1

إمام العدالة شهيدٌ في محرابها

تصدر عن تنظيم مستقبل العدالة
العدد الأول
رمضان 1434هجري – 2013 ميلادي

shahid_mihrab_imam_ali_ibn_abi_talib_by_mustafa20-d59ug4u

الصفحة(1)

إمام العدالة شهيدٌ في محرابها…

إنه ألم ممض لأننا اليوم نحتاج إلى معرفة (علي)، ومجتمعنا يحتاج إلى معرفة (علي) قبل أي قصيدة شعر تنظم في تبجيله وتعداد مناقبه وقبل كل مديح وتكريم وتعظيم أعمى..إننا اليوم بحاجة إلى معرفته قبل كل شيء حتى قبل محبته.. حب (علي) بلا معرفة لا يعدو أن يكون كحب جميع الأمم لأبطالها.. فما قيمة حب (علي) و(علي) مجهول.. المعرفة هي التي تقود الإنسان إلى شواطئ النجاة والسعادة.
أين مدرسة علي الفكرية؟! أين رؤية علي الكونية؟! أين أسلوب علي وسلوكه؟! أين وعي الفكر عند (علي) وروحه العميقة في دلالاتها والشاملة في أبعادها؟!
– لو عرض (علي) على ضمائر المسحوقين في البشرية :
لو قريء إيمان (علي) وإسلامه القائم على العدل والإمامة وفهم من خلال وجه علي الناصع ونهجه القويم , ولو عرض هذا الدين بسماته ومزاياه وخصائصه على ضمائر المسحوقين في البشرية قاطبة وعلى عقول المتنورين في شتى أرجاء العالم ممن قطعوا على أنفسهم عهداً بأن يسخروا خدماتهم الفكرية لصالح أممهم وشعوبهم, ولو حصل كل ذلك فإن كل شيء سوف يتغير بلا ريب لدوّى صدى اسم (علي) في الليل المظلم للقرن الواحد والعشرين وعصف بكل أبراج الجهل والإجرام الخاوية, وزأر كالأسد في غاب البشرية وعلا إلى عباب السماء عاصفة تدك عروش الطغاة والمستبدّين ولعاد نسيماً بارداً يلاعب أغصان الشجر ويثلج صدور طلاب الحقيقة ويبعث في صدروهم الحياة من جديد.
– (علي) مؤسس الوحدة الإسلامية :
على العكس مما هو معروف بين المسلمين فإن علياً كان أول من وضع حجر الأساس وأرسى قواعد الوحدة في المجتمع الإسلامي.. وهو أول من قدم القرابين وضحّى وتحمّل أثقل ضريبة ودفع أبهض الأثمان التي يمكن للإنسـان الراقـــي

السامي بمستوى الكون “فوق البشر” أن يدفعها من أجل الوحدة علي تحمّل كل شيء من أجل تحقيق الوحدة الإسلامية وهو أول من أسسها ودفع الضريبة..وكانت قيمتها غالية عادلت حرمان الناس من حكومته يومها واغتصاب حقه الأكبر في قيادة الأمة .. ولا نجد أبداً في قادة المسلمين وخلفائهم وأئمة الفقه والعلم سابقاً ولاحقاً في أي مذهب من المذاهب الإسلامية قدم كهذا “الثمن من أجل الوحدة الإسلامية.
– معركة (محمد) “ص” معركة (علي) “ع” :
ولقد كانت سيرة علي السياسية والاجتماعية والفكرية بداية نضال جديد هو نضال المؤمنين بالقيم الجديدة والشعارات النبيلة التي رفعها الإسلام ضد الجاهلية الجديدة التي دبت فيها الروح بفعل حرارة النفاق، ودب فيها الحسد الذي اعتمل مجدداً في القلوب فأعلنت حربها الخفية آناً والصريحة في آن آخر على أنصع الوجوه في مسيرة الثورة.
لقد كانت معركة (محمد) صلى الله عليه وآله إحدى مظاهر انتصار الإسلام على الشرك الصريح في الجبهات الخارجية، أما (علي) فكانت مظهــراً من مظاهر الهزيمة

في الجبهة الداخلية.
فقد خاض (علي) حربه ضد الجاهلية المستجدة التي لبست لبوس الإسلام، وضد الشرك الذي اتخذ شكل التوحيد، وضد الوثنية ذات المصاحف المرفوعة على أسنة الرماح، خاضها حرباً طويلة ومريرة، ثم ما لبث أن لقي مصرعه على يد المتطرفين الخوارج الذين كانوا لعبة في يد أعدائهم الأذكياء، إلى أن ضعفت قوى الثورة الحقيقية تحت ضربات الجاهلية الجديدة, واستمرت الأيام تغيّب وجه الثورة الأصيل إلى أن جاء الحسن!!
-إنسانية الامام (علي) :
إن النظرة الإنسانية لدى الإمام علي بمستوى من الوضوح والعمق في كلامه بحيث يعجز عن إدراكه وتصوره من يريد أن ينظر إليه من خلال القيم الإنسانية مجردة عن الدين..
فهو القائل : الناس صنفان “إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”، وكتب إلى أحد عماله يوصيه بأهل الذمة ويقول له: إن هؤلاء لم يكونوا على دينك ولكنهم رعيتك فأعطهم حقوقهم قبل مطالبتهم بها.
– (علي) … النموذج والقدوة المثالية :
إنه إمام.. والإمام يعني القدوة المثالية في جميع أبعاد الفضائل المثالية الرفيعة لدى الإنسان.. وعلى الإنسان أن يصمم
حياته على أساس “المدينة الفاضلة” و “الإنسان السامي ذي الفضائل المطلقة” التي قلما تجتمع في فرد واحد، ولكنها تحققت في”الإمام” فكان “القدوة الطموح”.. السامي .. المثالي .
فعلي نموذجٌ وليس قائداً فحسب.. دليل، مرشد، معلم على الطريق، إمام مبين، والإمام المبين لا يكون قائداً لمجتمع خاص محصور بالحدود الزمانية والمكانية.

في ضيافة الله..

قال تعالى في عدّة آيات من سورة البقرة: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَّعْدُودَات فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّام أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم تَعْلَمُون َ* شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدىً لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَت مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْعَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّام أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
في سياق طرح مجموعة من الأحكام الإِسلامية، تناولت هذه الآيات أحكام واحدة من أهم العبادات، وهي عبادة الصوم، وبلهجة مفعمة بالتأكيد قالت الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
ثم تذكر الآية مباشرة فلسفة هذه العبادة التربوية، في عبارة قليلة الألفاظ، عميقة المحتوى، وتقول: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
نعم، الصوم عامل فعّال لتربية روح التقوى في جميع المجالات والأبعاد، ولما كانت هذه العبادة مقرونة بمعاناة وصبر على ترك اللذائد المادية، وخاصة في فصل الصيف، فانّ الآية طرحت موضوع الصوم بأساليب متنوعة لتهيّء روح الإِنسان لقبول هذا الحكم.
تبتدىء الآية أولا بأُسلوب خطابي وتقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهو نداء يفتح شغاف القلب، ويرفع معنويات الإِنسان، ويشحذ همته، وفيه لذة قال عنها الإِمام الصادق عليه السلام: لَذَّةُ مَا فِي النَّدَاءِ أي يا أيّها الَّذينَ آمَنُوا أَزَالَ تَعْبَ الْعِبَادَةِ وَالعَنَاءِ.
ثمّ تبيّن الآية أن الصوم فريضة كتبت أيضاً على الأُمم السابقة.
ثم تبيّن فلسفة الصوم وما يعود به على الإِنسان من منافع، لتكون هذه العبادة محبوبة ملتصقة بالنفس.
أمّا الآية التالية تتجه أيضاً إلى التخفيف من تعب الصوم وتقول: أَيَّاماً مَعْدُودَات فالفريضة لا تحتل إِلاّ مساحة صغيرة من أيّام السنة.
ثم تقول: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ، فالمريض والمسافر معفيان من الصوم، وعليهما أن يقضيا صومهما في أيّام اُخرى.
ثم تصدر الآية عفواً عن الطّاعنين في السنّ، وعن المرضى الذين لا يرجى شفاؤهم، وترفع عنهم فريضة الصوم ليدفعوا بدلها كفارة، فتقول: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين.
ثم تقول الآية: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ. أي من تطوع للإِطعام أكثر من ذلك فهو خيرٌ له.
وأخيراً تبين الآية حقيقة وهي: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
استدل البعض بهذه الآية على أن الصوم كان في بداية التشريع واجباً تخييرياً، وكان المسلمون مخيرين بين الصوم والفدية، ثم نسخ هذا الحكم بعد أن تعوّد المسلمون على الصوم وأصبح واجباً عينيّاً، ولكن ظاهر الآية يدلّ على تأكيد آخر على فلسفة الصوم، وعلى أن هذه العبادة ـ كسائر العبادات ـ لا تزيد الله عظمة أو جلالا، بل تعود كل فوائدها على النّاس، والشاهد على ذلك ما جاء في القرآن من تعبير مشابه لذلك، كقوله سبحانه بعد ذكر وجوب صلاة الجمعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(الجمعة:9). وقوله تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (العنكبوت) . بهذا تبين أن عبارة وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ موجهة إلى كل الصائمين لا إلى مجموعة خاصة .
وفي آخر الآية إشارة اُخرى إلى فلسفة تشريع الصوم، تقول: يُريدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. فالصوم ـ وإن كان على الظاهر نوعاً من التضييق والتحديد ـ مؤدّاه راحة الإِنسان ونفعه على الصعيدين المادي والمعنوي، ولعل هذه العبارة إشارة إلى أن الأوامر الإِلهية ليست كأوامر الحاكم الظالم، ففي الصوم رخص حيثما كان فيه مشقة على الصائم، لذلك رفع تكليف الصوم ـ على أهميته ـ عن المريض والمسافر والضعيف.
ثم تقول الآية: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ أي يلزم على كل إنسان سليم أن يصوم شهراً، فذلك ضروري لتربية جسمه ونفسه. لذلك وجب على المريض والمسافر أن يقضي ما فاته من شهر رمضان ليكمل العدّة، وحتى الحائض التي أُعفيت من قضاء الصلاة غير معفية عن قضــاء الصــوم.

الصفحة (2)
mHVkW5XEgio0SYwCF2Cz5IX5ss9xYCzl_med

ربيــع القــرآن..

أهم عقبة تعترض طريق الدين وتمنع تفاعله مع الحياة وتحول دون تأثيره في المجتمع هي تجريد الدين من لبابه وانتزاع روحه من ممارساته….
فإن لكل عبادة من عبادات الإسلام ولكل شعيرة من شعائره روحاً عظيمة ومحتوى كبيرا فإذا ما جردت شعائر الإسلام وعباداته من روحها ومحتوياتها وتشبث الناس بالممارسات الفارغة والإطارات الشكلية فان ذلك يعني قتل أهداف الدين وسحق رسالته العظيمة ومنع تفاعله مع الحياة.
ويصبح الدين حينئذ وجود شكلي أجوف لا يقدم للحياة أية خدمة مفيدة، مما يحدث رد فعل ضد الدين لدى أي ملاحظ بسيط حين ينظر إلى الدين كتقاليد عقيمة وعادات بالية ليس لها أي دور في الحياة ولا تقدم أي اثر في المجتمع.
وهذه هي مشكلة الدين في الوقت الحاضر حيث يهتم أغلب المتدينين بمظاهر الدين وشكلياته وممارساته العبادية دون أن ينتبهوا إلى أهداف هذه المظاهر وغايات هذه الممارسات فيحاولون تحقيقها.. ونشأ الجيل الجديد فتعرف على الدين من خلال هذه الممارسات الجوفاء والتي سئمها ومجّها أخيراً واخذ يتجه يمينا ويسارا بحثاً عن أيديولوجية أخرى تتفاعل مع الحياة وتتبنى قضايا الإنسان وتعالج مشاكله.
يقول الأمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام: “ألا وان للإسلام غايات فانتهوا به إلى غاياته”. فالصلاة مثلا عبادة عظيمة تحظى باهتمام خاص من الشريعة الإسلامية، ولكنه ليس المقصود من الصلاة مجرد الحركات والألفاظ بل النفسية الملتزمة التي تزرعها الصلاة في نفس المصلي عن طــريق التفكير والتأمل لأعمال الصــلاة وتلاواتــها، يقول تعالى (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ).
هذا هو هدف الصلاة فإذا أدى المصلي واجبات الصلاة الشكلية، من حركات وألفاظ، ولكنه لم يسمح للصلاة أن تتفاعل في نفسه لتزرع هدفها السامي، فصلاته حينئذ لا قيمة لها، بل هي ويل ووبال عليه، يقول تعالى (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) يعني عن أهداف صلاتهم غافلون.
والصوم له هدف أساسي أيضا وهو تنمية الإرادة وتدريبها عند الإنسان حتى يتمكن من مقاومة الانحراف ويتقي المعاصي. يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي من أجل أن تحصلوا على ملكة التقوى، فإذا امتنع الصائم عن المفطرات دون أن يـراعي هذا الهــدف، كان صيــامه عبثا كما يؤكد الحديث الشريف: ” كم من صـائم ليــس له من صومه إلا جوعه وعطشه”.
والحج هو الآخر شعيرة لها رسالة عظيمة في حياة المجتمع الإسلامي، وآثار فعالة في مختلف جوانب الحياة. يقول الله تعالى (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) اما إذا اقتصر الحج على طقوس ومناسك هي أشبه بالألغاز- حينما تنفصل عن رسالتها- فليس هو ذلك الحج المطلوب من قبل الله وإنما هو حج مزيف، وهكذا كل شعائر الإسلام وعباداته..
وأمامنا في هذا الحديث عبادة مهمة يؤكد عليها الإسلام ويلح في التشجيع عليها وهي تلاوة القرآن الكريم..
(وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون).
(وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن).
(ورتل القرآن ترتيل).
(فاقرأوا ما تيسر من القرآن).
(وقرأنا فرقناه لتقرأه على مكث ونزلناه تنزيلا)
كما تؤكد الرويات ذلك، فعن النبي صلى الله عليه وآله: ” نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن، فإن البيت إذا كثر فيه تلاوة القرآن كثر خيره ومتع أهله، وأضاء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الدنيا “.
كمايقول أيضاً: ” من تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور “.
وعن الإمام الصادق- عليه السلام-” القرآن عهد الله إلى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده وان يقرأ منه في كل يوم خمسين آية”.
ويقول الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: ” لكل شيء ربيع وربيع القرآن شهر رمضان “.
ولكن لماذا كل هذا الاهتمام الذي يوليه الإسلام لتلاوة القرآن؟ ما هو الهدف الذي يكمن وراء هذه العبادة؟ هل هو لمجرد التلاوة تجويداً وتلحينا وخاصة في هذا الشهر الكريم، ولكن هل يعرف الناس جيدا ما هو هدف الإسلام من هذه العبادة؟ وهل يعون هذا الهدف ويحرصون على تحقيقه؟ أم يتعاملون مع هذه العبادة معاملة شكلية سطحية؟ من الملاحظ إن بعض من يقرأ القرآن يقرأه قراءة تجارية على شكل ختمات يأخذ مقابل كل ختمة آجرا وما يهمه من التلاوة ليس إلا إنهاء الختمة لإبراء الذمة واخذ الأجرة حلالا!! وهذا يعد تزييفا للهدف الأساسي من تلاوة القرآن فما هو ذلك الهدف؟.
إن الهدف الرئيسي المتوخى من تلاوة القرآن هو تحقيق الغاية التي أنزل من أجلها فما هي تلك الغاية؟.
إنها أولا: صياغة نفس الإنسان ..

إن كثيرا من الناس يقرؤون القرآن ويطوون صفحاته لكنس رواسب الشر والانحراف ومعالجة أمراض الفساد.. ويؤكد القرآن هذا الهدف بقوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ).
وهدف القرآن ثانيا: بناء المجتمع بناء حضاريا تقدميا سعيدا بكل ما لهذه الكلمات من معنى وهذا لا يتأتى إلا بمكافحة الظلم والظلام ونشر العلم والوعي ليعرف المجتمع الطريق الأفضل للتقدم والحياة، يقول الله تعالى (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
وهدف القرآن ثالثا: تنظيم علاقة الإنسان بالكون والحياة عن طريق اكتشاف قوانين الحياة وسنن الكون والتفكر فيها ومن ثم تفجير ثروات الكون والاستفادة منها.. يقول الله تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ).
وقارئ القرآن يجب إن يجعل هذه الأهداف العظيمة للقرآن نصب عينيه ويتدبر في كل آية يتلوها ليرى أي الأهداف الثلاثة ينصب اهتمامه أو يحاول إن يستنتج منها رؤية أو فكرة ثم يعرض نفسه وسلوكه على رؤية القرآن وفكرته ليتسنى له تغيير نفسه وصياغتها وفق مفاهيم القرآن.
فمثلا، قد يشعر الإنسان من نفسه الرغبة في عدم الإنفاق وبذل المال في سبيل الله بدافع الحرص على الثروة وتوفيرها للفائدة والاستثمار.. وهذا الإنسان حينما يقرأ في سورة آل عمران قوله تعالى (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
حينما يقرأ هذه الآية يجب إن يغير نظرته الخاطئة حول الإنفاق فهو ليس خسارة كما إن الاحتفاظ بالمال والحرص عليه ليس خيراً وربحاً ليبادر إلى الأنفاق ويصمم على الاستمرار في البذل والعطاء.
هذا في مجال الهدف الأول للقرآن،
أما في المجال الثاني فحينما يعيش الإنسان في مجتمع تسرب إليه الفساد والانحراف وغزته تيارات الضلال والجهل وسيطر عليه أهل الظلم والجور فقد يتصور هذا الإنسان إن دوره ينتهي عند حدود نفسه فعليه إن يحافظ على إيمانه وصلاحه ولا يهمه بعد ذلك واقع مجتمعه وأوضاعه.. و يأتي هذا الشخص ليقرأ القرآن فيمر عليه قوله تعالى (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
ويتلو قوله تعالى (كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ).
بعد أن يقرأ الإنسان المؤمن هذه الآيات هل يصح بعد ذلك الاحتفاظ بنظرته الأنانية السابقة إذا كان يعي ما يقرأ؟.
كلا، وإنما يصحح فكرته ويستعد للقيام بدوره في إصلاح المجتمع.
وفي مجال الهدف الثالث أمامنا المثال التالي:
فالعالم الذي يشكك في إمكانية غزو الفضاء ولا يعرف الأخطار والعقبات التي تواجه الرحلة إلى هناك لابد وان يستفيد من القرآن حينما يقرأ قوله تعالى (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض).
وقوله تعالى (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).
وقوله تعالى (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ).
فالآيات تفيد بوضوح إمكانية غزو الفضاء فالله يأمرنا بالنظر إلى ما في السماوات والأرض ولا يتم النظر بشكل صحيح إلا بالسفر إلى هناك، ولا يطلب الله من البشر شيئا تخيلاً. وتقرر الآيات بصراحة أن الكون إنما خلق لأجلنا وأنه بسماواته وأراضيه مسخر لنا فلماذا يستحيل علينا الوصول إلى أعماقه؟ وكيف يتحقق لنا الاستفادة الكاملة منه ما لم نتعرف على مجاهيله؟ وأخيرا فإن القرآن يقدم لنا دعوة مفتوحة لزيارة الفضاء انفذوا في أقطار السماوات….

أعمالكم في محضر الله..

إننا والخلق جميعاً في ميدان الامتحان. ولا يوجد شخص بالغ الرّشد، غير معرّض للاختبار الإلهي، خاصة المسؤولين كلّاً في منصبه، لأن المنصب في حدّ ذاته امتحان لكلّ مسؤول. فرئيس الجمهورية المحترم، امتحانه يتجلّى في رئاسته، ماذا يعمل في منصبه؟ ما هي أفكاره؟ وما هي أخلاقه؟ وكيف يتصرف؟ وكذلك جميع المسؤولين. فهل هذا المقعد مسخّر للإسلام؟ .
وكذلك يُبتلى الموظّفون أيضاً في دوائرهم، وهكذا حرس الثورة الذين تعتبر القدرة التي بأيديهم والسلاح اختباراً لهم. فجميع الذين بأيديهم وسائل الخدمة، فإنّ هذه الوسائل تمثّل ميداناً لاختبارهم. وهي التي تعكس أعمالنا في عالم الآخرة. فانتبهوا إلى ألا تكون أعمالكم يوم القيامة مدعاة للخجل.
– حتّى لا نخجل أمام الله وملائكته :
إن هذه الأمور بأيديكم وكلّ شخص في أي مسؤولية معرّض للامتحان. كيف يتعامل مع من يراجعونه؟ هل هدفه الشيطان أم الله؟ ولا يُستثنى أحدٌ من هذا الامتحان.
الأنبياء كانوا في معرض الامتحان أيضاً. كل من يأتي إلى هذا العالم معرّضٌ للابتلاء، فلا يتصور أن أحداً لا يراه. فالعمل الذي تقومون به يطّلع الله تبارك وتعالى عليه، وملائكة الله تراقبه. يجب أن نفكر في كيفية أداء المسؤولية التي تقع على عاتقنا حتى لا نخجل أمام الله تبارك وتعالى وأنبيائه يوم القيامة، وذلك يتم عندما نؤدي واجباتنا بشكل صحيح، كل في موقعه.
وليفكّر كل واحد في مهامه الموكلة إليه. فلو كان الجميع يرتكبون أعمالاً منكرة، لا سمح الله، فإن عليك أنت أن تقوم بعملك على أحسن وجه ممكن. فلا أحد يتحمل مسؤولية عمل الآخرين، فهو يأمر بالعمل ويراقب ولكن أحداً لا يستطيع أن يدرك عمق أعمالكم ولكنها في محضر الله.
على الجميع أن ينتبه إلى أن الله تبارك وتعالى وملائكته يراقبونه. إن الأمواج التي تنتشر في العالم من أعمالكم سوف تشهد عليكم يوم القيامة. لذا عليكم أن تنتبهوا إلى أن المسؤولية جسيمة وأن الموقع الذي يوجد فيه كل واحد منكم هو مكان امتحان له. فهل هؤلاء الذين يدافعون عن بلادهم يعملون لله أم لأنفسهم؟ فإذا وجدوا في أنفسهم رغبة في التسلط والتحكم ولا يريدون للفئات الأخرى ذلك، فإن عملهم هذا للشيطان، ولا أجر لهم إن استشهدوا. فالعمل يجب أن يكون لله وليس مهمّاً بيد من يتم إنجازه المهم أن يتحقّق لله.
– حبّ النفس يعمي :
إنّ من يشارك في الانتخابات مرشحاً كان أو ناخباً، ومن يمارس دوره في العملية الانتخابية، ومن يقوم بالدعاية لنفسه أو لغيره هو في معرض الاختبار. فإذا كانت الدعاية لأجل الخدمة وتقول في نفسك: “أستطيع أن أقدّم خدمة، لماذا أتنحى جانباً؟” فإذا كان الأمر بهذا النحو فسيكون لله. وقد يخطئ الإنسان في تقديره بسبب حب النفس، لأنه يريد كل شي‏ءٍ لنفسه ولا يمكن منع ذلك إلا بترويض النفس. إن مثل هذا الإنسان، وبسبب حب النفس، يرى الأعمال التي تصدر عنه أو عن المقربين منه جيدة. ولكنها إذا صدرت عن شخص آخر تبدو له سيئة. ولذلك فإن حب النفس يعمي عن رؤية الواقع فلا يستطيع الإنسان التمييز بين الأمور. على الإنسان أن يسأل نفسه حول مدى صدقه في اختياره للمرشح، وهل أنّ ذلك من أجل الله أم لدوافع شخصية. وهذا أمر دقيق قد يخفى على الانسان. وعلى الإخوة والأصدقاء والمسؤولين أن يدققوا في هذه الأمور، ويسألوا أنفسهم لماذا أعمل هذا العمل؟ فإذا كان من أجل دوافع شخصية فليعلم أن القضية شيطانية وليست إلهية.
– اعمل لله ولا تَخَفْ :
إن المخاوف التي تعتري الإنسان من العدو تنجم عن أنه لا يرى إلا نفسه. فإذا رأى الله في الأمر وعلم أنه يعمل لله فلن يخاف، لأن الأمور بيده عز وجل. لا تظنوا أنكم قادرون على شيء. أنتم لا تستطيعون النوم في الليل إذا آذتكم ذبابة، ولن ترتاحوا في الليل والنهار إذا آذتكم بعوضة، وإذا هجم عليكم عنكبوت يتملّككم الخوف، وإذا خطف منكم العصفور شيئاً لن تستطيعوا استعادته، هذا كله عجز وفقر، ودليل على أنّ كل شي‏ءٍ منه سبحانه. إنّ هذا الاستقلال الذي أعطانا الله إياه لم يكن ليحدث لولا لطفه بنا.
– تحمُّل الصعاب يحفظ القيم الإنسانية :
وإذا أراد الانسان أن يحافظ على إنسانيته فلا بد له من أن يتحمل ويصبر. وإذا أردتم حفظ قيمكم الإنسانية فلا بد من دفع الثمن. لا يمكن للإنسان أن يجلس في منزله وتصان قيمه الإنسانية. فمن يجلس في منزله ويعتزل العالم سيتلقى الإساءة ولا يشعر بفقدان إنسانيته.
فإذا كنتم تتطلعون لنصرة الإنسانية، ونيل العزّ والسّؤدد في العالم فإنّه أمرٌ مكلف لا يأتي بالمجان. وإذا كنتم تتطلّعون للتحرّر من هيمنة الآخرين ونيل الاستقلال، فلا بد من التضحية، ولا بد من تحمل تبعاته في الغلاء، والنّقص، والجهاد، والدفاع والاستشهاد. هذه كلّها قيَم إنسانية عمل من أجلها الأنبياء وقُتل بسببها الإمام الحسين عليه السلام، فلو كان عليه السلام هو وأصحابه القلّة قد فكّروا في المشاقّ والصعوبات لما استطاعوا تحقيق ثورة ما زالت آثارها خالدة. ولا يخفى كذلك أنّ العمل عندما يكون لله تهون تبعاته. أرجو أن يوفقكم الله ويهدينا جميعاً سواء السبيل.والسلام عليكم ورحمة الله‏.
* مقتطف من كلمة ألقاها الإمام الخميني

الصفحة (3)

فيها يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (سورة القدر)
صدق الله العليّ العظيم.
إنَّ هذه الليلة، ليلة الثالث والعشرين، هي خاتمة ليالي القدر المباركة. وقد ذكرنا مراراً أن ليلة القدر هي ليلة واحدة في السنة، ولكنها مرددة بين ثلاث ليالٍ. وما يحصل في هذه الليلة المباركة أنّ الله تبارك وتعالى يقضي ويقدّر فيها ما سوف يحدث لسنة كاملة من أحداث فرديّة وجماعيّة، سواء أكانت خيراً أم شراً، حرباً أم سلماً.
– إشباع لروح الإنسان :
ما معنى هذه الليلة؟ وما هي أهميتها؟
إنّ هذه الليلة بالإضافة إلــى كونــهـا تشكِّل المنطلق لتقديــر

الحوادث التي تحصل في العالم والكون عبر سنة بكاملها، تعمل على إشباع الجوع الروحيّ عند الإنسان، ولا نستطيع أن نستوعب ذلك إلّا إذا درسنا بشكل دقيق حاجات الإنسان الروحيَّة. فما هي هذه الحاجات الروحية للإنسان؟ وما هي متطلّبات النفس البشرية؟
إذا فهمنا هذه المتطلبات والحاجات لروح الإنسان ونفسه، نفهم أهمية هذه الليلة الكريمة والعظيمة، إذْ تمرُّ على الإنسان كما نعرف حوادث ومشاكل ومصائب ومصاعب، تملأ نفسه بالأحزان والآلام والمرارات، بحيث يتمنّى أن يعرف ولو شيئاً بسيطاً عن مستقبله، لعلَّه يدرك طبيعة استمرار معاناته، وإمكانية إبعادها عن روحه، ليتخلّص من ضغطها النفسي. وقد يُعبّر المرء عن هذه الحالة بتعابير منحرفة وغير طبيعية.
– ليلة رأس السنة والمستقبل :
أنتم تعرفون جميعاً أن ليلة رأس السنة التي أصبح الاحتفال بها شبه عادة عالمية تشكِّل محطةً يحاول الإنسان من خلالها أن يعرف حظَّه عبر السنة بكاملها، فهل ستكون حياته المرتقبة خيّرة وإيجابية، أم أن مآسيه ومظلوميّته سوف تستمرّ؟ ويحاول هذا الإنسان – ولو من خلال هذه الليلة – أن يتعرّف إلى مستقبله لسنة كاملة، ويحدّد إجراءاته على رأس كل سنة لعلّه يعرف حظّه في السنة القادمة. وقد أخذ الإنسان يعبّر عن هذا الجوع الروحيّ، ولا سيما في أوروبا من خلال مسائل نعتبرها من السخافة بمكان.
وقد يعتمد بعض الناس في الكثير من المسائل على التبصير والتنجيم، حتى يتعرَّف على مستقبله، فهل هو أبيض في هذه السنة أم أسود؟
ومهما كانت هذه التعابير، فهي تحكي عن حالة تعيش في عمق
الإنسان، وكأنّها محاولة للإطلال ولو جزئياً على المستقبل لعلّه يستشف منه شيئاً، أو يتعرّف إلى شيء من أحداثه. وقد حاول القرآن الكريم أن يسدّ هذا الجوع الروحيّ من خلال ليلة واقعية، فجعل هذه الليلة فرصةً يُقضى ويُقدّر فيها كل شيء.
– ليلة القدر :
عندما يعرف الإنسان أنَّ هناك ليلة تتنـزّل فيها الملائكة لتأتمر وتقضي وتقدّر كل ما سيحصل عبر سنة بكاملها، ثم يعرف أنه يستطيع أن يتدخَّل في قرارها من خلال الدعاء والعبادة، فبالتأكيد سوف يرجو الله رجاءً حاراً، ويدعوه دعاء الملتمسين، لعلّه يستطيع أن يغيّر ما يُقضى ويقدّر له.
إنّنا نقرأ في مثل هذه الليلة الدعاء التالي: “اللهم اجعل فيما تقضي وتقدّر من الأمر المحتوم وفيما تفرق من الأمر الحكيم في ليلة القدر من القضاء الذي لا يُردّ ولا يُبدّل أن تكتبني…”1. نحن نطلب من الله طلبات معيّنة، وندعو الملائكة لتسجّل هذه

الطلبات والحاجيات من أجل أن تتحقّق في السنة الآتية: “أن تكتبني من حجاج بيتك الحرام المبرور حجّهم، المشكور سعيهم، المغفور ذنوبهم، المكفّر عنهم سيئاتهم، واجعل فيما تقضي وتقدّر أن تطيل عمري وتوسّع عليّ في رزقي…”.
ثم إنَّ آخر شيء يكتبونه عادة في الدعاء: “وتفعل بي كذا وكذا…”، ومعنى ذلك أن الإنسان يحدّد المسألة التي يُحبها ويُريد من الله تبارك وتعالى أن يحققها له. وانطلاقاً من ذلك، نلاحظ الجانب الروحي في حياة الإنسان، لعلّنا نتوجّه من خلاله إلى معرفة المستقبل والتحكّم بمعطياته.
– الدعاء يدفع البلاء*الأمّة الداعية :
وكما قضى الله تبارك وتعالى بأن يجعل دعاء المؤمن دافعاً للبلاء، ومغيّراً لكل سوء، فكيف بأمّةٍ كبيرة تدعو الله وترجوه؟! من هنا، يجب أن نفهم معنى أن ندعو الله دعاءً جماعياً، فالدعاء الجماعي هو استدرار لرحمة الله من الكبير، والصغير، والمرأة، والعاجز، والعجوز. نحن نؤمن بصلاة اسمها صلاة الاستسقاء. ألا تصل المسألة عندنا إلى حدّ القحط الكامل في حياتنا؟ فكم من مرّة كاد الناس أن يموتوا جوعاً وعطشاً لقلّة المطر والنبات، ولكنهم استطاعوا في جلسة جماعية واحدة أن يستدرّوا رحمة الله، فاستجاب لهم، وأنزل الغيث؟
يستطيع المؤمن من خلال هذه المستحبّات أن يُغيّر الموازين والمعادلات. إنَّ هذه الأمّة الإسلاميّة مضطرّة إلى مسائل كثيرة، ولذلك نحن بحاجة إلى مثل هذه الليالي العظيمة التي يقضي الله فيها ويقدّر كل أمرٍ حكيم، وكل شأن من شؤون الحياة.
اللهم اقضِ لنا، وقدّر لنا ولأمتنا الإسلامية النصر والرحمة والمغفرة، يا أرحم الراحمين.

ضرورة العودة للقرآن الكريم
(خط الدفاع الأول)

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}. صدق الله العليّ العظيم.
عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) قال: “قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، وما حل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفى، فليجل جال بصره، وليبلغ الصفى نظره، ينج من عطب، ويتخلص من نشب، فان التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلص وقلة التربص.”
إن المتتبع اليوم لأحوال المسلمين ليجد الغرابة أشد الغرابة لما آلت إليه أحوال كثير من الناس من التخبط والجهل بأصغر الأمور بدينه و أخرته و لقد وصل بهم الحال للكفر بكل المناديين للإصلاح من هنا وهناك وانعدمت ثقة التابع بالمتبوع وبلغ الناس اليوم مرحلة من الجوع الروحي ما لم تبلغه الإنسانية في أحقاب سابقة.
هذا يقدم فتوى وهذا يعارضها و ذاك يستحل دماء الناس بلا أدنى بينة تستدعي إزهاق أرواحهم وذاك يسب هذا ويشتم ذاك وهذا كذلك يفعل وووووو …….. من الأمثلة التي نراها اليوم و تعتصر قلوبنا من هذا الجهل التراكمي المركب .
في ظل هذا التخبط تأتي الحاجة لإيجاد حلول قد تساعدنا لإنقاذ أنفسنا من هذا المأزق الذي لا محالة يؤدي بالأغلبية إلى حالة سلبية و ينتهي بنا إلى غضب من الله عز وجل لا سمح الله و أطرح هذا التساؤل :
هل أستطيع كشخص من العامة إنقاذ نفسي من هذا التخبط ؟؟؟؟؟!!!!!!
أو هل أستطيع أن أهيئ نفسي و أكون خط دفاع لنفسي تصطدم به كل هذه المتناقضات ؟؟؟؟؟!!!!
الجواب هو نعم نستطيع ذلك ……… و لكن كيف ؟؟؟
ما يتوجب علينا في مثل هذا التخبط الذي نعيش فيه هو أن نحصن أنفسنا و خلق خط دفاع أول محيط بعقولنا وهذا الخط بكل بساطة نستطيع أن نبنيه من القرآن الكريم.
سيسأل أحدهم كيف ؟؟؟؟
ألم نقرأ في القرآن الكريم أية يقول فيها عز و جل (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون)َ (99)النحل.
هلا ركزنا قليلا على كلمة قرأت القرآن أعتقد أنها لا تعني تلاوة !!!!! بمعنى وببساطة وبدون الخوض في المعاني و ترجماتها دعونا نكون عاميين معناها أذا أردت أن تفهم فأقرأ لا تتلو بمعنى أدق أقرأ بتمعن وبدون إخراج صوت إذا جاز التعبير، بهذه الطريقة سنقرأ الحكمة الإلهية وكيف يجب أن نكون ومتى وأين وكيف (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
سنقرأ أن خط الدفاع الأول يجب أن نصنعه نحن من أنفسنا و في عقولنا ألم نقرأ في كتاب الله (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون)َ (38) الأنعام
لم يفرط ربنا في شيء في كتابه ألا يكفينا هذا حافز للعودة إليه ، إن القارئ للقران الكريم بالشكل الذي طرحه و بينه رب العزة لكفيل أن يصنع خط دفاع أول تصطدم فيه كل المتناقضات مهما كان مصدرها العقائدي أو الفكري لأنها وببساطة ستكون في ميزان كلام الله.
لا أقول أن نهمش السنة النبوية لا بل أقول هو عين اتباع الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله حين قال فيما معنى الحديث ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله ، وما لم يتوافق مع كتاب الله فارموه عرض الحائط، لأننا بعد أن نقرأ القرآن بالشكل الذي يجب لا يمكن أن نقبل حديث يتعارض مع كتاب الله.
وأختم أننا في وقت نحن أحوج منه مما مضى لإعادة القرآن الكريم ليحتل مكانته بيننا وفي عقولنا حتى تكون انطلاقتنا دائما ربانية ولا ولن يستطيع أي شخص مهما كان توجهه أو منطقيته أن يهدم خط الدفاع هذا الذي سيحمي العقل من الانحرافات الفكرية أو المذهبية.
وقد يقول البعض كلام جميل ولكن كيف أبدأ …..أقول له استعذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ،، وافتح المصحف وإبداء بالقراءة واخلُ بنفسك وقت قرآته….. والسلام .

الصفحة (4)
yoom_alquds

شمس العدالة ستشرق من فلسطين

الكل يبحث عنها صاعدة من الارض أو نازلةً من السماء …..
الكل متلهف إلى رؤيتها بل والاغتراف من معين زلالها ……
يالله ما أشد ظمأ و شوق العالم إليها ولا سيما المستضعفون …..
اسمها سحر الألباب ومعناها أسر القلوب وفي سبيلها تبذل الأرواح رخيصة ولؤدها قطعت الرقاب وأسيلت الدماء.
القدس اليوم عنوانها وكدح الأنبياء وإيذاء الطغاة لهم وترويع وتشريد الأولياء والمصلحين وإراقة وسفك دمائهم من قابيل وبنيه

فزرعوا الغـدة الســرطانيــة في ثراها كي يصرفوا الأفئدة عن مهواها ويتيه الباحثون عنها في صحاري الظلم والفساد االمقفرة واستخدموا كل الوسائــــل الممكنة والمستحيلة ترغيــباً وترهيبــــاً وكادوا أن ينجحوا في زمن تاه العرب والمسلمون ووجـــدوا أنفسهم في صحراء قاحلة فخدع بعضهم بسراب الشرق الزائف والبعض الآخر هرول نحو سراب الغرب الخادع الماكر في هـــذا الوقت الحســاس والحرج جــاء رجــل من أعمـــاق التاريخ وأغـــوار الــزمن لابساً عبــاءة المصطفى مازجاً الماضي بالحاضر ومفجراً كوثــر جــده من
جديد بعد ظمئٍ أصاب الأرواح والأجساد كما فجر عبدالمطلب زمـــزم جـــده بعد عطش وأحيا مكة وما حولها مؤذناً بولادة باني صرح العدالة النبي الأكرم (ص).
جاء ليوجه الأفئدة والأنظار نحو قبلة العدالة فكان إعـلان يوم القــدس العالمي يوم للعدالة والحرية للقدس وإرجاع هويتها التي هي هوية المستضعفين والمعذبين والمحرومين إذ أنها ميدان الصراع الحقيقي والمحرومين بين العدل والظلم والحــق والباطــل

نبراسِ العدالة وبابِها الذي قال (والله لو أعطيت الأقاليم السبعة وما فوقهن وما تحتهن على أن أعصي الله فـــي نملة أسلبــها جلــب شعيرة ما فعلت) صاحب ذلك النهــج الـــذي تنفح ثنايا سطوره بنسائــم وأريج العـــدل.
إنه علي الذي وقف طيلة حياته في وجه المستغلين الذين أرادوا أن يستعبدوا البشر فكان شهيد محراب العدالة شهيد ليلة القدر والتي هي ليلة حفيده ولي الله الأعظــم من سيمــلأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلــماً وجــوراً يكشــف الله به الغمــة عــن هــذه الأمــة.

القدس في زمن الربيع العربي

اختلف وضع القدس وفلسطين كلها بعد أن قامت ثورات في بلاد عربية، ولا تزال الثورات تفعل فعلها، فقد زادت القدس قوة وصلابة في مواجهة الاحتلال، وتضاعف الأمل لديها في اقتراب موعد إجلاء الاحتلال وإنهائه.
وفي الوقت نفسه تغير وضع الكيان الصهيوني كذلك من الاستقواء على القدس وغزة وفلسطين، والانفراد بها في حالة صمت من أنظمة عربية خائنة عميلة متواطئة، وأحيانا كانت هذه الأنظمة، بل كثيرا ما تشارك في القتل والتدمير … تغير وضع هذا الكيان إلى كيان متوتر خائف وجل مرتجف متطلع إلى الإبقاء على السلام، ومحافظة دول الربيع العربي عليه، والحذر كل الحذر من إيقاع أي ضرر فضلا عن التقتيل والتدمير الواسع على أهل غزة والقدس وفلسطين كلها، والذي كانت تمارسه من قبل دون أي حذر أو حساب، بل بمباركة من الأنظمة المتواطئة التي ثارت عليها الشعوب وأزالت كراسيها.
إن حركة التاريخ اليوم تتحول إلى صالح القدس والقضية الفلسطينية بفعل الشعوب التي كسرت قيد الخوف وخرجت عن صمتها الطويل فثارت وأزاحت الأنظمة الظالمة الطاغية المتواطئة التي تلطخت أيديها بدماء الفلسطينيين على مر عقود من الزمان؛ فضلا عن دماء شعوبها، وتقف حركته (التاريخ) ضد الكيان الصهيوني الغاصب باستقواءاته وإطلاق يده في التوسع الاستيـطاني، فالرسم البياني لأهل فلسطين اليوم في صعود، وللكيــان الصهيــوني فــي هبوط دائم، وهذه سنة التاريخ دائما في الاحتلال والمحتلين، وفي الظلم والظالمين، وكذلك مع أهل الجهاد والمقاومة وأصحاب الحق والعدل والخير والجمال.
يخبرنا التاريخ أنه لا استقرار لأي محتل، ولا بقاء مؤبد لأي استعمار، إنما يظل فترة ينهب الخيرات، ويجرف الأرض وينتهك العرض، ويسجن ويعتقل، ثم في النهاية يخضع لإرادة الشعوب المقاومة والمجاهدة، فتنكسر إرادته على صلابة الإرادة الشعبية المجاهدة التي لا تستسلم ولا تتراجع رغم الدماء والأشلاء والشهداء؛ لأن هذا يزيدها قوة على قوة، وعزيمة على عزيمة، وإرادة على إرادة، وتقدما في طريق التحرير والإجلاء حتى يتم استرداد الأرض ودحر المحتلين الغاصبين.
واجبنا اليوم يتركز في استكمال الثورات التي قامت في دول الربيع العربي، والحرص على أن تحقق كل ثورة غاياتها ومقاصدها، فلو حققت الثورة في مصر أهدافها جميعا، وكذلك في ليبيا وتونس واليمن والبحرين، فإن هذا يمهد إلى إقامة قوة عربية إسلامية ضاربة يكون لها السيادة على العالم، ويتحول العالم الثالث إلى العالم الأول، وتخضع الدول التي لم تقم فيها ثورات إلى الإصلاح والتغيير الناجز رغما عن أنظمتها إن لم تقم فيها ثورات، حتى تستطيع أن تتلاءم وتتجارى مع السياق العربي العام في هذا العالم الجديد.
ولكي يتـــم ذلك فإنه يحــتاج لجهود ضخمة مــن الجـهات جميـــعا، من تيـــارات إسلامية وقومية وشعبية وجماهيرية في محاولة لمحاصرة الأنظمة القديمة حتــى تخضــــع وتستسلم للواقـــع المفروض بفعـــل الضغوط الشعبية التي قامت وتقوم ضد هذه الأنظمة الطاغية لاول مرة.
كــما يحتاج إلى تغيير منظوم الإعلام بتنوعاته واختلافاته، وهــذا يحتاج لحـــــزم فــي المعــاملة، في المواجهة حــتى لا تتحول آمــال التغيير إلى صيحة فــي واد أو نفخة في رماد.
يحتاج كذلك إلى جهود العلماء الصادقين والدعاة الربانيين الـــذين تلتـــــف حولهم الجماهير، وتنتــظر كلمتهم الشعوب، ويؤثرون في الجميع تأثيرا واضحا، توجيها وترشيدا وعملا متواصلا وسعيا دؤوبا.
إن تحريــر فلسطين (التـــي يــــراد لهـا اليــوم أن تنحصر في غزة أو القدس أو الأقصى) لن يأتي بالمقــاومة الداخلية فقـــط، وإنما بالتركيـــز علــــى تقوية بــــلاد الربــيــع العربي واستكمال أهداف ثوراتها، ونشر العـــدل فيـــها، والـحـــرص علــــى صنـــــع ســـلامة للنسيـــج الوطني بهـــا، عندئذ لــــن نكــــون في حاجة كبيــــرة للمقــــاومة الـــداخليـــة فــــي إنهــاء وإجـــلاء الكيــــان الصهيــونــي، لأنه سيرحل تلقائيا، حيـــث سيصبـــح كالكُلْية الفاســـدة فــــي الجسد الصــالح الــــذي سيلفظها ولــــن يتقبلـــها، لأنهـــا لا تلائمه، ولا تصـــلح لـــه، ولــــن تعمــل معه: “وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا”.


في القدس ….

الشاعر الفلسطيني : تميم البرغوثي

مَرَرْنا عَلــى دارِ الحبيب فرَدَّنا
عَنِ الدارِ قانونُ الأعادي وسورُها
فَقُلْتُ لنفســي رُبما هِيَ نِعْمَةٌ
فماذا تَرَى في القدسِ حينَ تَزُورُها
تَرَى كُلَّ ما لا تستطيعُ احتِمالَهُ
إذا ما بَدَتْ من جَانِبِ الدَّرْبِ دورُها
وما كلُّ نفسٍ حينَ تَلْقَى حَبِيبَها تُـسَرُّ
ولا كُلُّ الغـِيابِ يُضِيرُها
فإن سـرَّها قبلَ الفِراقِ لِقاؤُه
فليسَ بمأمـونٍ عليها سـرُورُها
متى تُبْصِرِ القدسَ العتيقةَ مَرَّةً
فسوفَ تراها العَيْنُ حَيْثُ تُدِيرُها
يا كاتبَ التاريخِ مَهْلاً، فالمدينةُ دهرُها دهرانِ
دهر أجنبي مطمئنٌ لا يغيرُ خطوَه وكأنَّه يمشي خلالَ النومْ
وهناك دهرٌ، كامنٌ متلثمٌ يمشي بلا صوتٍ حِذار القومْ
والقدس تعرف نفسها..
إسأل هناك الخلق يدْلُلْكَ الجميعُ
فكلُّ شيء في المدينة
ذو لسانٍ، حين تَسأَلُهُ، يُبينْ
في القدس يزدادُ الهلالُ تقوساً مثلَ الجنينْ
حَدْباً على أشباهه فوقَ القبابِ
تَطَوَّرَتْ ما بَيْنَهم عَبْرَ السنينَ عِلاقةُ الأَبِ بالبَنينْ
في القدس أبنيةٌ حجارتُها اقتباساتٌ من الإنجيلِ والقرآنْ
في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ،
فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ،
تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء مُلَخَّصَاً فيها
تُدَلِّلُها وَتُدْنِيها
في القدس مدرسةٌ لمملوكٍ أتى مما وراءَ النهرِ،
باعوهُ بسوقِ نِخَاسَةٍ في أصفهانَ لتاجرٍ من أهلِ بغدادٍ
أتى حلباً فخافَ أميرُها من زُرْقَةٍ في عَيْنِهِ اليُسْرَى،
فأعطاهُ لقافلةٍ أتت مصراً
فأصبحَ بعدَ بضعِ سنينَ غَلاَّبَ المغولِ وصاحبَ السلطانْ
في القدس رائحةٌ تُلَخِّصُ بابلاً والهندَ في دكانِ عطارٍ بخانِ الزيتْ
واللهِ رائحةٌ لها لغةٌ سَتَفْهَمُها إذا أصْغَيتْ
وتقولُ لي إذ يطلقونَ قنابل الغاز المسيِّلِ للدموعِ عَلَيَّ
“لا تحفل بهم”
وتفوحُ من بعدِ انحسارِ الغازِ، وَهْيَ تقولُ لي: “أرأيتْ!”
في القدس يرتاحُ التناقضُ، والعجائبُ ليسَ ينكرُها العِبادُ،
كأنها قِطَعُ القِمَاشِ يُقَلِّبُونَ قَدِيمها وَجَدِيدَها،
والمعجزاتُ هناكَ تُلْمَسُ باليَدَيْنْ
في القدس لو صافحتَ شيخاً أو لمستَ بنايةً
لَوَجَدْتَ منقوشاً على كَفَّيكَ نَصَّ قصيدَةٍ
يا بْنَ الكرامِ أو اثْنَتَيْنْ
في القدس، رغمَ تتابعِ النَّكَباتِ، ريحُ براءةٍ في الجوِّ، ريحُ طُفُولَةٍ،
فَتَرى الحمامَ يَطِيرُ يُعلِنُ دَوْلَةً في الريحِ بَيْنَ رَصَاصَتَيْنْ
في القدس تنتظمُ القبورُ، كأنهنَّ سطورُ تاريخِ المدينةِ
والكتابُ ترابُها
الكل مرُّوا من هُنا
فالقدسُ تقبلُ من أتاها كافراً أو مؤمنا
أُمرر بها واقرأ شواهدَها بكلِّ لغاتِ أهلِ الأرضِ
فيها الزنجُ والإفرنجُ والقِفْجَاقُ والصِّقْلابُ والبُشْنَاقُ
والتتارُ والأتراكُ، أهلُ الله والهلاك، والفقراءُ والملاك، والفجارُ والنساكُ، فيها كلُّ من وطئَ الثَّرى
كانوا الهوامشَ في الكتابِ فأصبحوا نَصَّ المدينةِ قبلنا
يا كاتب التاريخِ ماذا جَدَّ فاستثنيتنا
يا شيخُ فلتُعِدِ الكتابةَ والقراءةَ مرةً أخرى، أراك لَحَنْتْ
العين تُغْمِضُ، ثمَّ تنظُرُ، سائقُ السيارةِ الصفراءِ، مالَ بنا شَمالاً نائياً عن بابها والقدس صارت خلفنا
والعينُ تبصرُها بمرآةِ اليمينِ،
تَغَيَّرَتْ ألوانُها في الشمسِ، مِنْ قبلِ الغيابْ
إذ فاجَأَتْني بسمةٌ لم أدْرِ كيفَ تَسَلَّلَتْ للوَجْهِ
قالت لي وقد أَمْعَنْتُ ما أَمْعنْتْ
يا أيها الباكي وراءَ السورِ، أحمقُ أَنْتْ؟
أَجُنِنْتْ؟
لا تبكِ عينُكَ أيها المنسيُّ من متنِ الكتابْ
لا تبكِ عينُكَ أيها العَرَبِيُّ واعلمْ أنَّهُ
في القدسِ من في القدسِ لكنْ
لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْت.