصيل وهو”نمو الانسان وتكامله وتربيته على جميع المستويات” نحتاج الى مجموعة من التّعليمات الصّحيحة والسّليمة والخالية من كل خطأ، والمستندة الى حقائق الحياة الواقعية، تمكّن الانسان من السير في الطريق الطويل الموصل الى هدف الخلق الاصيل.
وهذا لا يكون إلاّ عن طريق العلم الإلهي، أي الوحي السماوي الذي ينزل على الانبياء.
ولهذا فإنَّ الله الذي خلقنا لكي نسير في هذا الطريق لابدّ له أنْ يتيح لنا مثل هذا العلم وهذه المعرفة.
2- الحاجة الى القائد اجتماعياً واخلاقياً :
إنَّ فينا كما نعلم إضافة الى العقل، غرائز وميول قوية، مثل غرائز حبّ الذّات، والغضب، والجنس، وغرائز اُخرى كثيرة.
إنَّنا إذا لم نكبح جماح غرائزنا وتركناها تسيطر علينا، فإنَّ عقلنا سيكون مقيداً محجوراً عليه ويكون الانسان كجبابرة التّاريخ وطغاته وأشد خطراً من ذئاب الصحاري المفترسة.
لذا فنحن بحاجة الى التربية الاخلاقية على يد مرّب، والى “الأسوة” الذي نحاكيه في الاقوال والافعال ونحذو حذوه.
إنَّ أسوة كهذا يجب أن يكون ذا تربية كاملة من جميع الجهات بحيث يستطيع أنْ يأخذ بيدنا في هذا الطريق الكثير المنعطفات وينقذنا من طغيان غرائزنا، ويزرع في نفوسنا اُصول الفضائل والاخلاق بأعماله وأقواله، ويربّينا على الشجاعة وحبّ البشر، والمروءة، والتضيحة، والوفاء، والصدق، والامانة، وطهارة الرّوح.
فمن هوالحقيق بأنْ يكون قدوة واُسوة غير نبي معصوم؟ ولهذا فإنَّ الله القادر الرحيم لايمكن أنْ يحرمنا من أمثال هؤلاء الانبياء المربين الهداة .

الربيع المحمدي..

كتبت خواطري في الليل سرا
لعلي أنقش الأفراح صخرا
وددت بأنني لو كنت طيراً
فيأوي قبةً للخلِ خضرا
وُلِدتَ فلاح نُوركَ في البرايا
وذكرك فاح في الأكوان عطرا
فأنت هدية الرحمن غيثاً
وصرت لقاحل الأكباد نهرا
فباسمك صار للدنيا جمالاً
وحتى صارت الصحراء زهرا
أيا طه فقلبي ذاب شوقاً
وروحي أصبحتْ ورقاً وحبرا
لأكتب فيك أجمل ما تغنى
وأشدوا فيك ياشمساً وبدرا
فهذا البدر قد زاد إكتمالاً
بنورٍ أحمديٍ صار بُشرى
وصفتكمُ ببعضٍ من شعوري
فوصفك زادني عزاً وفخرا
ولو جاوزتُ قدري فيك مدحاً
فصفحاً منك يا طه وعذرا
وقد زادت سعادتنا إكتمالاً
بمولد جعفرٍ ياربِّ شكرا
ربيعٌ .. أحمديٌ .. جعفريٌ
تلألأ في بقاع الأرض فجرا
حروفي داعبت قلمي سروراً
لأجل مديحكم شعراً ونثرا
فصلى الله ياطه عليكم
وحيدر والبنين وثم زهرا

ذكرى الراشدي
ميلاد الرسول الأعظم (ص)
1435 هـ