1

عاشوراء مدرسة تختصر الإسلام

تصدر عن تنظيم مستقبل العدالة
العدد الخامس
محرم 1435هجري – 2013 ميلادي

الصفحة (1)

ثورة القيم وقيم الثورة …
عمار-يازجي

يبرز دائماً إلى أذهان كثير من الناس سؤال حول عدم تمكن الحسين عليه السلام من الإطاحة بحكم الطاغوت يزيد وتغيير الحالة الخارجية التي كانت عليها الأمة في تلك الفترة من الزمن. حيث أن الإمام الحسين قام بثورة من أجل تغيير الوضع السيئ الذي كانت تعيشه الأمة من حكم طاغوتي من قبل بني أمية ،،، ومن أجل الإجابة على مثل هذا التساؤل ينبغي لنا أن ندرس أولاً مقومات الثورة الناجحة وشروط النجاح ثم بعد ذلك نحاول تطبيق تلك الشروط ثانياً على ثورة أبي الأحرار الحسين “ع” لنرى هل أن تلك الشروط كانت متوفرة فيها أم لا؟ وهل يتحمل الحسين عليه السلام بنفسه مسؤولية عدم الإطاحة بحكم يزيد والوصول إلى السلطة أم لا؟ ،،، ومع كون الإجابة بالنفي فلا مسؤولية على الحسين فإذاً ما هي عوامل الضعف في الأمة التي أدت لهذه النهاية المأساوية وأدت إلى عدم تحقيق الهدف على يد الحسين عليه السلام ؟،،، ويتضح الجواب من خلال دراسة الأمرين الآتيين : الأول: مقومات الثورة الناجحة وشروط نجاحها.
الثاني: توفر هذه الشروط في ثورة الحسين عليه السلام.
الأمر الأول : مقومات الثورة الناجحة وشروط نجاحها :
الظاهر أن الشروط الأساسية المعتبرة في نجاح كل ثورة من منظور إسلامي خمسة شروط:
1 – البعد الإلهي للثورة :
بمعنى أن يكون لهذه الحركة التغيـيرية ارتباطاً بالله سبحانه وأهمية ذلك واضحة لكونها الهدف الأساس لكل عمل تغييري في المنظور الإسلامي مضافاً لما يعطي للثورة من بعدٍ روحي وقداسة في نفوس الناس في جميع حركات الأنبياء الإصلاحية.
2- البعد الإنساني فيها :
بمعنى أن تكون مهتمة بالنواحي الفطرية التي فطر الإنسان عليها من قبل الله سبحانه وتعالى لأنها تعتبر أمراً ثابتاً في حياة الإنسان وتبقى معه في مختلف الظروف التي يمر بها ، فالبعد الإنساني لكل حركة إصلاحية ومن خلال دراسة حركة الأنبياء نجد خصوصيتين فيها:
أ: مقارعة الظلم ورفضه والدعوة إلى الحق والعدل وتحقيق الطمأنينة والاستقرار.
ب: كرامة الإنسان وعزته وحريته الحقيقية والكمالات التي تجسد طموحه وآماله وتطلعاته في الحياة وتحرير الإنسان من الشهوات ، وقبل كل هذا، الدعوة إلى عبادة الله عز وجل وتوحيده التي تقود الإنسان إلى الكمالات .
3- البعد التخطيطي للثورة :
فلا بد لنجاح كل ثورة من عقل يخطط لها تخطيطاً علمياً سليماً يتلاءم والسنن التاريخية ويسير بها لتحقيق أهدافها المنشودة، أما لو لم تشتمل الثورة على ذلك فإنها لا تعدو كونها مجرد انفعالات عاطفية ومشاعر وأحاسيس نبيلة. وقد تكون مجرد ردة فعل وتمرد وانعكاس للواقع السيئ فليست عملية تغييرية بناءة تهدف إلى العدل والقسط والتكامل الإنساني .
4- البعد العاطفي :
وهو الجانب العاطفي الوجداني فيها فهو يمثل وقودها لأن مجرد الوعــي والإدراك للـواقـع الفاســد وحده مع التخطيط وتشخيص الأهداف لا يحرك الإنسان نعم يهديه إلى الطريق الصحيح ويبين له الدرب لكن الذي يمنحه الاندفاع والقدرة على التحرك إنما هو الجانب الوجداني، ولذا تحتاج الثورة إلى الأهداف والشعارات والمفاهيم والتخطيط وتحتاج أيضاً الجانب الوجداني لتكون قادرة على الحركة والفاعلية وهو ينطلق دائماً من حب الإنسان لله سبحانه وتعالى وقد أشار له عز وجل في كتابه الكريم حيث قال : ـ ( والذين آمنوا أشدّ حباً لله) ومن ثم حب كل ما يرضيه سبحانه ويرضي أوليائه الصالحين وحب المعاني الخيرة التي أودعها في الإنسان من عدل وإحسان وعزة وكرامة وحرية.
5- البعد الجماهيري :
بحيث يكون لها وجود جماهيري وقاعدة شعبية في الأمة تتفاعل معها وتؤمن بمناهجها وشعاراتها وأهدافها فلا تكون في معزل عن فهم الجماهير ووعيها. ولذا تبتني كل حركة إصلاحية في أي مجتمع على تهيئة قاعدة جماهيرية وإعدادها فكرياً ومعنوياً حتّى يتحقق التفاعل المنشود، وإلا لا يتحقق للمصلح القيادي التغيير المرجو.
الأمر الثاني: توفر هذه الشروط في ثورة الحسين عليه السلام :
بعد معرفة مقومات الثورة الناجحة والشروط المعتبرة فيها نحتاج إلى تطبيقها على النهضة المباركة لإمامنا الحسين عليه السلام فنقول:
أما البعد الأول: (الإلهي) : فتحققه في ثورة الحسين عليه السلام مما لا شك فيه حيث كان تحركه (ع) مرتبطاً بالأهداف الإلهية وأن القضية التي تحرك الإمام عليه السلام في إطارها كانت ترتبط بالله وبالإسلام. ويتضح هذا من خلال شعاراتها وأهدافها وكما جاء في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية: ( وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي و أبي علي بن أبي طالب ).
وأما البعد الثاني: (الإنساني) : فواضح من خلال كلمات الحسين عليه السلام وخطبه التأكيد على قضية رفض الظلم، وقد أوضح الحسين عليه السلام هذا البعد في مواقف أخر من كلماته إذ قال: إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما،،،،وقوله: ( ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وأصلاب طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام).. وكان هذا الجانب أحد الأهداف والمحاور الرئيسية التي دعته للتحرك لأنه رأى الإذلال الذي أراد يزيد إلباسه الأمة والظلم الذي بسطه عليها.
وأما البعد الثالث: (التخطيطي) : وهو من النقاط المهمة. فدراسة السيرة الحسينية
* ذهابه إلى مكة وبقائه فيها حتّى اليوم الثامن وخروجه في ذلك الوقت الذي ازدحمت فيه مكة بالحجيج فيلفت نظرهم بذلك .
* بعث مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليهيئ له الأجواء ويمهد له الأرضية بتعبئة المسلمين وتعريف الناس مقاصد الثورة وأهدافها.
* رسائله وكتبه التي أرسلها إلى مختلف الأقطار الإسلامية لشرح أهدافه وأفكاره واستنهاض المسلمين.
* إبقائه لبعض أهله في المدينة ومكة لشرح وتوضيح خلفيات هذا التحرك . * أخذه لعياله وأهل بيته إلى كربلاء وذلك لأمرين:

– الأول : عدم استخدامهم أداة ضغط على الحسين عليه السلام لاحتمال أن السلطة تقوم باعتقالهم بمجرد تحرك الحسين عليه السلام فتجعلهم رهائن تضغط بهم عليه فيكون موقفه محرجاً أمام نفسه والمسلمين لكونه قد ضيع عياله.
– الثاني : الدور الإعلامي البارز في متابعة مسيرة الحسين عليه السلام وبيان أهدافه وفضح النظام.
وأما البعد الرابع : (العاطفي) وجوده في ثورة الحسين عليه السلام فلا يخفى على أي أحد، بل ربما طغى على جميع الأبعاد الأخرى وكان أوضحها بحيث أن أعداء الحسين عليه السلام وقاتليه يوم عاشوراء بكوا لحاله.
وأما البعد الخامس: (الجماهيري) فيتضح مما كتبه أهل الكوفة للحسين عليه السلام حيث أن ذلك كان تعبيراً عن واقع موضوعي حاصل في المجتمع الإسلامي كله ويكشف عن مشاعر حقيقية لكل المسلمين ويمثل بعداً جماهيرياً لإحساس أهل الكوفة بالظلم والذل والآلام ويروون أن الحسين هو الأمل في الإنقاذ من هذا الوضع المأساوي ولعل في كلمة الفرزدق عند لقائه بالحسين عليه السلام ما يؤكد ذلك لما سأله عن الناس فقال: قلوبهم معك وسيوفهم عليك،،، إذن إن المتحصل من جميع ما تقدم هو استكمال نهضة الحسين عليه السلام للشروط التي ينبـغي توفــرهــا في كل ثورة لنجاحها مما يعني خلو الحسيـــن (ع) عن المسؤولية وعليه يتقرر أن المسؤولية إنما هي مسؤولية الأمة وهي تتحمل المسؤولية خصوصاً بعدما اتضح تهيئة الحسين عليه السلام لجميع الظروف الموضوعية اللازمة لنجاح الثورة وهذا يكشف عن وجود خلل في الأمة . والظاهر أنه يرجع أساساً للأوضاع الروحية والنفسية لها ،وهو ما أراد الإمام الحسين (ع) معالجته. حيث أن الأمة قد أصيبت بموت الضمير وفقد الإرادة ومتى كان ذلك في أي أمة فإنها لا تتمكن من تحقيق أهدافها والوصول لغاياتها فضلاً عن التحرك بشكل صحيح.

هلموا إلى
قبــــلة الأحـــرار

في زمن القهر فاح أريج الحرية، وازدان الوطن بزغاريد الفرح احتفاءً بتقدم مشروع الامة المقاوم والرافض للهيمنة الصهيوامريكية،وتراجع مشروع الهيمنة الصهيوامريكية وعملائه ،، تعود كربلاء من جديد..
لتبقى نبعاً رقراقاً فياضاً بالنور، ينير درب الأحرار. تعلمهم الصبر والفداء والإيثار والتضحية والإباء والمروءة والبطولة المفعمة بروح الإيمان والعبودية والطاعة والخضوع للَّه عزَّ وجلَ، ولأوليائه. يتعلم منها الرجال والنساء، والصبية والكهول، والسادة والعبيد، الأم والأب، الولد والوالد، الأخ والأخت، والصديق، يتسابقون في معبد البطولة والتضحية لا تميزهم هذه الألقاب والأسماء، بل تميزهم الروح والقلب والنية الصادقة والمخلصة، والإرادة الفانية بإرادة اللَّه عزَّ وجلَ.
شموخ الإمام الحسين (ع)، وإيثار العباس (ع)، وولاء الأصحاب وتفانيهم وتسابقهم للقتل والقتال، وصمود الأسرى والسبايا على أذى الأسر والأغلال.
وكلمة الحق التي قالوها ولم يرهبهم التهديد بالقتل، ولم يفت من عزيمتهم القتل والأسر، وكثرة التعذيب، يرافقهم ذكر اللَّه وحبه وطاعته وتوحيده.
قبل كربلاء، وبعد كربلاء، قبل الأسر وبعده الشعار واحد، والطريق واحد، والموقف واحد. قبل كربلاء: «ألسنا على الحق، فلا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا»، وفي الأسر: «بالموت أتخوفني يا ابن الطلقاء، الموت لنا عادة وكرامتنا من اللّه الشهادة».
وتستمر عاشوراء، وكربلاء ثورة الحق على الباطل، والعدل على الظلم، يحملها الثوار، فتزلزل عروش الظالمين، في كل دهر ومصر.
وما زال الحسين (ع) يلهب قلوب الأحرار إلى نهاية العصر وقلب سيد العصر (عج)، بنداءاته، ودعواته يطلب الناصر.
وها هم الأحرار استجابوا ولبّوا نداء الثورة والمقاومة والجهاد، وها هم ما بين شهيد وجريح وأسير، لن توقف سيلهم أميركا وإسرائيل وكل المستكبرين.
مهما ازداد القهر، وفاض النهر، واصطبغ بلون الدم، ولم يسق الحسين (ع)، وديس الصدر؛ فقد طلع الفجر، وأذان الصبح يصدح: هلموا إلى الصلاة، إلى معبد الثوار، إلى قبلة الأحرار، إلى كربلاء؟

الصفحة (2)

المرأة في عاشوراء دور ورسالة..
images (1)

إن الصراع بين جبهة الحق وجبهة الباطل هو صراع موجود منذ بدء الحياة الإنسانية وفي كل عصر وزمان، وعندما نتحدث عن جبهة حق يعني أنَّ هناك رجالًا ونساءً ينضوون تحت لواء هذا الحق، وعندما نتحدث عن جبهة باطل فهذا يعني أن هناك رجالًا ونساء ينضوون تحت لواء الباطل.
من هنا فإن المرأة لم تكن بمنأى عن ساحة هذا الصراع بل كانت حاضرة فيه بقوة، وبما أن عاشوراء مثلت حلقة مهمة من حلقاته فكان لا بدَّ للمرأة أن تأخذ دورها فيها، وتؤدي تكليفها على أكمل وجه، ولعل حضورها بالذات في عاشوراء كان له ميزة خاصة، حيث أنَّ هذا الحضور كان في زمن يحارب فيه كل ما يمتُ إلى الإسلام بصلة، وفي زمن كان يدعى فيه للعودة إلى أحكام الجاهلية، وإلى أفكارها وقناعاتها ومن جملتها عودة المرأة إلى المكانة المهينة التي وضعها فيها الجاهليون.
لذلك كان عاشوراء الإمام الحسين (ع) لإحياء الإسلام من جديد بعدما عُطلت حدود الله وأحل حرامه وحرم حلاله وهذا ما قاله الإمام الحسين (ع) في بداية ثورته: «ألا وإنَّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفي‏ء وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله …» .
أراد الإمام الحسين (ع) أن يحرك ثورته في هذا الاتجاه وهو تنظيم‏ الأوضاع الرسالية في حياة الأمة وإصلاح هذه الأمة ومن جملتها إحياء الدور الأساسي للمرأة، وهذا الدور الذي وصل إلى أسمى مراتبه من خلال مشاركة المرأة للرجل في ساحة المعركة فأصبح هناك نموذج الرجل المجاهد.
وأصبح هناك نموذج المرأة المجاهدة حيث توقف على وجودها نجاح الثورة أو عدم نجاحها.
ومن خلال استعراض أهم النقاط حول الدور الذي قامت به المرأة والرسالة التي أدتها في عاشوراء ندرك بعضاً من حكمة الله تعالى وندرك معنى قول الإمام الحسين (ع) : «شـــاء الله أن يراني قتيلًا
و يراهنَّ سبايا».
1- على مستوى شحذ الهمم والمشاركة في الجهاد:
كان للمرأة دوراً أساسياً مباشر وغير مباشر في الجهاد، حيث بدأ هذا الدور غير المباشر قبل سنوات طويلة من عاشوراء وبالتحديد منذ تأسيس ثورة كربلاء في زمن رسول الله (ص) عندما دخلت المرأة وهو يقول (ص): «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً وأبغض الله من أبغض حسيناً، حسين سبط من الأسباط، فكانت تربي أبناءها وترضعهم حب الحسين (ع) حتى إذا شبّوا وسمعوا نداء إمامهم وسيدهم سارعوا للتلبية بين يديه بكل اندفاع وتصميم ومحبة. فرجالات كربلاء لم يكونوا ليوجدوا لولا وجود نساء صنعن رجالًا ولم يبنين أجساداً فقط.
والمرأة شاركت في الجهاد بشكل مباشر عندما نزلت إلى ساحة المعركة وكان لها التأثير الكبير على مستوى شحذ الهمم وشحن النفوس للقتال. وسنكتفي بذكر نموذج واحد من النماذج النسائية الرائعة والرائدة في هذا المجال:
فتذكر لنا الروايات أن «أم وهب» تلك المرأة المجاهدة حملت عمود خيمة وأقبلت نحو ولدها وهب بن عبيد الله بن حباب الكلبي تحثه على القتال من جديد وهي تقول له: فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله، ولما استشهد ذهبت إليه امرأته وصارت تمسح الدم والتراب عن وجهه، فبصر بها شمر فأمر غلاماً له فضربها بعمود على رأسها فقتلها. وكانت أول امرأة تقتل في معسكر الإمام الحسين (ع).
هذا المشهد وأمثاله كان حاضراً أمام جميع من حضر كربلاء وترك أثراً عظيماً على مستوى رفد معنويات المجاهدين بحيث لم يترك عذراً لمن يريد التراجع أو التخاذل عن القتال ويكشف عن حضور المرأة المؤثر ويشير إلى موقعها الطبيعي في حركة الجهاد.
2- على مستوى الطبابة والسقاية:
هي مهام الطبابة وتضميد الجراح والسقاية من قبل النساء ويمكن أن يعود هذا الإغفال إلى جسامة الخطب وهناك إشارات عن هذا الدور، منها قيام الحوراء زينب (ع) بتعهد وتمريض الإمام السجاد (ع).
3- حفظ الإمامة والرسالة:
لقد شاء الله تعالى أن تسبى النساء في كربلاء لحكمة وهدف عظيم بدون أدنى شك، فلولا وجود العقيلة زينب (ع) بالذات وسائر النساء لضاعت أهداف ثورة الإمام الحسين (ع) بل لضاعت الإمامة من بعده ولضاعت الخلافة والرسالة. فبعد شهادة الإمام الحسين (ع) تجلى حفظ الإمامة والرسالة والخلافة في عدة مواطن منها: – وقوف العقيلة زينب (ع) بوجه من هجموا على خيمة الإمام السجاد (ع) ليقتلوه وهو مريض، فوقفت في وجههم وقالت:
« حسبك يا بن زياد من دمائنا ما سفكت وهل أبقيت أحداً غير هذا فإن أردت قتله فاقتلني معه» .
– دفاعها عن الإمام السجاد (ع) وحمايتها له من القتل في مجلس عبيد الله بن زياد في الكوفة عندما سأله عن اسمه فقال عليه السلام: «علي بن الحسين» فقال له: «أولم يقتل الله علياً؟ فقال (ع): «كان لي أخ أكبر مني يسمى علياً قتله الناس، فرد عليه ابن زياد بأن الله قتله، فقال له الإمام (ع): «الله يتوفى الأنفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله» فكبُر على ابن زياد أن يرد عليه وأمر بضرب عنقه عليه السلام لكن عمته العقيلة زينب اعتنقته وقالت: (لن تقتله قبل أن تقتلني).
4 – حفظ النساء والأطفال:
– كان للعقيلة زينب (ع) الدور الأبرز في مسألة حفظ النساء والأطفال لأنها كانت المؤهلة لقيادة الموقف والسيطرة عليه بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) وأهله وأصحابه وأثناء مرض الإمام السجاد (ع). وتحدثنا الروايات أنها قامت بتطيبب خواطر الثكالى والأطفال أثناء المعركة وبعدها والتهدئة من روعهم في حركة لا تهدأ ولا تلين وكانت تتفقدهم بأسمائهم كي لا يضيعوا وتتلقى فوق ذلك سياط الجلادين عنهم حتى يروى أن متنها قد اسود من كثرة الضرب، وكانت تعمد إلى إطعامهم حتى لا يقضوا جوعاً كما حدَّث عن ذلك الإمام السجاد (ع) أثناء سير السبايا من الكوفة إلى الشام بقوله: «… كانت السيدة زينب (ع) تقسّم ما يصيبها من الطعام على الأطفال، لأن القوم كانوا يدفعون لكل واحد منا رغيفاً واحداً من الخبز في اليوم والليلة».
5- حفظ مشروع الثورة:
وهذا جانب لا يقل أهمية عن جانب حفظ الإمامة والرسالة، إذ أن المرأة، وخاصة بعد شهادة الإمام الحسين (ع): قامت بتبيان أسباب وأهداف ثورة الإمام الحسين (ع) وقامت بلفت الأنظار إلى قضية الإمام (ع) كقضية للأمة الإسلامية، وأنَّ تحركه (عليه السلام) لم يكن إلَّا بدافع الحرص على وجود الإسلام والأمة الإسلامية في وجه من يريدون طمس حقائق ومعالم هذا الدين الحنيف والرجوع بالأمة إلى الجاهلية، كما قامت بتعريف الأمة بمن وصفوا أنهم خوارج خرجوا على طاعة يزيد بن معاوية. وقد بدأت المرأة بمهمتها بعد شهادة الإمام الحسين (ع) مباشرة حينما تقدمت العقيلة زينب موكب السبايا إلى مصرعه وهي تنادي: «وامحمداه، واجداه، هذا حسين بالعراء مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء وبناتك سبايا وذريتك مقتلة …» وكأنها بندائها هذا تحاول تذكير كل من حضر بهوية من أقدموا على قتله واستباحة دمه وانتهاب ثقله وسبي نسائه لكي يدركوا عظيم جريمتهم. ثم ينطلق هذا الإعلام النسائي إلى خارج كربلاء لتكون المرأة صوت ولسان الثورة والحافظ لها، وقد مهَّد الأمويون أنفسهم- من حيث لا يدرون- للمرأة القيام بهذا الدور وبهذه الرسالة ومهَّدوا بذلك طريق فضحهم ولعنهم حينما تنقلوا فيها من بلد إلى بلد، ومن مجلس إلى مجلس، وكان لخطب النساء في مقدمتهم خطب العقيلة زينب (ع) وفاطمة بنت الحسين (ع) وغيرهما إلى جانب خطب الإمام زين العابدين (ع) الأثر البالغ في تجييش مشاعر المسلمين، وفي إحداث هزة عنيفة في النفوس جعلت الناس تستيقظ من سباتها العميق وتلتفت بشكل واعٍ ومتفهم إلى كل ما يجري حولها وتنتفض على الظلم وتقيم الثورات التي أدت إلى تقويض الحكم الأموي أمثال؛ ثورة التوابين، وثورة زيد بن علي، وثورة المختار الثقفي، وثورة المدينة ..».
6- الوقوف بوجه الظالمين:
لقد كان للمرأة المواقف العظيمة والجرئية أمام الطغاة والظالمين التي تنم عن قوة الإيمان وصلابة الموقف وعدم الخشية إلَّا من الله تعالى، فوقفت لتقول كلمة الحق أمام الباطل وأمام السلطان الجائر ولتعلّم الأجيال دروساً في مواجهة الظالمين ودروساً في الشجاعة والجرأة قالت (ع) : «ما رأيت إلا جميلًا». وفي مجلس يزيد بن معاوية في الشام خاطبته قائلة: «… ولئن جرَّت عليَّّ الدواهي مخاطبتك إني لأستصغر قدرك واستعظم تقريعك واستكثر توبيخك .. ثمَّ تقول له .. فكد كيدك واسعَ سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا » . 7- تعميق البعد العاطفي والمأساوي لواقعة كربلاء: لقد نجحت المرأة في عاشوراء من خلال إقامتها لمجالس العزاء والبكاء على الشهداء وبشكل خاص على سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) في ربط الأمة بهذه الواقعة على مدى العصور ومن ثمَّ تخليدها في وجدان وعقل وقلب الأمة والاقتداء بنماذجها وأبطالها لا سيما الإمام الحسين (ع)، وجاء الحث على إحياء عاشوراء من قبل الأحاديث الشريفة وإقامة مجالس العزاء ليعمق ارتباط امة فكرياً وروحياً بها ويبقيها حيَّة في النفوس، وما كان لعاشوراء أن تستمر إلى يومنا وتزداد حضوراً وتوهجاً وحرارة لو لم تكن مجالس العزاء والبكاء التي أرست قواعدها المرأة في كربلاء.
وغير ذلك من المواقف التي لا يتسع المجال لذكرها ولا نملك إلا العجز عن الإحاطة بها طامعين بفضل الله وعفوه وشفاعة نبيه وآله (صلى الله عليه وآله).

لماذا البكاء في
مجالس عاشورا

– نحن أمة البكاء :
« يقولون أمة البكاء!! نحن أمة البكاء السياسي، نحن أمة تشكل بدموعها جريان السيل الذي يحطم السدود التي تقف في وجه الإسلام».
– ليس مجرد بكاء :
«القضية ليست قضية بكاء فحسب، ليست قضية تباكي فحسب، إنما هي قضية سياسية فأئمتنا (ع) يريدون وعبر بصيرتهم وعمق رؤيتهم الإلهية أن يوحدوا صفوف الشعب ويعبئوه بالطرق المختلفة لكي يصان من الأذى».
«… ولا تظنوا أن الأمر مجرد بكاء وحسب، أبداً، فالقضية سياسية اجتماعية ولو كان الأمر مجرد بكاء فقط فلم التباكي؟».
– لماذا البكاء؟
«لو بكينا على الإمام الحسين إلى الأبد فإن ذلك لن ينفعه شيئاً، بل ينفعنا نحن، وفضلًا عن نفعه لنا في الآخرة فإن له في الدنيا من المنافع ما ترون، فلا يخفى عنكم ما له من الأهمية من الناحية النفسية والدور في تأليف القلوب وانسجامها».
«إن البكاء يعد إحياءً للنهضة وإدامة لها، والرواية الواردة «من بكى أو أبكى واحداً فله الجنة ومن تباكى فله الجنة» إنما تشير إلى أنه حتى المتباكي يعمل عملًا من شأنه إدامة النهضة وحفظها، وهذا يصون نهضة الإمام الحسين ويديمها».
«… وإنما البكاء وسيلة حفظ بها الدين، بل حتى التباكي يثاب المرء عليه، لماذا؟ لأنه هو الآخر يساعد على صون الدين».
إن البكاء يؤدي إلى توجيه اهتمام الناس نحو هذا المنهج وتقويته وإثارة موجة من السخط والنقمة ضد الظالم …».
«إن البكاء هو الذي يحفظ مذهب سيد الشهداء وإن كل مذهب وحركة تحتاج في حفظها وبقاء أساسها إلى البكاء».
«لا يوجد شي‏ء أكثر تأثيراً من عزاء سيد الشهداء وأنتم لا تظنوا أنه بلا مجالس العزاء والبكاء وتقاليد اللَّطم على الصدور كان يمكن أن يتحقق النصر، أي قدرة لا يمكنها ذلك بهذه الكيفية إلا قدرة سيد الشهداء».
«إن البكاء على الشهيد يعد إبقاءً على اتقاد جذوة الثورة وتأججها».
– المستكبرون يخافون بكاءنا :
«… وأخذت تتحول (أي الشعائر الحسينية) تدريجياً إلى وسائل لتحقيق الوقوف بوجه الحكومات التي كانت تجي‏ء آنذاك هادفة القضاء على الإسلام وعلى أسسه الروحانية، وقد أخافت هذه المجالس والمواكب تلك الحكومات وأرعبتها».
«… إنهم يخافون من هذا البكاء بالذات لأنه بكاء على المظلوم وصرخة بوجه الظالم».
«… هؤلاء الذين يوحون إليكم بأنكم «شعب بكَّاء» فأسيادهم وكبراؤهم يخشون هذا البكاء …».
«… لا يظنوا أننا مجرد «شعب بكاء» فإننا شعب تمكن بواسطة هذا البكاء والعزاء من الإطاحة بنظام عمّر ألفين وخمسمائة عام».
« أخذت هذه المجالس تتحول إلى وسيلة لمواجهة الحكومات التي توالت على سدة الحكم ساعية لاستئصال الإسلام وقلعه من جذوره والقضاء على العلماء، فهذه المجالس والمواكب هي التي تمكننا من الوقوف بوجهه وإخافتها».
* إقامة مجالس العزاء
«إن الحق منتصر لكن للنصر مفاتيح ورموز ينبغي لنا العثور عليها ومعرفتها. إن أحد هذه الرموز الكبرى وهو أكبرها قضية سيد الشهداء (ع)».
«أحيوا ذكرى نهضة كربلاء والاسم المبارك للحسين بن علي فبإحياء ذكراه يحيا الإسلام».
«ينبغي أن تستمر المجالس بإقامة العزاء، ينبغي أن نذكر المظالم كي يفهم الناس ماذا جرى، بل إن هذا يجب أن يقام كل يوم، فإن لذلك أبعاداً سياسية واجتماعية غاية في الأهمية».

الصفحة (3)

عاشوراء مدرسة تختصر الإسلام

هي مدرسة نتعلم فيها دروساً في الفضيلة والكرامة .. نعم هي كتاب نقرأ بين أسطره أحرف النور .. نعم. هي المنبع الفياض للخير والإيثار .. نعم،، ولكن أن تكون مدرسة تختصر في عدة أيام الإسلام كله! فهذا ما يبدو أمراً عجيباً ..
إننا عندما نستمع إلى السيرة الحسينية ونحصر مجالس العزاء الكربلائي ندرك كم من المواقف العظيمة قد سجلت. فنطلع على فضائل وقيماً هي في قمة المعاني وأسمى ما جاء في الإسلام صدرت من ثلة الأصحاب وقادها الإمام المعصوم (عليه السلام).
ففي أيام معدودات تسارع الزمن إلى حيث اختصر ثلاثة وعشرين سنة هي عمر الرسالة ونزولها، فقال النبي الأعظم (ص): «حسين مني وأنا من حسين».
فكان الحسين (عليه السلام) خير وليد للإسلام كله استطاع أن يعيده إلى الحيــاة في ذلك الزمـان القصيـــر،،، لأنه استعمل أقصى ما جاء في تعاليمه وأسمى وأعمق ما فيه. لقد احتاج العرب إلى ثلاثة وعشرين سنة ليتلقوا الإسلام، وكان الإسلام في حركته الصاعدة يتطلب هذا الزمن لكي يعرض جواهره.
وليس ذلك من‏ نقص فيه أو ضعف في فاعليته بل كان ذلك بطبيعة الحال من القابل وهو المجتمع الذي صار إسلامياً بعد ذلك.
ولكن إذا ارتفع القابل إلى درجة العصمة وبلغ أوج الكمال فإنه يعرض الإسلام متى شاء في نسيج واحد متكامل. وهذا ما قام به الإمام الحسين (عليه السلام): «… وأنا من حسين».
يصعب على الذين يقفون عند ظاهر الحقيقة أن يدركوا هذا المعنى لأن ما يعرفونه عن الإسلام هو الكم الكبير من الكتب والكلمات التي قضى علماء الإسلام قروناً من الزمن وبذلوا جهوداً مضنية في تأليفها وبيانها.
ولكن الذي ينظر وراء العبارات يدرك أن للإسلام روحاً واحدة بسيطة. يشهد على ما نقول القرآن الكريم الذي فيه تبيان لكل شي‏ء، وأنت تقرأه في كل يوم .
هي كربلاء إذاً، حاضرة بحضور المعصوم الذي هو القرآن الناطق صاحب جوامع الكلم، الذي لا يحتمل حديثه إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان.
وكيفما قلّبتها تدرك سراً من أسرار الإسلام. ولكن يا لرحمة الله التي وسعت كل شي‏ء فقد تقدمت إلينا لتختصر لنا فترة التعلم والدراسة وتعرّفنا أن الإسلام هو التسليم والعبودية المحضة لرب العالمين.
فكربلاء جسدت هذه العبودية بكل معانيها وأخبرتنا أن الزمن ليس إلا حساب الدنيا والمادة، وأن من يرتفع إلى عالم الملكوت ويخترق حدود الزمان والمكان سيطلع على الجوهرة العظيمة التي أشار إليها الإمام الصادق (عليه السلام): «العبودية جوهرة كنهها الربوبية».
– ما نتعلمه من عاشوراء :
1- التسليم التام لله:
عندما يرتبط الأمر بالقتل، فإن التضحية هنا تفوق كل شي‏ء. ولم يحدث في عالم الإسلام موقفٌ مشابهٌ، حيث كان القتل أمراً حتمياً وكان في نفس‏ الوقت تكليفاً إلهياً. لقد واجه الإمام الحسين وأصحابه هذا الأمر بالتسليم التام للإرادة الإلهية.
2- حضور الأمة بكل فئاتها:
أراد الإمـام الحسين (عليه السلام) أن يستنهض الأمة- حاضراً ومستقبلًا- بكل فئاتها وشرائحها من خلال التمثيل الذي ظهر في كربلاء. فكان معه الطفل الرضيع والعجوز والشيخ والشاب والحدث والأم والأب والأسود والأبيض والغني والفقير. واليوم فإن كل واحد منا يجد نموذجاً عنه في كربلاء ولا يبقى له أي عذر في التخلف عن النزول إلى الساحة.
3- أعلى درجات التضحية:
لقد ضرب الإمام الحسين (عليه السلام) ومن معه المثل الأعلى في التضحية والإيثار بحيث لن يتكرر هذا الأمر بكل تفاصيله في حياة البشرية أبداً. بل سيأخذ كل فرد جزءاً- أن استطاع- منها. ومع نزول المصائب على هذه الأمة- مما يتطلب تضحية مستمرة- لا نجد إنساناً قدم أو يمكنه أن يقدم مثلما فعل الإمام الحسين (عليه السلام). إن من يدرس في مدرسة عاشوراء يعلم كم هو مقصّر عندما يقف بين يدي أبي عبد الله (عليه السلام).
4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
اختصر الإمام (عليه السلام) ثورته العظيمة بهدف أساسي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعطى لهذه الفريضة الإلهية بعدها الحقيقي، الذي يشمل كل جوانب الحياة. وأخرجها من زاوية العلاقات الفردية والعبادات الجزئية لتشمل المجتمع بأسره.
أفهمنا الإمام (عليه السلام) أن القضاء على الظلـم والظالمين يقــع فــي أول مراتـب الأمــر بالمعروف والنهي عن المنكر.
«… إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله أريد أن آمر بالمعروف‏ وأنهى عن المنكر …».
5 – الارتباط بالله والتوكل عليه:
فرغم خطورة الموقف وتكالب الأعداء وكثرتهم لم نشاهد الإمام الحسين (عليه السلام) يعتمد على الناس حتى ولو كانوا أصحابه، بل يخبرهم بأنهم يستطيعون الرحيل: « إن هذا الليل قد أقبل فاتخذوه جملًا ».
وهو (عليه السلام) عندما كان ينادي: «هل من ناصر ينصرنا»، فذلك لإلقاء الحجة على الناس، وليبقى نداؤه أبد الدهر يستجيب له المؤمنون الأحرار.
6- التنظيم والانضباط:
لم يترك الإمام الحسين (عليه السلام) – ورغم صعوبة الموقف – أمر تنظيم عسكره. بل راعى هذا الأصل حتى اللحظات الأخيرة. وقد يصور لنا بعض القرّاء أن حركة الإمام (عليه السلام) كانت
انتحارية حائرة يائسة يغلب عليها الجو العاطفي. ولكن عند التدقيق في السيرة الحسينية نجده قد تعاطى مع المعركة كقائد عسكري من الدرجة الأولى، من حيث توزيع المقاتلين ورد الهجمات واختراق جبهات العدو واستعمال الحرب النفسية …
7- الجو المعنوي:
في عمق المأساة وقف الإمام مصلياً، وبعد حدوث الفاجعة قامت زينب (ع) تصلي صلاة الليل، لم تغلب المصيبة رغم هولها قلب الأحرار النابض بعشق الله، لأنهم يدركون أن كل ما يحدث هو لأجل تثبيت قلوبهم على حب الله وعبادته.
8- رعاية الأحكام الإلهية:
لم يخرج الإمام قيد أنملة عن حدود الله، فلم يجزع ولم يرتكب أي خطأ في كافة التفاصيل فالإمام المعصوم معصوم في السرّاء والضرّاء والسر والعلانية.

كربلاء إحياء للقيم الإنسانية

images (2)

جاءت الرسالات السماوية لتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والوجود عبر إعادة ترتيب أبجديات القيم التي بنيت عليها علاقات تبنت في الأصل قيما تتصف بالجمود نأت بالإنسان عن مجالات التحرك باتجاه المستقبل، إذ أن الرسالات السماوية شكلت ثورة قيمية عندما طرحت مشروع مساهمة الإنسان في صناعة التاريخ، ومن هنا كان دور الأنبياء والرسل، ثم الأوصياء والأئمة في قيادة حركة المجتمع لتحقيق المثل العليا التي جاءت بها الرسالات السماوية، والتي أنهت تسلسلها بالرسالة الخاتمة باعتبارها منهجا استوعب كل مفاهيم الحركة الرسالية عبر التاريخ محتكما إلى شرعيتها الالهية ، ولما كانت الرسالة الإسلامية تمثل الفهم المطلق للقيم الرسالية باعتبار خاتميتها والتي سعت دوما إلى تحقيق قيم الخلافة الإلهية على الأرض، غير أن انحطاط الوعي الاجتماعي شل المنهج التطبيقي للرسالة، فالعقيدة الإسلامية ليست مجرد نظرية تقرأ، أو فلسفة طوباوية تتجرد عن الحاجة الاجتماعية، بل إنها أتت وهي تحمل في أصل نسيجها عملية التطبيق والتغيير بما يتناسب وحاجة المجتمعات عبر مرتكزات الشريعة لتصبح بذلك ثورة على القيم الفاسدة.
من هنا يمكن إدراك المفاهيم القيمية لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، والتي يمكن اعتبارها حقا ثورة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والوجود، باعتبار الجانب الشرعي الذي يمثله الإمام الحسين والذي يكتسب شرعيته من النص الإلهي قبال يزيد الذي فرضت شرعيته عبــر اختزال الوعي الجمعي في ظل اضطهاد السلطة للكيان الاجتماعي، فالإمام الحسين (عليه السلام) برهن عمليا على شرعيته في رفضه الصريح لحكم يزيد بن معاوية عبر طرحه قيما ومفاهيم رسالية تم تطبيقها في حركته الثورية الاجتماعية تمثلت في :
أولا: إعلان معارضته الصريحة ليزيد عبر مقاومته لعصبة الخلافة في المدينة مرتكزا على الشرعية الإلهية باعتباره إماما منصوصا عليه، وباعتبار النصوص الثابتة والصريحة الواردة في الوثيقة التاريخية التي باتت تعرف “بصلح الحسن”.
ثانيا: تحركه العلني من المدينة إلى مكة والتزامه الطريق الأعظم، والذي لم يتنكبه (ينحرف عنه خشية الإمساك به) كما فعل عبد الله ابن الزبير، مؤكدا شرعية ثورته.
ثالثا: دخوله مكة والتزامه البيت الحرام، داعيا الأمة إليه للقيام بوجه الطاغية في ثورة تصحيحية غاياتها العـودة بالفكر الإسلامي عقيدة وتطبيقا إلى ما كان عليه في عهد جده الرسول الخاتم(ص).
رابعا: تأكيـد وثــاقـة المشــابهة بينه وبين نبي الله يحيى بن زكريا (ع)، فقد اعتاد الإمــام في حركته إلى توثيق هذا الترابط وهــو يضرب بالنبي يحيى(ع) مثلاً لنفسه، فكلاهما أنكر طاغوت عصره، وكلاهما قتل وحمل رأسه إلى الطاغية، وهذه ليست مقاربة تماثلية بقدر ما هي حقيقة تاريخية اكتسبت أصالتها من القيم العليا التي تمثل كل منهما بها، ودعا إليها حد الاستشهاد.
خامسا: مكث الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة أربعة أشهر بما فيها أشهر الحج، وقد اجتمع إليه المعتمرون ثم الحجيج ليسمعوا منه ما لم يسمع من غيره وهو يفصل له أحكام الشريعة عن جده الرسول الأعظم صلوات الله عليه وأله وسلم، وعن أبيه الإمام علي عليه السلام ويحذرهم في الوقت نفسه من معصية الله عز وجل، كاشفا خطر خلافة يزيد على العقيدة، وانحرافها عن مصادر الشريعة بتبنيها لمواقف الأهواء، ليغادر مكة يوم التروية حال إحرامه مغادرا الحرم مصرحا: “أخشى أن تغتالني عصبة الخلافة لأني لم أبايع فتهتك بي حرمة الحرم ولان اقتل خارجا منه بشبر أحب إلي من أن اقتل داخلا بشبر”.
ليعود الحجيج بعد ذلك ناقلا أخبار ثورته المباركة إلى مبلغ الخف والحافر ليسمع الناس في بقاع الأرض بمنهج ثورته ملقيا بذلك الحجة على الخلق داعيا الأمة إلى تحقيق ذاتها التي أباحها الشارع لها عبر حركة التصحيح التي أرادها الإمام الحسين
لاشك أن القيمة الفعلية لثورة أبي عبد الله الحسين عليه السلام تتمثل في ذلك الإخلاص العميق لأصالة الرسالة، وللقيم الأخلاقية وللمثل العليا التي دعت إليها الشريعة، فحتى والإمام الحسين في أحرج لحظات حركته المباركة لم يتخل عن المفاهيم الرسالية.
والخلق النبيل الذي يظهر في مشاركته الماء لجيش السلطة بقيادة الحر الرياحي قبل انتقال الأخير إلى مسار الحسين عليه السلام، وفي عدم رغبته ببدء الحرب قبل أن يبدأها الطرف الأخر إتماما للحجة، واستمرارا في عملية التبليغ الرسالي عبر الخطب المستمرة له، ولصحابته الكرام، من هنا تتجلى قيمة ثورة الإمام الحسين عليه السلام، ليس فقط باعتبارها انتصارا للشريعة على المسار المنحرف، وليس بكونها مدرسة أعادت ترتيب الفهم الإنساني لعلاقة الإنسان بالوجود من منطلق إيماني، ولكن بكونها وضعت الإنسان أمام اكتشاف قدراته على القيام بعملية التغيير في إيقاعات ظروف يحسبها البعض غير صالحة أو مستحيلة.
تمكن الإمام الحسين من تعليم الإنسان إعادة اكتشاف ذاته، وتطوير مدركاته بكل ما يتعلق بمفهوم استمراره الحضاري لتحقيق المثل العليا، مؤكدا بذلك على أهمية الإنسان كصانع للتاريخ، وليس كحالة خارجية تتكئ على التاريخ في تحركها من دون أن تتمثل العلاقة بين الفرد والعقيدة من جهة وبينه والقيم العليا من جهة أخرى.

الصفحة (4)

كربلاء ،، والمسؤلية التاريخية للأمة..

إنّ حادثة كربلاء الفريدة في التاريخ والمتميزة بمضامينها ودلالاتها تفرض التأمل والتدبر في كلّ مفرداتها. فالمأساة التي حصلت تستدعي حشداً كبيراً من الأسئلة هي بحاجة لأجوبة شافية بغية الوصول إلى مستوى متقدم من الإدراك لما حصل يقارب الإصابة في استجلاء الهدف الذي أراد الإمام الحسين (ع) تحقيقه، وهو الإمام المعصوم الذي واجه الأحداث وأقدم على فعل الجهاد والاستشهاد بطريقة لم يشهد التاريخ لها مثيلًا حين اجتمع في تلك البقعة الطاهرة مع أهل بيته من النساء والأبناء والأطفال ومع الثلة الطاهرة من الأصحاب الأوفياء الذي بذلوا المهج واستبسلوا في الدفاع عن قضية أعطوها كلّ وجودهم بسخاء وطمأنينة. فكما يسجل التاريخ أن هؤلاء الأصحاب كانوا من أفضل أهل زمانهم إيماناً وعلماً وشجاعة ولم يكونوا مورد تهمة فإنّ الناس يعرفون جيداً أنّ الذي يقود هذا الجمع هو ابن بنت رسول الله (ص) وأفضلهم على الإطلاق … ومع هذا كله فقد ظلم وحوصر وقتل وسبيت نساؤه وشُرّد أطفاله على يد طغمة لئيمة يعرف الناس أيضاً منبتها وأصولها وفسادها، قد يتصور المرء أنّ هناك انحرافاً يحصل وهذا أمر طبيعي في تجربة الأمم والشعوب أو ظلماً يمارس في حقّ فئة من الناس تسلب حقوقها وتهدر كراماتها أما أن يصل المر إلى مستوى ما حصل في كربلاء فإنّه غير طبيعي أبداً وينمّ عن حالة من الانحطاط كبيرة جداً تكشف عن درجة متهاوية في العقيدة والفكر والممارسة.
صحيح أنّ ثورة كربلاء هي ضرورة لا بدّ منها لإصلاح الأمة وتصويب مسارها وأنّ الإمام الحسين (ع) خرج لطلب الإصلاح في أمة جده (ص) حيث أننا لو افترضنا أنّ وضع الناس كان مغايراً هل كان يحصل ما حصل، وهذا يرشد إلى ضرورة البحث عن مسؤولية الأمة والناس وبشكل أعمق عن الأسباب التي أدت إلى هذا الخيار التعيس للناس وهنا لا ينبغي أن نعتبر أن الناس وأهل الكوفة تحديداً الذين كانوا هم مورد الامتحان مباشرةً قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه دفعة واحدة من دون مقدمات بل نعتقد أنّ هناك أسباباً فكرية وسياسية وعملية أوصلت الأمور إلى مرحلة حدوث الفاجعة الذي يكشف عن خلل رهيب في ضوابط حفظ الأمة الإسلامية التي أرساها النبي الأكرم (ص) وفي الحقيقة فإنّ الإمام الحسين (ع) بشهادته وفعله أعاد للأمة توازنها وأحيا ضوابطها ودفع عنها خطر الزوال والاندثار لتبقى الأمة خير الأمم من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وبذل في سبيل ذلك أغلى الأثمان.
أما ما هي الأسباب التي أدت إلى هذه النتائج فمن المعلوم تاريخياً أن المجتمع الذي حصلت فيه وصدرت عنه مأساة كربلاء هو مجتمع إسلامي الهوية من حيث الشكل والانتماء وحتى استخدام المصطلحات فالحاكم يسمونه خليفة المسلمين والقاضي يحكم باسم الشريعة والناس تتوافد إلى المساجد في عباداتها وتظهر في علاقاتها الاجتماعية مفاهيم الإسلام وتعلم أجيالها القرآن وتعاليمه.
إذن فالمشهد الخارجي لهذا المجتمع هو الإسلام، لكن المجتمع الإسلامي يقوم على دعائم ومرتكزات وأهمها هو الجانب العقائدي الذي يترجم في القلب إيماناً وفي المسلك أخلاقاً وفي السياسة حكماً بما أنزل الله من عدل وإنصاف وانتصار لقضايا الحق وما شاكل..ولو سألنا أنفسنا اليوم هل يوجد من يقبل المقارنة بين أمير المؤمنين ومعاوية؟ بالتأكيد لن نجد ،، لكن الناس آنذاك قبلوا المقارنة كواقع سياسي بغض النظر عن ما حوته قلوبهم، وهنا نعود إلى السبب الأعمق وهو مستوى الإيمان عند الناس والصدق في تجسيد هذا الإيمان الذي يحدّد لهم مرجعية الأمور حين الشبهات كما حصل مع الإمام علي (ع) حينما خاطب أحدهم قائلًا له: (إعرف الحق تعرف أهله إنّ الحق لا يعرف بالرجال)، لكن الزيغ الذي يطرأ على القلب نتيجة الموقف الخاطئ‏ الناشئ من جبن أو ضعف أو الغروق في الرذيلة الذي يؤدي إلى اختلال في معرفة الحق أو في اتباعه على افتراض معرفته، هذا مضافاً إلى تتالي الضربات المعنوية التي وجهت للناس بفعل الأحداث والتلاعب بالحقائق فتقطعت أوصال الناس وأصبح المجتمع الإسلامي مفكّكاً بما يشبه العودة إلى تصنيفات قبل الإسلام فأهل الشام لهم رؤيتهم الخاصة وأهل المدينة في شأن وأهل الكوفة في حال آخر وهكذا … إلى أن وصل الأمر إلى مرحلة تنصيب يزيد نفسه حاكماً على المسلمين معتمداً على خلفية اجتماعية سيئة وواقع متردٍ اختلطت فيه الأفكار والمفاهيم والرؤى وحتّى العقائدية منها.
إنّ أيّ مجتمع هو عرضة للانحرافات إلّا أنّ الذي أرشد إليه رسول الله (ص) عبر أحاديث مستفيضة هو ضرورة تبني الخيار الذي أراده الله تعالى للأمة في تبعية القائد والولي حتّى لا تضل ولأجل هذا كان غدير خم وكان الاهتمام المباشر من شخص رسول الله (ص) في هذا الشأن حتى تكون الحجة بالغة وتامة والناس بعدئذٍ يختارون طريقهم ويحددون مواقعهم في الابتلاءات فمن يستمسك بالعروة الوثقى وحبل الله المتين يكتب لنفسه النجاة ولأمته الصلاح وحينما تهتـز هـذه القناعة عنــد النــاس تصبح الأمة مكشوفة فــي خضـم الأحداث والابتلاءات بل قد يصل الأمر بالبعض أن يعتبر أن وجود حاكم كيزيد هو أمر عادي وفي أحسن الأحوال لا شأن له به وربما أسّس البعض لمنطق التفريق بين الحاكم والولي المقصود في نص رسول الله (ص) فيصبح الولي هو من تجب محبته واحترامه والحاكم هو من تجب طاعته بغض النظر عن صفاته وشأنه!! ومن الطبيعي أن فهماً من هذا القبيل لا يحصل دفعةً واحدة بل بفعل تراكم الأحداث وتداخل المفاهيم الخاطئة التي سرت إلى العقول ولم يجدوا فيها غضاضة أو معارضة للإسلام وبدأوا بالانكفاء والتراجع تحت عناوين مختلفة ومبرّرات متعدّدة دخلت فيها المصالح الشخصية والعشائرية والقومية وما شاكل حتّى أعتبر البعض أن الصراع بين الإمام الحسين (ع) ويزيد هو صراع على السلطة بين الطالبيين والأمويين أو بين شخصين يعتقد كلّ واحد منهما الحق إلى جانبه فحينئذٍ يفترض أن يكون الموقف في هكذا قضية هو الأوفق بالمصلحة الخاصة مع التسليم المسبق عند البعض الآخر أنّ القلوب مع الحسين (ع) من ناحية القناعة أو العاطفة أو النسب إلّا أنّ السيوف مع يزيد لأنّ السيف موقف والموقف هو وليد المصلحة الخاصّة وهذا عين الانحراف، وبكلمة واحدة حينما تصبح المقاييس في الموقف السياسي نابعة من هكذا خلفيات يعني ذلك النكوص والرجوع إلى منطق الجاهلية بعيداً عن الإسلام ومبادئه في أخطر قضية وهي الحكومة.
وهنا نشير إلى أنّ سياسة الترغيب والترهيب التي استخدمها ابن زياد فعلت فعلها في مجتمع أهل الكوفة المنهك بفعل أحداث التاريخ والذي امتلك خصائص ومواصفات جعلته يسقط في الامتحان وبالتالي لم يمتلك القدرة الكافية لمواجهة الأساليب الأموية وهذا بنفسه يكشف أيضاً عن ضعف في الإيمان والولاء.
” قلوبهم معك وسيوفهم عليك”، فلم تصل درجة الولاء عندهم إلى حمل السيف للدفاع عن معتقدهم بل سرعان ما انقلبوا إلى الجهة المعاكسة أو المحايدة حينما هددت مصالحهم وحياتهم وهذا يؤكد هشاشة الخلفية التي اعتمد عليها هؤلاء القوم في بعث الكتب والرسل للإمام الحسين (ع) يطلبون منه القدوم إليهم وربما كانت دعواتهم هذه نابعة من مصالح خاصة بهم حيث يعلمون أنّ حكم بين أمية ليس في صالحهم على أي حال فقد يعوض لهم الحسين (ع) بعض ما فقدوه من خلال الظلم والحيف الذي يلاقونه أو قد يصلون إلى مآرب خاصة يطمحون إليها حتّى إذا ما تضاربت مصالحهم مع دعوة الحسين (ع) تركوه وحيداً وتفرقوا عنه وأصبحوا فريسة سهلة المنال بيد الدعاية الإعلامية المضادة فما أسرعهم إلى التشكيك والتخاذل وهذا نفس ما آلم أمير المؤمنين (ع) حيث كان يبين لهم تعجبه من تفرقهم عن حقهم واجتماع عدوهم على باطله.
وفي الخلاصة أنّ هذا الواقع السي‏ء الذي تجمع من خلال تراكمات مختلفة ودواع شتى أوجد أرضية خصبة للانحراف والتخاذل عن الإمام الحسين (ع) وبالتالي أفقد الأمة أحد أهم شرائط التغيير الذي يعتمد على فعل الناس” إنّ الله لا يغير ما بقوم حتّى يغيروا ما بأنفسهم” فكان البديل هو النهج الحسيني لحفظ الدين والأمة وتخليد الاستشهاد طريقاً لإنقاذ المبادئ والقيم.
ومن خلال ما ذكر تتضح المسؤولية الكبرى الملقاة على المسلمين في الانقياد للولاية وفي غير ذلك فهم مسؤولون أمام الله والتاريخ عن أيّة ثلمة تصيب الإسلام والأمة فكيف الحال إذا كانت بحجم مأساة كربلاء.
” أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين”.

فِدَاءً لمثواك..

الشاعر الكبير /
محمد مهدي الجواهري