1

الغدير أعظم مناسبة

تصدر عن تنظيم مستقبل العدالة
العدد الرابع
ذو الحجة 1434هجري – 2013 ميلادي

الصفحة (1)

الغدير أعظم مناسبة للوحدة بين المسلمين‏..

عيد الغدير 2

إنّ قضية (الغدير) ليست قضية تاريخية بحتة، بل إنها ملمح من ملامح الجامعية الإسـلامية، وإذا ما افترضنا أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك للأمة منهاجاً لبناء مستقبلها بعد عشر سنوات أمضاها في تحويل ذلك المجتمع البدائي الملوث بالعصبيات والخرافات إلى مجتمع إسلامي راقٍ، بفضل سعيه الدؤوب، وما بذله أصحابه الأوفياء من جهود، لظلّت كل تلك الإنجازات مبتورة وبلا جدوى.
– خارطة الطريق :
لقد كانت تراكمات العصبية الجاهلية على قدر عظيم من العمق، بحيث إنها كانت بحاجة إلى سنوات طويلة للتغلّب عليها والتخلّص منها.
لقد كان كل شي‏ء على ما يرام ،، وكان إيمان الناس حسنا – حتى ولو لم يكونوا على مستوى واحد من العقيدة، فبعضهم كان قد اعتنق الإسلام قبل وفاة الرسول الأكرم بعام واحد أو ستة أشهر أو عامين، وذلك بفضل هيمنة البُنية العسكرية التي أسّسها النبي (صلى الله عليه وآله) مع ما رافقها من حلاوة الإسلام وجاذبيته. إنهم لم يكونوا جميعاً من طراز المسلمين الأوائل، ولهذا فقد كان من الضروري اتخاذ ما يلزم من التدابير، بغية إزالة تلك التراكمات الجاهلية من أعماق المجتمع الجديد، والحفاظ على خط الهداية الإسلامية سليماً وممتداً بعد رحيل الرسول الأكرم ، بحيث إنّ جهوده الجبارة خلال تلك السنوات العشر ستبقى بلا ثمار إذا لم يتمّ اتخاذ تلك التدابير.
وهذا ما صرّحت به الآية المباركة من سورة المائدة، وهي قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) فهذه إشارة إلى أنّ هذه النعمة هي نعمة الإسلام ونعمة الهداية ونعمة إرشاد العالمين جميعاً إلى الصراط المستقيم. وهذا ما لا يمكن أن يتم بلا خارطة للطريق بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهذا أمر طبيعي.
– حقيقة الغدير :
هذا هو عين ما فعله النبي (صلى الله عليه وآله) في الغدير، حيث نصَّب للولاية خليفة ممتازاً لا نظير له وهو أمير المؤمنين (عليه السلام)، لِمْا كان يتمتع به من شخصية إيمانية فريدة، وأخلاق سامية حميدة، وروح ثورية وعسكرية متميّزة، وسلوك راقٍ مع جميع الناس، وقد بايعه المسلمون على الولاية بأمر من نبيّهم (ص)، ولم يكن هذا من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل كان هداية ربّانية، وأمراً إلهياً، وتنصيباً من الله تعالى، كما هو شأن أقوال وأفعال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كافة التي كانت وحياً إلهياً، وهو الذي لا ينطق عن الهوى.
لقد كان هذا أمراً إلهياً صريحاً للرسول (صلى الله عليه وآله) فقام بتنفيذه وإطاعته.
وهذه هي قضية الغدير، أي بيان جامعية الإسلام وشموليته،
والتطلّع إلى المستقبل، وذلك الأمر الذي لا تتمّ هداية الأمة الإسلامية وزعامتها إلّا به.
فما هو ذلك الأمر؟ إنها تلك الأشياء التي تجسّدها شخصية أمير المؤمنين، أي التقوى والتديّن والرسوخ في الإيمان، وعدم التوكل إلّا على الله، وعدم السير إلّا في سبيله، والجِد والاجتهاد في طريق الحق، والاتّصاف بالعلم، والتميّز بالعقل والتدبير، والتمتع بقدرة العزم والإرادة، إنه عمل واقعي ونموذجي في نفس الوقت.
لقد نُصّب أمير المؤمنين (عليه السلام) لاتصافه
بتلك الخصوصيات، التـي باتــت لازمة فــي كـل في كل زعيم للأمة الإسلامية أيّاً كان مدى الدهر، أي أنّ هذا هو النموذج الأمثل للقائد الإسلامي إلى الأبد وهو ما تجسّد في الإصطفاء الإلهي لأمير المؤمنين (عليه السلام)، والغدير هو هذه الحقيقة.
– بين القبول والرفض :
إننا نحن أتباع أهل البيت (عليهم السلام) نشكر الله تعالى آلاف المرّات على أن فتح عيوننا على هذه الحقيقة وجعلها راسخة في قلوبنا، وخصّنا بالميلاد والعيش في مجتمعات تعمّقت فيها تلك الحقيقة المطلقة، وهذه من النِعَم الكبرى.
إنّ من الضروري لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) وللمسلمين كافة فضلًا عن ذلك ألّا نتخذ من حادثة الغدير أداة لإضعاف الإسلام، وهي التي تدلّ على عظمة الإسلام وجامعيته.
إنّ من واجبي شخصياً أن أُلفت انتباه جميع المسلمين في أصقاع العالم كافة إلى أنّ الأعداء يفتّشون اليوم عن مثل هذه القضايا، والتي تمثّل منشأ عظمة الإسلام بغية استغلالها لضرب الإسلام، أي مسألة الشيعة والسنة، والقبول بالغدير أو إنكاره.
إنّ الأعداء يأملون في أن تكون قضية الغدير سبباً في تناحر الأشقّاء وإشعال فتيل الحرب والخصومة فيما بينهم، في حين أنّ الغدير يمكن أن يكون وسيلة للتآلف والتآخي بين المسلمين.
لقد كتب المرحوم الشهيد المطهري (رضوان الله عليه) مقالًا مطوّلًا ومعمّقاً قبل قيام الثورة حول كتاب (الغدير) للعلّامة الأميني، وأثبت أنّ هذا الكتاب وسيلة لوحدة المسلمين.
وبمقدور الأخوة من أهل السنة أن يراجعوا مصادر الغدير بعقلية حيادية وبلا أحكام مسبقة، وحينئذ لهم حق القبول أو الرفض.
وفي كلتي الحالتين، القبول أو الرفض، فمن المسلّم به أنّ قضية الغدير لن تؤدي إلى احتراب أو خصومة أو خلاف على الإطلاق بين من يقبلون ومن يرفضون.
بالنسبة للشيعة، عليهم أن يحمدوا الله تعالى علـى أن مــــنّ عليهـــم بنعــمــة معـــرفــة الحقيقــة والاعتــــقــــاد بأصـــــل الغـــــديــــر. وأما الأخوة الذين لم يقبلوا بهذه الحقيقة، أو لم يراجعوا مصادرها، أو لم يطّلعوا عليها، أو لم يستطيعوا إقناع أنفسهم بها، (فلا بأس من عدم اعتقادهم) وهذا ليس من شأنه أن يسبّب الفرقة والاختلاف.
– الصحوة رصيد المسلمين‏ :
إنّ الاستكبار يبذل جهوداً حثيثة اليوم، ويعمل بكل جد وإصرار من أجل إيجاد الفرقة في العالم الإسلامي.
لقد ذهب مذاهب شتّى فلم يحصد سوى الفشل الذريع، ولذلك فإنهم يبحثون عن أساليب أخرى ويفتّشون عن أدوات جديدة، ولم يعد أمامهم سوى بضع طرق لمحاولة القضاء على الصحوة الإسلامية وفي مقدمة هذه الطرق إثارة النعرة المذهبية بين الشيعة والسنة.
أي إنّ أيادي السياسة لا تتوقف عن العمل والحركة،
ومن واجبنا جميعاً أن نعمل على إحباط هذه المؤامرة الاستكبارية، إنّ علينا – جميعاً – أن نكون على حذر، سواء منّا أبناء الشعب أو النخبة أو المبلّغون أو علماء الدين المناضلون، ولا بدّ من تجنّب أي حركة من شأنها خدمة هذه المؤامرة العدائية.
إنّ على المجتمع الشيعي أن يواصل طريقه برسوخ وثبات، ونحن لن نتخلّى أبداً عن القول (الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية أمير المؤمنين) فنحن ملتزمون بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام بكل قوة وحزم وهي نعمة إلهية كبرى ولكننا في نفس الوقت لا نضمر العداء لمن لم يتمسّك بهذا الحبل المتين.
وهذا أيضاً هو واجب المجتمع السنّي، فعلى الأخوة من أهل السنة أن يعلموا بأن الأعداء يخططون ويتآمرون من أجل إيجاد الفرقة والاختلاف والعصبية والتناحر والإقتتال بين الأشقّاء، وهم لا يقنعون بأقل من ذلك، ولا يرضون سواه،،،إنّ الصحوة الإسلامية والانطلاق نحو تحقيق القيم الإسلامية الرفيعة يتحلّيان اليوم بروح جديدة.
إنّ المسلمين – في أرجاء المعمورة كافة، ولاسيّما الشباب والمتعلّمين والجامعيين والمثقفين – قد زاد ميلهم للإسلام وتطبيق الشريعة والمبادئ الإسلامية، ولا توجد أدنى مقارنة بين وضع المسلمين اليوم ووضعهم قبل ثلاثين أو أربعين عاماً.
لقد اندلعت شرارة الصحوة الإسلامية، ولأنهم يخشونها فإنهم يخططون للقضاء عليها. فلا تدعوهم يحققوا هدفهم بوأد هذه الصحوة الإسلامية وهذه النهضة الشاملة في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
وعندما يشتدّ الجدل بين الطائفتين ويتّسم بالحدّة والتعصب، فلن يبقى مكان للمنطق، ولن يجد الكلام المنطقي طريقه لآذان صاغية.
فلا تدعوا الأوضاع تنزلق إلى حافّة الهاوية، وعلى المثقفين والعلماء بوجه خاص أن يقدّموا الموعظة والنصيحة مؤكدين على أنّ هدفنا هو الوحدة والاتحاد.
وكذلك هم السياسيون، فعلى قادة ورؤساء البلدان الإسلامية أن يعلموا أنّ قوّتهم من قوة الإسلام وعزّته.

ولو اتبع
الحق أهواءهم

صرح النبي الأكرم صلى الله عليه وآله للأمة كلها أنها ستضل الطريق وتتمزق وتتناحر بل حذرها قائلاً : (لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، لذلك وصف لهم الدواء الناجع والعلاج النافع بعد أن كشف لهم القرآن تجارب الأمم السابقة وعرض لهم ما حدث من اتباع للأهواء وتكبرعلى إرادة السماء.
إن هذا النبي الذي قال الله تعالى في حقه (عزيز عليه ما عنتم) فهو يتألم لمشقتكم وحريصٌ عليكم من التشرذم والتمزق إذ لم يكتفِ بما ورد في القرآن من آيات بينات واضحات تنادي بالاعتصام وعدم التنازع واتباع الأهواء حيث يقول الله تعالى : (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) وحبل الله هو القرآن والنبي صلى الله عليه وآله فلا غنى للناس بالقرآن دون وجود النبي صلى الله عليه وآله لذلك قبل أن يغادر النبي صلى الله عليه وآله هذه الدنيا كان يعلم أن الأهواء ستسيطر على الناس وهذا أمرٌ حذر منه القرآن قال تعالى : (ياأيها الذين أمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)، أي لا تحكموا خلاف قول الله ورسوله بل أقسم الله أن لا إيمان لهم إلا بتحكيم رسول الله في كل صغيرةٍ وكبيرة {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}، وحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وقضاؤه في أكبر شجار دار بين الأمة وهو الاتباع والتسليم لمن يقود الأمة وهذا الحكم والقضاء ورد في أحاديث كثيرة نكتفي بقوله ص (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي…).
هذه تركة رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا حكم رسول الله وهذا قضاؤه، فلماذا لا يكلف المسلمون أنفسهم قليلاً من المشقة للبحث عن أهل البيت ، رغم وضوح الأحاديث والآيات في تعيينهم فيتمسكون بهم ويسلمون لحكم رسول الله وقضائه؟ لذلك عندما أخطأوا الفهم وظنوا أن التمسك بالقرآن بمفرده ينجي من الضلال هنالك اصطدموا بواقع مرير يترجمه الظلم والتخلف والفقر والتيه والتخبط والتشرذم والتناحر الذي يتفشى اليوم بين المسلمين عموماً وهم في الحقيقة اصطدموا أمام القانون الإلهي والسنة الكونية التي لا تبديل لها.
ومعنى ذلك أن القانون الألهي يقضي بأنه لا صلاح للناس إلا بالدستور ومُطَبِّقه وراعيه وحاميه وشاهده وأهله، بمعنى أوضح أن القرآن الحجة الصامتة والنبي صلى الله عليه وآله ومن بعده الإمام الحجة الناطق، وبهذا ينصلح حال الناس وإلا فالفساد هو المتوقع:- (لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)

الصفحة (2)

واقعة الغدير الحدث الخالد

1321274162_

«إن من طبيعة الزمن في حركته نحو المستقبل، وابتعاده عن قضايا الماضي، هو أن يؤثر في التقليل من أهميَّة الأحداث الكبيرة، التي يمرّ بها، وتمرّ به، ويساهم في أفولها شيئاً فشيئاً، حتى تصبح على حدّ الشبح البعيد البعيد، ثم قد ينتهي بها الأمر إلى أن تختفي عن مسرح الذكر والذاكرة، حتى كأنَ شيئاً لم يكن.
حتى لو احتفظت بعض معالمها لسبب أو لآخر بشي‏ء من الوضوح، ونالت قسطاً من الاهتمام، فلا يرجع ذلك إلى أنَ لها دوراً يذكر في حياة الإنسان وفي حركته، وإنّما لأنها أصبحت تاريخاً مجيداً يبعث على الزّهو والخيلاء لدى بعض الناس، الذين يرون في ذلك شيئاً يشبه القيمة، أو يعطيهم بعضاً من الاعتبار والمجد بنظرهم.
ولكنّ قضية الغدير، رغم مرور الدهور والأحقاب، وبعد ألف وأربع مائة سنة زاخرة بالتقلّبات العجيبة، وبالقضايا الغريبة، ومشحونة بالحروب والكوارث، وبالعجيب من القضايا والحوادث.
ورغم المحاولات الجادَّة، والمتتابعة للتعتيم عليها، وإرهاقها بالتعليلات والتعللات غير المعقولة، باردة كانت أو ساخنة، بهدف حرفها عن خطّها القويم، وعن الاتّجاه الصحيح والسليم.
وكذلك رغم ما عاناه ويعانيه المهتمون بها من اضطهاد وغربة، وتشريد ومحنة، وما يصبّ على رؤوسهم من بلايا ومصائب، وكوارث ونوائب.
نعم … رغم ذلك كلّه وسواه، فإنَ هذه الحادثة بما تمثّله من قضية كبرى للإيمان وللإنسان، قد بقيت ولسوف تبقى القضية الأكثر حساسيَّة وأهميَّة، لأنها الأكثر صلة بالإيمان وبالإنسان، ولأنّها الأعمق تأثيراً في حياة هذا الكائن، وفي بُنية شخصيّته من الداخل، وعلى علاقاته بكلّ من وما يحيط به، أو يمتّ إليه بأدنى صلة أو رابطة من الخارج.
وهي كذلك القضية الأكثر مساساً وارتباطاً بمستقبل هذا الإنسان، وبمصيره، إنْ في الدنيا، وإنْ في الآخرة.
وهذا بالذات هو السرّ في احتفاظ هذه القضية بكل حيويّتها، وحساسيّتها بالنسبة إلى الإنسان، على مرّ الدهور، وتعاقب العصور، ولسوف تبقى كذلك كما سيتّضح فيما يأتي.

– مفتاح الحل‏ :
سواء أكان الحقّ في ذلك لعلي (ع)، وقد اغتُصِبت منه، وأُقصي عن منصب هو له، أم لم يكن الأمر كذلك، فإنّ هذه القضية قد تجاوزتها الأحداث، وأصبحت تاريخاً يحكيه البعض، وينساه آخرون، كأيّ حدث تاريخيّ آخر.
لا .. ليس ثمة مجال لهذا القول؛ فإنَ قضية الغدير، لا تزال ولسوف تبقى هي القضية الأساس والرئيسة بالنسبة للمسلمين جميعاً، بل وحتى بالنسبة لغيرهم أيضاً.
وهي المفتاح للباب الذي لا بد من الدخول منه لحلّ مشاكل الإنسان المستعصية الكبرى، وبعث وبناء الإسلام وقوته وحيويته.
وبدون ذلك، فإنَ على الجميع أن يستعدّوا للمزيد من المصائب، وأن يقبلوا شاؤوا أم أبوا باستمرار حالة الضعف والتقهقر، بل وانهيار بناء الإسلام الشامخ.
– خلافة أم إمامة؟
وذلك لأنّ القضية لا تقتصر على أن تكون مجرّد قضية خلافة وحكم، أي‏ قضيّة: أن يحكم هذا، أو يحكم ذاك، لسنوات معدودة، وينتهي الأمر وربَّما يقال إنَ الذين تصدّوا للحكم، واستأثروا به لأنفسهم قد قصدوا ذلك، ولكنّنا نجد شواهد كثيرة قد لا تساعد على هذا الفهم الساذج للأمور.
لا .. لا يقتصر الأمر على ذلك، وإنَّما هو يتجاوزه لما هو أهمّ وأخطر، حيث قد كان ثمة جهد يبذل من أجل تكريس مفهوم الإمامة والخلافة الإلهية في كلّ شخصية تصدَّت للحكم. وذلك في نطاق تقديم العديد من الضوابط والمعايير، المستندة إلى مبرّرات ذات طابع عقائدي في ظاهره يتمّ على أساسها اضطهاد الفكر والاعتقاد المخالف.
ورغم أنَ غير الشيعة من أرباب الفرق والمذاهب الإسلامية يعتقدون بالخلفاء أكثر ممَّا يعتقده الشيعة في أئمّتهم ويمارسون ذلك عملًا، ولكنّهم ينكرون ذلك، ولا يعترفون به، كما أنَّهم ينكرون على الشيعة اعتقادهم في أئمّتهم ما هو أخفّ من ذلك وأيسر.
– دور الإمامة في بناء الإنسان والحياة :
وليس من الغريب القول بأن قضية الإمامة والموقف منها هو الذي يحدّد مسار الإنسان واتّجاهه في هذه الحياة وعلى أساس هذا التحديد، والمعرفة والاعتراف يتحدّد مصيره، ويرسم مستقبله، وبذلك تقوم حياته، فيكون سعيداً أو شقياً، في خطّ الإسلام وهُداه، أو في متاهات الجاهلية وظلماتها كما أشير إليه في الحديث الشريف: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية»
فعلى أساس الاعتقاد بالإمامة يجسّد الإنسان على صعيد الواقع، والعمل، مفهوم الأسوة والقدوة، الذي هو حالة طبيعية، يقوم عليها من حيث يشعر أو لا يشعر بناء وجوده وتكوين شخصيّته، منذ طفولته.
وعلى أساس هذا الاعتقاد، وذلك الموقف أيضاً يختار أهدافه، ويختار السبل التي يرى أنها توصله إليها.
كما أنَ لذلك تأثيره الكبير في تكوينه النفسي، والروحي، والتربوي، وفي حصوله على خصائص الإنسانية وفي حفاظه على ما لديه منها.
والإمامة هي التي تبيّن له الحقّ من الباطل، والحسن من القبيح، والضارّ من النافع.
وعلى أساس الالتزام بخطّها يرتبط بهذا الإنسان أو بذاك، ويتعاون معه، ويتكامل، أو لا يفعل ذلك.
كما أنها هي التي تقدّم للإنسان المعايير والنظم، والمنطلقات التي لا بدَّ أن يلتزم بها، وينطلق منها، ويتعامل ويتخذ المواقف إحجاماً أو إقداماً على أساسها.
أضف إلى ذلك أنَّها تتدخّل في حياته الخاصة، وفي ثقافته، وفي أسلوبه وفي كيفية تفكيره.
ومن الإمام يأخذ معالم الدين وتفسير القران، وخصائص العقائد ودقائق المعارف.
وهذا بالذات هو السرّ في أننا نجد إنساناً يأخذ معالم دينه من شخص دون آخر، ويجعل هذا أسوته وقدوته دون ذاك.
هذا بالإضافة إلى شؤون أخرى حسَّاسة جداً، حتى جاء التعبير عنها بالقول: «لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها».
إذاً .. فموضوع الغدير، ونصب الإمام للناس، وتعريفهم به، لا يمكن أن يكون على حدّ تنصيب خليفة، أو حاكم، أو ما إلى ذلك، بل الأمر
أكبر وأخطـر مـن ذلك .. كما أنه ليس حدثــــاً عابـراً فرضته بعـض

الظروف، لا يلبث أن ينتهي ويتلاشى تبعاً لتلاشي وانتهاء الظروف التي فرضته أو أوجدته، وليصبح في جملة ما يحتضنه التاريخ من أحداث كبيرة، وصغيرة، لا يختلف عنها في شي‏ء، ولا أثر له في الحياة الحاضرة إلَّا بمقدار ما يبعثه من زهوٍ، واعتزاز، أو يتركه‏ من مرارة وألم على مستوى المشاعر والانفعالات لا أكثر.
بل أمرُ الإمامة، هو الذي يمسّ في الصميم حقيقة هذا الإنسان، ومصيره ومستقبله، ودنياه وآخرته، ويؤثّر في مختلف جهات وجوده وحياته.
ومعنى ذلك هو أنَّه لا بدَّ من حسم الموقف في هذا الأمر ليكون الإنسان على بصيرة من أمره فلا يموت ميتة جاهلية. كما تقدَّم عن الرسول الأعظم (ص).
واشتراط الحديث الشريف تحصيل معرفة الإمام في النجاة من الهلكة وذلك في صيغة عامَّة تشمل كلَ إنسان حتى ولو لم يكن يعتنق الإسلام، حيث قال: «من مات ولم يعرف إمام زمانه …» ولم يقل: إذا مات المسلم ولم …
إنَ هذا الاشتراط يوضّح لنا: أنَ تجاهل قضية الإمامة، وعدم حسم الأمر في موضوع الأسوة والقدوة يساوي رفضها، وإبعادها عن محيط الحياة والإنسان في كونه يوجب الميتة الجاهلية، ويترك آثاره السلبية المهلكة والمبيدة، على مجمل حياة هذا الكائن وعلى مستقبله ومصيره، في الدنيا والآخرة.
ومما يدلّ على ذلك، ويثبته ويؤكده: أنَّه تعالى قد اعتبر عدم إبلاغ أمر الإمامة إلى الناس، يساوي عدم إبلاغ الرسالة نفسها من الأساس، وذلك يعني: أنَّه لا يمكن التسامح فيها ولا المحاباة، ولا مجال لإبعادها وتعطيلها لأنَ ذلك يعني إبعاد الدين وتعطيله، ومنعه من أن يكون هو سيّد الموقف‏ وصاحب القرار في حياة الإنسان، وفي مجمل مواقفه.
– فما بَلّغت رسالته! :
وبعد أن عرفنا: أنَ القضية ليست قضية شخص، وإنما هي قضية الرسالة، أن تكون، أو لا تكون؛ حتى لقد قال تعالى، مخاطباً نبيه (ص)، في مجال الحثّ على حسم أمر الإمامة «وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته» بعد أن عرفنا ذلك … فإنَ المنع من إبلاغ الرسالة والإمامة معناه حرمان الإنسان من الهداية الإلهية، والرعاية الربّانية، وليس هناك جريمة أعظم ولا أخطر من ذلك.

مسئولية الحاكم
في فكر الإمام علي (ع)

لقد ترك الإمام علي (ع) ثروة فكرية هائلة في الفكر السياسي والإجتماعي ، حيث نجد في العهد الذي أرسله الإمام علي (ع) إلى واليه في مصر (مالك الأشتر) رضي الله عنه ، ففي هذا العهد فكراً شاملاً ودقيقاً للدولة بكل أبعادها ومقوماتها.
ونقتطف من تلك الرسالة هذه الوصايا التي تحدد مسئوليات الحاكم ووظائفه …

– ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالكُ، أَنِّي قدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلاَد قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْل وَجَوْر، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِى مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاَةِ قَبْلَكَ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ،إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ.

– فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَامْلِكْ هَوَاكَ، وَشُحَّ بِنَفْسِكَ(3) عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَكَ، فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الاِْنْصَافُ مِنْهَا فَيَما أَحْبَبْتَ وَكَرِهْتَ.

– وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْـمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ(1) مِنْهُمُ الزَّلَلُ(2)، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ،يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الَعَمْدِ وَالْخَطَاَ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَ وَالِي الاَْمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلاَّكَ! وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ(3) أَمْرَهُمْ، وَابْتَلاَكَ بِهِمْ.

– وَلاَ تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللهِ(4)، فَإِنَّهْ لاَيَدَيْ لَكَ بِنِقْمَتِهِ(5)، وَلاَ غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَلاَ تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْو، وَلاَ تَبْجَحَنَّ(6) بِعُقُوبَة، وَلاَ تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَة(7) وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً(8)، وَلاَ تَقُولَنَّ: إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ ذلِكَ إِدْغَالٌ(1) فِي الْقَلْبِ، وَمَنْهَكَةٌ(2) لِلدِّينِ، وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ(3).

– وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً(4) أَوْ مَخِيلَةً(5)، فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللهِ فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مَنْكَ عَلَى مَا لاَ تَقْدرُِ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذلِكَ يُطَامِنُ(6) إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ(7)، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ(8)،يَفِيءُ(9) إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ(1) عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ!

– إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ(2) اللهِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ، فَإِنَّ اللهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّار، وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَال.

– أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً(3) مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ(4) حُجَّتَهُ، وَكَانَ لله حَرْباً(5) حَتَّى يَنْزعَ(6) وَيَتُوبَ.

– وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَة عَلَى ظُلْم، فَإِنَّ اللهَ سَميِعٌ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ.

الصفحة (3)

الإمام الفعلي بعد الرسول الأعظم

images

يعتقد الأخوة أهل السنة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أغمض عينية دون أن ينصب خليفة بعده ويعتقدون أن هذه المهمة تقع على عاتق المسلمين أنفسهم فهم الذين يختارون قائدهم بطريقة ما يتفقون عليها، وهذا كله مخالف للمفهوم القرآني للإمامة فهذا الفهم مقصور على الفهم العادي للإمامة التي تعني إدارة شئون الناس الدنيوية.
ولكن معنى الإمامة الجامع الكامل لا يعرف إلا عن طريق الله تعالى لأنه العالم بصفات البشر إذ أنها عهد من الله يأتي ولا يؤتى إليه فقد قطع المولى الكريم الطريق على البشر وعلى أهوائهم فقال : (لا ينال عهدي الظالمين) فالعهد هو الفاعل وليس المفعول به.
إن القضية أشبه بانتخاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالنبي الأكرم لا يمكن أن ينتخبه الناس بالتصويت فالله الذي يختاره ويتعرف عليه الناس عن طريق معجزاته فالصفات اللازم توفرها في النبي لا يعرفها إلا الله وهنا يبرز لنا هذا السؤال… هل عين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصياً له؟ وقبل الإجابة لابد أن نعرف أن الدين الإسلامي دين عالمي وخالد ولا يقتصر على زمان ولا مكان معينين كما يصرح القران بذلك ، ولا شك أيضاً أن الدين الإسلامي لم يتجاوز شبه الجزيرة العربية عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن جهة أخرى نجد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمضى ثلاث عشرة سنة من عمرة الشريف في مكة يجابه الشرك وعبادة الأصنام والسنوات العشر التالية استغرقت فترة تفتح الإسلام أمضاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغزوات والحرب التي فرضها على المسلمين أعداؤهم رغم ذلك لم يترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحظة مع عمره الشريف لم يستغلها لنشر الدعوة وتعاليم الدين والسعي لتعريف الإسلام الفتي بجميع أبعاده ولكن الذي لاشك فيه أن كثيراً من المسائل الإسلامية كان يتطلب تحليلها زمناً أطول، والشاهد أن المسلمين منذ قرون إلى اليوم وهم ينحدرون ويزدادون ذلاً وتشرذماً حتى أصبحوا حقلاً لتجارب أعدائهم ليس لهم من الإسلام إلا الاسم ومن القرآن إلا الرسم تسيرهم اليوم قوانين الغرب ويتحكم فيهم المستكبرون.
إذاً كان لابد لخاتم النبيين وعصارة الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم أن يعين من يضطلع في هذه المهمة بعده وفضلاً عن ذلك فإن التنبؤ بمستقبل الأمة وإعداد المقدمات للاستمرار في إدارة مدرسة الإسلام كان من أهم الأمور التي لابد أن يفكر فيها كل قائد لا يمكن أبداً أن يسمح لهذه المسألة الأساس أن يلفها النسيــان أو يكتنفهـا الغمـوض والمتأمـل يرى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصدر تعليمات خاصة في كثير من الأمور البسيطة العادية في الحياة اليومية فكيف يهمل قضية مهمة كقضية الخلافة والزعامة والإمامة ولا يضع لها منهاجاً خاصاً.
والغريب أن هناك آيات تتكلم عن أولى الأمر وعن أهل الذكر ثم لانجد تفسيراً عند عامة المسلمين من هم أولى الأمر وأهل الذكر؟ بل حتى الصحابةَ!! الذين كانوا يسألون حتى عن أتفه الأشياء لا يتطرقون إلى هذه الأمور الكبرى التي هي ضمان استمرار بقاء الدين فهذه قضية يكتنفها الغموض.
لما سبق نعتقد جازمين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يعز عليه تعب المسلمين ومشقتهم ويأسف لتألم المسلمين {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} أن يترك أمته تتخبط وتتناحر فلا يعين من ينظم أمرها بعده ويكون يعسوبها تجتمع إليه وحاشاه أن يترك هذا الأمر هملاً فهو الذي لم يغفل طوال حياته عن هذه المسئولية

إخلاص علي ( عليه السلام ) وعدالته

download

علي صوت العدالة :

قد لازمت شخصيةَ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) السامية جوهرةُ العدالة الثمينة، و اقترن اسمه المقدس بالعدالة، فقد كان عادلاً يأنس بالعدالة و يهتم بها، إن كل مجتمع أو جماعة أو فرد مناد بالعدالة ، و يأمل في تكوين مجتمع يقوم على أساس القسط و العدل ، يضع عدل علي (عليه السلام) نصب عينه، و يتخذ أسلوبه في تطبيق العدالة كقدوة في برنامجه الذي يسعى إلى تطبيقه .
فحقاً لم يعرف تاريخ الإنسانية شخصاً كعلي (عليه السلام) خلد اسمه إلى الأبد ، و ارتسمت صورة عدالته في أذهان البشر ، فقد كان عاشقاً للعدالة ، مولعاً بها إلى غايتها القصوى.
إن الإمام علي (عليه السلام) مصداقٌ بارز لآية: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسطِ).
نعم، لقد كانت هذه العدالة ضالته، و كان كالظاميء الذي يبحث عن عين ماء تروي ظمأه ، ساعياً إلى معين العدالة العذب .
لم يكن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يرضى بالكف عن تطبيق العدالة و التراجع عنها مهما كلف الثمن ، و لم يرض أن يتخطى العدالة خطوة ، حتى من أجل تثبيت أركان حكومته الفتية ، و أبى أن يساوم أو يتبع المصالح السياسية مهما عظم الثمن .
كما أنه لم يرض أن يضحي بالعدالة، و يقع تحت تأثير الرحمة و التحرق و الشفقة ، فيعرض بذلك هذا الركن المقدس للتزلزل والانهيار .
فإن عدالته (عليه السلام) كانت ذكراً يلهج به لسان الخاص و العام ، و العدو و الصديق ، حتى كانت كثرة عدله هي السبب في قتله (عليه السلام) و نحن إذا أردنا
التعرض لنماذج من عدالته (عليه السلام) لاحتجنا إلـى مجلدات طـوال ، ولكن نقول : (إن العـدالة كانت نصــب عينه، و ملأت وجوده و كيانه فقد كان (عليه السلام) يرى أنه : (في العدل صلاح البرية)
وقد كان ( عليه السلام ) يسد جوعته بكسرة خبز يابسة ، و يأتدم الملح ليكون مستوى معيشته كأضعف الناس، و يقول : (إن الله فرض على أئمة العدل ، أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره).
فإن مثل هذا السلوك لايمكن أن يصدر من غير علي (عليه السلام)، فهو نتـــاج تربية الرســول الأكــرم (صلى الله عليه و آله ) ، فإن عدالة علي (عليه السلام) نشأت من العدل
الإلهي و سعى لتطبيقها ، و لذا أصبحت عدالته (عليه السلام) نموذجاً واضحاً لكل القادة و طلاب العدالة على مرِّ القرون ، و مصداقاً مشرِّفاً للإنسان المسلم المتكامل الذي يستطيع أن يكون قدوة في جميع المجالات .
إخلاص الإمام علي (عليه السلام) :
من القصص التي تنقل في إخلاصه (عليه السلام) ، أنه أصبح ذات يوم جائعاً فقال : يا فاطمة هل عندك شيء نأكله ؟ ، قالت (عليها السلام) : لا .
فخرج (عليه السلام) من عند فاطمة واثقاً بالله فاستقرض ديناراً ، فبينما الدينار في يده يريد أن يشتري لعياله ما يصلحهم ، فرأى المقداد منزعجاً .
فقال ( عليه السلام ) له : يا مقداد ، ما أزعجك في هذه الساعة من رحلك ؟
فقال المقداد : يا أبا الحسن ما أزعجني من رحلي إلا الجهد ، وقد تركت عيالي يتضورون جوعاً .
فقال (عليه السلام) : خذ هذا الدينار و اشتري لأهلك طعاماً .
ثم جاء الإمام (عليه السلام) إلى المسجد خلف النبي (صلى الله عليه وآله) ، و بعد الصلاة التفت النبي (صلى الله عليه و آله) قائلاً : يا أبا الحسن ، هل عندك شيء نتعشاه فنميل معك .
فمكث مطرقاً حياءً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فلما نظر (صلى الله عليه وآله) إلى سكوته قال : يا أبا الحسن مالك لا تقول : لا ، فأنصرف ، أو تقول : نعم ، فأمضي معك .
فقال الإمام (عليه السلام) : فاذهب بنا .
فانطلقا حتى دخلا على فاطمة (عليها السلام) وهي في مصلاها ، وخلفها جفنة تفور دخاناً .
فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله) : يا بنتاه جئت لأتعشى عندكم .
فأخذت فاطمة (عليها السلام) الجفنة فوضعتها بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) .
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : يا فاطمة ، أنَّى لك هذا الطعام ؟
فأجابه النبي (صلى الله عليه وآله) : يا علي هذا بدل دينارك .

(صلى الله
عليه وآله
وسلم)

المصيرية، ولقد كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يترك المدينة لبضعة أيام إلا بعد أن يعين من يقوم مقامه فيها فكيف نصدق أنه لم يعين أحداً يخلفه بعد مغادرة الدنيا نهائياً فيترك الأمة نهب الاختلافات والاضطرابات والحيرة دون أن يضمن للإسلام إستمراريته على يد هاد ومرشد يعتمده .
لا يشك أحد أن عدم تعيين خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينطوي على أخطار كبيرة على الإسلام اليافع فالعقل والمنطق يحكمان بإن أمراً كهذا يستحيل صدوره عن أعظم وأجل نبي أرسله الله، فضلاً عن الروايات الإسلامية الصحيحة والمؤكدة التي تلقي الضوء على هذا الموضوع، إن الذين يقولون إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عهد بذلك إلى الأمة عليهم أن يبينوا أدلتهم ويثبتوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد صرح بذلك، مثالاً على ذلك كان الأحرى بالنبي أن يترك الجيش الذي سيغزو في إحدى الغزوات وليس فيهم النبي أن يختاروا قائدهم!!!
علي (عليه السلام) الأفضل :
لنفرض أن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم لم يعين أحداً يخلفه من بعده ولنفرض أن اختيار الخليفة كان على عاتق الأمة فهل يجوز عند الانتخاب أن نتجاوز الأعلم الأتقى والأكثر تميزاً عن الآخرين من جميع الوجوه حتى نبحث عن خليفة أقل منه مرتبة.
لقد صرح كثير من علماء المسلمين بما فيهم علماء الأخوة من أهل السنة بأن علياً عليه السلام كان أعلم الناس بالدين الإسلامي كما أن الآثار تؤكد هذا القول فهو نفس الرسول في قضية المباهلة وهو الهادي (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) … وهو صاحب الأذن الواعية وهو أقضى الصحابة وأشجعهم وباب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله والمطالع في التاريخ يجد أنه كان ملجأ الأمة في كل مشكلة علمية وأن الخلفاء كانوا يرجعون إليه إذا ما واجهتهم معضلة دينية معقدة حتى أكثر عمر من قوله : (أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن) ( لولا علي لهلك عمر)، وأصبح عند الناس مثلاً دارجاً عندما تشكل عليهم الأمور فيقولون (معضلة ليس لها أبو الحسن) وكان في الشجاعة والتقوى والزهد والصفات البارزة الأخرى أسمى منزلة من غيره وعليه إذا فرضنا أن انتخاب الخليفة كان موكولاً إلى الناس أنفسهم فإن علياً كان أليق الموجودين وأجدرهم بالخلافة ولذلك وجب عقلاً أن يكون هو الإمام دون سواه (مع وجود الكثير من الادلة والأسانيد الواسعة التي تؤكد أنه الأجدر) ، ونعم ما أجاب العالم الكبير الخليل ابن أحمد الفراهيدي عندما سئل عن الدليل على إمامة الإمام علي أبن أبي طالب عليه السلام فقال : (استغناؤه عن الكل وحاجة الكل إليه)

الصفحة (4)

دعوة للخلاص …!

في خضم الأزمات المريرة التي تشهدها ساحتنا العربية والإسلامية، وما منيت به من انتكاسات متعاقبة طيلة العهود المنصرمة، إضافة إلى ما سُلب من خصائصها ومزاياها الراقية، أفضت نتائجها ورواسبها إلى إيداع تركة حبلى بالهموم المستعصية، ومع تصاعد وتيرة ذلك الظرف المأزوم تستحوذ على الأجواء مشكلة الفتن الطائفية والمناطقية بما تتبنى من مسارات وممارسات متشنجة، ليست لأنها وليدة الظرف الراهن المسكون بهواجس التبعية والانحطاط، لكنها باتت المشكل القلق الذي برز كتهديد مؤرّق للنسيج الاجتماعي والوطني وزعزعة شبكة علاقاته ومنظومته المعرفية، لا سيما في ظل المعطيات الحرجة التي تواكبها مجتمعات الأمة.
فمنذ حقب عديدة سادت في أوساط أمتنا أفكار وتوجّهات متشعبة، تحمل ألواناً متغايرة بين سياسية وعقدية وفكرية، وكانت كل مرحلة تستدعي التعبئة والانسياق خلف أيديولوجيات خاصة تتجانس وفق تصوراتها ومرئياتها قسراً، إلى أن تمخض الصراع المرير بولادة البرعم الطائفي في أوساط صفوف الأمة، ولعله لم يكن الأسوأ في تصعيد دوافع الأزمة والمحنة التي مُنيت بها المجتمعات المسلمة، غير أنه تصدّر هرم شبح الأزمة التي أغرقت الواقع بثقافة التشنج والقطيعة، وزعزعة وسائل الحوار والتعايش المشترك.
ثم إنه لم تكن الشرائح الاجتماعية هي الوقود المدخر لهذا المسلك التعصبي فحسب، إنما كان للنخب أيضاً الدور البارز في التصعيد والتعبئة على هذا الأمر، وكان من الممكن التسالم والتصالح من خلال فرص تاريخية توفرت لديها القابلية والاستعداد لتجاوز بؤر الخلاف والاحتراب السجالي والدموي للتوافق على محاور وخطط مشتركة، غير أن النخب لم تكن استجابتها متوافقة ومنسجمة لصد الخطر الطائفي واستشرائه في ثقافة الأمة وفكرها، وليس يعني عدم استخدام لغة الشجب والاستنكار أو الامتعاض، وإنما عدم تحمل المسؤولية لصد الأخطار المحدقة الداخلية والخارجية، سياسية أو عقدية، ولا غرو أن الأمور المعقدة لا تفكك رموزها بنصائح سطحية أو جمل عابرة، إنما هي بحاجة إلى مساعي وجهود حقيقية تلامس موضع الخلل ليتحقق المشروع التوحيدي التكاملي .
و التجارب المريرة التي خاضتها مجتمعات الأمة أثبتت أن التطرف الطائفي المتجذر لم يحقق لها إلا تركة الخسائر التي أعانت على التشرذم والضياع، وأفقدها الكثير من مكوناتها وقدراتها الرائعة، وكلما تصاعدت وتيرة المذهبية الطائفية ازدادت الانتكاسات والهزائم عليها، ولو أحصى كل طرف ما أصابه نتيجة اتخاذ هذا المنحى لوجدها هائلة جدًّا، بل ربما لا تحتمل، ليس لأنها احتدمت لصد معارك عدوانية شرسة تستهدف أمن الأمة واستقرارها، لكنها بين النسيج المشترك واللحمة الواحدة.
ونحن اليوم أمام هذا الواقع القائم الذي لن يتغير بالسجال والاحتراب وإذكاء نار الفتنة بين فئاته المتنوعة، فسائر المعارك التاريخية التي نشبت بين فينة وأخرى بين عقدية وسياسية وفكرية لم تزعزع مكانة طرف للتخلي عن قناعاته وأفكاره، بل على العكس من ذلك تماماً، ولو تحقق هذا الأمر لما بقي لبعض الطوائف التي جرى عليها التضييق ومحاربة أفكارها وعقائدها من وجود في النسيج الاجتماعي، بشهادة كافة المؤرخين والمتنورين.
من هذا المنطلق ينبغي البحث عن التغيير نحو الأفضل لتحقيق علاقة وطيدة ومشاركة اجتماعية، قائم على المعايير المشروعة في تقاسم الأدوار والمهام الوطنية دون إقصاء لجهة ما، وإرساء أسس التقريب بين الأطياف المتنوعة مع مراعاة حفظ الحقوق والخصائص والهوية.
ولعل التهافت الفاضح الذي يزعزع وحدة الشراكة الوطنية ويقويض لحمتها، عندما تجد أن الأجهزة الأمنية في بعض الأقطار العربية والإسلامية التي يستوجب عليها جمع الشمل وحفظ الخصائص والحقوق المشتركة، فإنها تغض الطرف عن الممارسات العدائية التي تتجاسر على القيم الوطنية وتتطاول على ركائزها دون أن تقابلها بإدانة تذكر، فضلاً عن وقف مهاتراتها التصعيدية، وفي المقابل تبادر بالقمع للتوجه الذي يرفض التعامل بمصطلحات التحريض والتكفير لمزاعم واهية، ولا ريب أن هذه المواقف ساعدت على التحريض واتساع الهوة بين الأطياف المتنوعة
ا- لتنوع لا يتناقض مع الوحدة :
ومن خلال قراءة الموروث الديني والمخزون الثقافي والتجارب البشرية الحافلة بالتنوع والتمايز في مضامين المشهد التاريخي الخصب، تتجلى حقيقة البعد التعددي وما يعكسه من دواعي الاختلاف التي هي بمثابة جذور ضاربة في أرض الواقع، لم تأتِ لتقويض مكونات النسيج الاجتماعي وزعزعة منظومته المعرفية والفكرية، إنما لتكون نتيجة متكاملة في المناخ المتعدد فتغني الواقع وترفده بما يستخلص من رؤى وبصائر، فالدعوة للاعتصام بحبل الله والأخوة والانضواء في الصف الواحد المتماسك، لا يجافي بحال من الأحوال مشروعية تعدد الأفكار والاجتهاد، إنما يحتضن كل ذلك لتكون الكليات التي تجمع كافة المحاور والمسارات في بوتقة مشتركة تسهم في النتاج الذي يحقق التقدم والتطور على كافة الأصعدة.
ولا ريب في أن ما فُوت من فرص ثمينة للتقريب بين المسلمين ضمن قنواتها المذهبية المتنوعة هو خسارة كبيرة لا تعوّض بأي حال من الأحوال، ونتيجةً لذلك تراكمت الكثير من الظواهر والعلل المستعصية التي امتد أثرها لتطوي تاريخاً طويلاً حتى حاضرنا الراهن، ولا غرو أن كل ذلك يستدعي المسارعة والمبادرة لإعادة الحسابات ومراجعة المواقف الارتجالية والعفوية لاستنباط صيغ ومفاهيم تتجاوز بؤر الخلاف، وتحقق لحمة توافقية بين كافة الأطياف والتوجهات، وإذا كانت الأمور مبهمة فيما مضى من الأزمنة فإنها أضحت أشد وضوحاً في حجم الأخطار والخطوب التي تهدد أمن الواقع واستقراره.
وثمة حقيقة ينبغي ألَّا تغيب معانيها عن الأذهان – مهما اتسعت الهوة وازدادت وتيرة الاختلاف – أن جسور العلاقة الرابطة بين الشرائح والنخب الاجتماعية المتنوعة في شتى الأقطار العربية والإسلا مية ليست راسخة فحسب، وإنما هي منبعثة من صميم رسالة الدين ونهضته المباركة، وهي ضاربة بجذورها في كل مفردة من مفرداته الخلّاقة، غير مكترثة للفواصل العرقية والقبلية واللغوية التي تدشن لحالة من الضياع والشتات، بل إن من جملة ما تميزت به رسالة الدعوة أنها كرّست ثقافة التعايش والتآلف بين شرائح المجتمع لتتجاوز المحاور والأطر الضيقة التي تشلّ حراكها ونهضتها ، وهو الذي جسد حقيقة الانسجام والتعاطي للنسيج الرسالي، وذلل الكثير من العراقيل التي تحول دون تحقيق النتائج الخيّرة التي يعود نفعها على الجميع.
ولا مناص من أن تلك المآثر السامقة ينبغي استحضارها لتحتل موقعيتها ومكانتها على أرض الواقع أكثر من أي وقت مضى، لتعزيز مكونات العلاقة المشتركة بين الأطياف المتنوعة، والتعايش على أسس ومعايير تطلق حراك الواقع وتصحح إسهاماته وعطائه، ولسنا بحاجة ماسة لاستيراد موارد تشفع لنا الخروج من مآزقنا وأسقامنا الحرجة، فما تحتضنه منظومتنا الإسلامية من المعارف والأفكار قادرة على إثراء الواقع واستزادته بالمبادئ والقيم التي ترفد مسيرته، وتحقق له المكانة الأرقى بين الأمم المتقدمة.
– حراسة الوحدة الوطنية :
نحن اليوم في أشد الحاجة إلى استنفار عالي لحراسة الوحدة الوطنية مما يعترضها من خطوب ،، وما نشهده من مؤامرات ومكائد لتشتيت الأمة أكثر وتقطيعها إلى دويلات عرقية ومذهبية، إن كل ذلك يستدعي المبادرة لحراسة الوحدة الوطنية للتعايش بأمن واستقرار وتقاسم الأدوار والمهام التي تخدم المصالح المشتركة بعيداً عن العصبيات والتشنجات القبلية والعرقية والمذهبية.
والمسؤولية تتضاعف على النخب والشرائح الاجتماعية لتطويق كل وسائل التعبئة والتحريض التي تنشب هنا وهناك، التي لا تجلب إلا الدمار والخراب، وإذا سلمنا بشرعية التنوع والتعدد لتتلاقى المعارف والأفكار في طور صناعة مشروع التكامل والتطور، فإن الهرولة خلف تجسيد تلك الشعارات وبث سمومها جناية عظيمة لا تغتفر بحق المواطنة المشتركة.
ولذلك فإن المجال متاح للتراجع عن المواقف المتشنجة وإعادة الصياغة من جديد لتتوافق مع مقتضيات الظروف الراهنة التي تواكبها الأمة، والمرحلة المعاصرة مهيأة للانفتاح والانسجام بما تحتضن من وسائل متقدمة تسعف الواقع وتعضده لتتبع موارد الحقيقة وكشف معالمها…. والأمر أولا وأخيرا بأيدي الشعوب .

زاد القلب ولاية الحق..

فؤاد الراشدي
ذو الحجة 1433هـ

يــا لائـــمــيَّ كـــفـى فــالحــــب مُـعـتـقــدي
فلوم كل الملا مــا فــتَّ من عَضُــدي
متيمٌ ذائــبٌ فــــي حـــــب مــــن أهــــوى
وليـس ينـفذ لا صبــري ولا جَلَــدي
هو ساكنٌ في دمي في الروح في الاحشا
بايعته فـــي الهـــوى أعطيــتــه عهدي
أن لا افــــارقهــــم أو أبتــــغــــي بـــــدلاً
ولـو تمـزقَ مــن أجــل الوفــا جســدي
فـــي حبهـــم إن أُمـــزق فاعلمـــوا أنــــي
أعيــش فــي لــذةٍ أيضــاً وفــي رغــدِ
هــو بلسم الـــروح .. زاد القلـــب .. بهجتهُ
وفـي الملمات بعــد المصطفى سنـدي
أَوَ غيــــــر حيـــدرةَ الكــــرارِ أمنـــحـــهُ
قلبي وروحــي ليصبــح كــل معتمدي
أَوَ لـــم يقــل ســــيـــــد الأكــــوان قاطـــبةً
يــوم الغديــرِ بأمــر الواحــد الصمــدِ
الله مــــــولىً لكـــــم وأنـــــا وليـــــــكمُ
أولــى مــن النفــس والأهليــن والولـدِ
فمن أنـــا يــــا – عبــــاد الله – مــــولاهُ
فــذا علــيٌّ له مــولــىً بـــــلا فنـــدِ
عليٌّ البـــاب ،، بــــابُ العلـــم والتــقــوى
هــو اللبــــاب وغيـــره لاســـوى زَبَدِ
تـــاه الـــورى عندمــــا عافـــــوا طــــريقتهُ
وأُغرِقُــوا فــي بحــار الــذل والنكــدِ
والله لـــو تابــعــوا الكـــرار مـــا انحطـــوا
ولا غــدوا مثــل عيــر الحــي والوتــدِ

مـــرت قــــرونٌ وأمتـــنــــا تَعـــاقبُـــــها
حكــام ســوءٍ بــلا تقـــوى ولا رشــدِ
وجــــاء أمثـــالهــم كـــي يكمـــلــوا سيــــراً
ســاروا بهــا نحـــو دربٍ آثــمٍ وَرَدي
ذبحـــوا اللبـــابَ فصــــارت دونـــمـــا روحٍ
والجســم أفــضــى إلــى نفـاثة العقــدِ
شــــرقٍ وغــــربٍ فقــد حــاكــا لــهــا شَرَكـاً
واوثــقا جيــدها حبليــن مــن مسـدِِ
الشــرقُ يَـجــذبـــهــا والغـــربُ يسلبُهــا
كـــي مـــا يحيلانها صــفــراَ بـلا عــددِ
وكـــاد يفــلـــح كيــدهـــمــا وسحـــرهــما
لولا الـذي فـك حقـتً طلسـم الـرصــَدِ
ذاك الـــذي قـــال: لاشـــرقــاً ولا غــربـــاً
وطهــر الحــا بـكــاف الثــلــج والبــرد
إذ جـــاء مـــن أيــــة الإكـــمـال تبلغيـــاَ
وكــربــلاء خيـــــار الـــــزاد والـمــددِ
ممــهــداَ لظـــهــور الشـمــس مشــرقـــة
ولــن يــراهـا مصــاب العيــن بالـرمــدِ