1

الفتن الطائفية هدم للأوطان

تصدر عن تنظيم مستقبل العدالة
العدد الثاني
شوال 1434هجري – 2013 ميلادي

الصفحة (1)

لا للطائفية 0

الفتن الطائفية هدم للأوطان …

الاختلاف والتنوع أياً كان نوعه الطائفي هو سنة إنسانية عرفها المجتمع البشري منذ فجره الأول. ولأن البشر خلقوا على حرية الانتماء لما يختارونه من الأديان والمذاهب، عرف المجتمع البشري الوحدة والاختلاف في الانتماءات الدينية والمذهبية. وقد أدَّت الوحدة في الانتماء للدين والمذهب بما تتضمنه من الاشتراك في الخصوصيات الدينية، إلى تأطُّر الأتباع بإطار اجتماعي خاص، وهكذا تشكَّلت في المجتمع البشري الطوائف الدينية والمذهبية المتعددة.
وليست مشكلة البشر في اختلاف الطوائف الدينية، فالاختلاف الديني والمذهبي بما هو مظهرٌ للحرية الفكرية والدينية، وبما يفرزه من تعددية دينية ومذهبية في مكونات المجتمع البشري بطبيعته، لا يقتضي صراع الطوائف واحترابها من أجله. إلا أن حاكمية الجشع وسيطرة الأنانيات ومع بروز المدارس التكفيرية وترابط المصالح السياسية بالدينية والعكس، أضحى التمييز والصراع بناءً على معيار الطائفية وعلى أساسه تم صياغة محاور الصراع السياسي بحسب ما يخدم أجندات دولية وإقليمية خاصة.
والطائفية كبناء يتأسس على ما يلي:
1- العقلية الإقصائية:
التي تقوم علىتقديس الانتماء الديني والمذهبي،وتمتهن الكذب والتضليل والافتراء على المذاهب الأخرى والإساءة إليها واحتقار مقدساتها وإهدار حقوق الاخرين وتكفيرهم .
2 – علماء السوء وحب السلطة والمال:
إن إرادة العلو وحب السلطة والرئاسة هي الخلفية الحقيقية التي تدفع علماء السوء لافتعال الصراعات الطائفية.
كما أن العلاقـة بيـن علمـاء السـوء والنظـام الطـاغوتي قائمة على تبادل المصالح. ولذا نجد أن تقديم السحرة الدعم والتأييد والولاء للنظام الطاغوتي الفرعوني كان مشروطاً بالأجر، قال تعالى : * ( وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، ويمثل تعرُّض عرش الطاغوت إلى الاهتزاز في الأزمات السياسية فرصة استثنائية لعلماء السوء للوصول إلى أطماعهم في التقرُّب من بلاط السلطة.
حيث يكمن دور علماء السوء الأساس في الصراعات الطائفية في التضليل وصرف الرأي العام واستعمال سلطة العلم والدين في التزييف وتغيير الآراء والقناعات بحسب شهوة السلطان. ولذلك نجد علماء البلاط اليوم يستخدمون سلاح التكفير والإفتاء ونشر العصبية وثقافة الكراهية لتحقيق الأجندة السياسية الخاصة للأنظمة الحاكمة
3- الطاغوت السياسي واستغلال الدين:
إن الطاغوت قد يواجه من عصبته من يخالفه في اللجؤ إلى القمع وسفك الدماء والفتك بالمعارضة، فتعبير الآية الكريمة على لسان فرعون: (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) يظهر إرادته في توظيف الدين من أجل تحقيق عدة امور ومنها :
أ – الشحن المذهبي والتعبئة الطائفية، ومن الواضح أن فرعون لم يكن حريصاًً على الدين، ولكنه أراد من خلال إظهار حرصه الكاذب على الدين استثمار العصبية الطائفية عند قومه وتأجيج مشاعرهم.
ب – تبرير القمع والإرهاب الدموي، والذي غالباً ما يلجأ إليه الطغاة قبل كل هجمة عسكرية. حيث يستخدمهــا كغطاء دينيليمارس بطشه وإرهابه على كل من يهدد عرش السلطة.
جـ – الاستقطاب: تلعب الطائفية دوراً حيويًّا في الاستقطاب،من خلال إثارة الحمية والعصبية للانتماء الديني.
د – التفريق: الطائفية هي السلاح الذي يُمكِّنهم من عزل من يصارعهم أو يزاحمهم على مواقعهم وامتيازاتهم الذاتية من خلال إعادة إشعال نار الحقد والكراهية المدفونة تحت الرماد.
وإشغال الأمة عن المعارضة السياسية بالسجالات البينية والصراعات الجانبية، حيث يصنع الطاغوت لكل طائفة عدوًّا من الطوائف الأخرى تنشغل بالصراع والسجال معه.
موقف الإسلام من الطائفية :
1- شرع الله سبحانه للبشرية ما يُوحِّدهم ويُجنِّبهم الخلاف والصراع ،فالدين ينشد توحيد المجتمع البشري على القيم الانسانية والمبادئ الإلهية وينبذ الاختلاف فيه وتفرُّق أتباعه إلى طوائف متصارعة ومتناحرة.
2- ولآن حالة الطائفية هي في المقام الأول مشكلة نفسية مردُّها إلى عقدة الأنا وحب العلو التي هي منشأ الظلم والبغي والحسد والتجاوز على الآخر، وهذا ما يشير له قوله تعالى(وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ).
– إن الإسلام كفل للآخر المُختلف حرية الاعتقاد،: (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ).
– إن الإسلام لا يُمارس دور الوصاية مع المُخالفين له في الدين والاعتقاد، وإنما يُرجئ محاسبتهم إلى الله سبحانه وهكذا يؤسس القرآن ركائز الاستقرار والتعايش بين الفرقاء في الدين والمذهب على أساس العدالة والحرية وعدم التغاضي عن المشتركات الدينية والإنسانية.

مصير
يمنكم
ومستقبل أبنائكم بأيديكم

ما يحدث اليوم يؤكد بأن البلاد تعيش حالة الانقسام النفسي والمجتمعي في أعلى درجاته .
وهذا نتيجة طبيعية لسلوكيات النظام السياسي العنصرية والمناطقية والمذهبية والتراكمية البغيضة والسيئة،فالمنابر التحريضية التي استخدمها النظام من دينية وتعليمية وإعلامية وسياسية والخطاب الموجه ضمن سياسة ممنهجة ومنحرفة غرست ثقافة الكراهية والعنف والحقد في نفوس الناس وفي وعيهم وعقلهم الباطن.
حتى وصل الأمر أن أصبح القتل على الهوية جزء من الحياة اليومية لليمنيين،الأمر الذي فتك بالنسيج الاجتماعي اليمني،ودمر روابط الأخوة والمحبة والمواطنة بين الناس ،وجعلهم يتمحورون حول ما يفرقهم عن بعضهم البعض، أكثر مما يندفعون نحو التعاون والتكامل و التلاحم والتوحد والالتفاف حول الثوابت والقيم التي نؤمن بها جميعاً ،، مثل هذا الانفصام النفسي والمجتمعي لا يؤسس لوحدة، ولا يحفظ وحدة،بل يؤسس لانقسام ونزاع وحرب وانفراط لعقد البلد والدولة،كماهو حاصل اليوم.
و في هذه الحالة يصبح الانقسام السياسي تحصيل حاصل ونتيجة طبيعية لهذا الانقسام النفسي والمجتمعي.
ومثل هذا الأمر لا يمكن علاجه بقرارات سياسية ترقيعية ولا حتى بالحروب، إنما بتعزيز الوحدة النفسية بين أبناء المجتمع بمختلف مكوناته،حين يشعر ويؤمن الجميع بأنهم مواطنون في دولة واحدة ومجتمع واحد، وحين يؤمنون بالانتماء إلى هذه الدولة والوطن والمجتمع.
وخصوصاً أننا نعتقد بدين الإسلام الذي جعل من العرب وكل من آمن به من القوميات الأخرى أمةً إسلامية واحدة على أساس التوحيد والقيم السامية.
وكان من أبلغ ما قاله القرآن الكريم في هذا الصدد: (إنما المؤمنون أخوة)،صانعاً بذلك مجتمعاً إسلامياً مرتكزاً على أخوة الإيمان والثوابت الإنسانية المشتركة.
ولذلك فإن الإيمان بالقيم السامية والثوابت الأخلاقية هو أساس الوحدة النفسية بين أبناء المجتمع بمختلف انتماءاته وتوجهاته واتجاهاته الفكرية والمذهبية والمناطقية والسياسية فهذه ليست سوى انتماءات فرعية لا ينبغي لها ان تكون فوق الانتماء الأكبر، وهو الانتماء إلى الوطن الواحد ضمن عقد اجتماعي يكفل حياة إنسانية وكريمة تحمي الجميع وتحفظ حقوق الجميع.
ولابد من تعزيز هذا الشعور النفسي بالوحدة، الشعور القائم على أساس الإيمان باليمن وطناً نهائياً لكل يمني ينتمي إلى تراب وهوية هذا الوطن، والجميع مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات.
ولذلك فالمسؤولية يتحملها كل يمني عاقل وغيور وحريص على حاضره ومستقبل أبنائه أن يسعى إلى العمل الجاد في سبيل نزع فتيل الفتنة ونشر ثقافة الأخوة والمحبة والقبول بالآخر والاعتراف بجميع حقوقه الإنسانية والعقدية والفكرية والمدنية والسياسية.
ولذلك لا يصح أن ندفن رؤوسنا في التراب ولا نكتفي أيضا بالشعارات البراقة والخطب السياسية التي تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية ولذلك لابد من أن يقترن ذلك بأفعال تقرب بين النفوس،وتؤسس لاندماج مجتمعي حقيقي بين أبناء اليمن.
ولا يتحقق الاندماج المجتمعي والتقارب النفسي إلا بأفعال مدروسة وخطط طويلة الأمد تغطي مساحات واسعة من حياة الإنسان اليمني ونشاطه ابتداء من سنوات عمره الأولى مرورا بكل مراحل الدراسة ولا تنتهي بدخوله المجتمع فردا منتجا عاملا وربما مسئولا عن قطاع من الدولة والمجتمع، صغر أو كبر هذا القطاع.
الجميع يتحمل المسؤولية ،جميع شرائح ودوائر المجتمع من البيت والعائلة وصولا إلى أعلى الهرم في هذا البلد.
وتتحمل المؤسسات التعليمية والمنابر الثقافية ووسائل الإعلام ودور العبادة وعلماء الدين ومنظمات المجتمع المدني القسط الأكبر في تحقيق ذلك،فمصير بلدكم ومستقبل أبنائكم بأيديكم أنتم ورهن إراداتكم أنتم أيها اليمنيون.

الصفحة (2)
al_imam_jafar_sadeq_by_mustafa20-d5dz6rp

الإمام جعفر الصادق (ع )
والدور الريادي في قيادة الأمة

كانت الفترة التي عاشها الإمام جعفر الصادق (ع) من أشد وأقسى الفترات التي مرت بها الأمة الإسلامية.
فهي الفترة التي كانت ما بين شيخوخة الدولة الأموية وطفولة الدولة العباسية.
إذ شهدت تلك الفترة إضافة إلى انتقال السلطة بالسيف من الأمويين المتجبرين إلى العباسيين المتسلطين الكثير من الفتن والحركات السياسية وتنازع الأهواء واضطراب الأفكار وظهور البدع وتلاطم الأمواج الظلم والإرهاب، وقد لقي الإمام الصادق (ع) من هاتين الحكومتين الجائرتين الكثير من الظلم والاضطهاد والتعسف فكان عرضة للأخطار من قبل الخلفاء الأمويين والعباسيين على السواء لما يتمتع به من مؤهلات علمية وفكرية وأخلاقية تتجه إليها الأنظار وتهفو لها القلوب وهذا بحد ذاته يشكل مصدر قلق للحكام المتغطرسين، فواجه(ع) الكثير من المشاكل والمصاعب من قبلهم إضافة إلى تعرضه للأذى من قبل المتزلفين لهم من الجلاوزة الذين يكيدون لآل محمد ويتربصون بهم الدوائر ويحيكون لهم الدسائس وهو (ع) في عصره عميد البيت النبوي وسيد الشجرة الهاشمية والمبرز من آل محمد.
فقد ولد الإمام الصادق (ع) في عهد عبد الملك بن مروان بن الحكم ثم عايش الوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز, ويزيد بن عبد الملك ، وهشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ومروان الحمار, حتى سقوط الحكم الأموي (سنة 132هـ)، ثم آلت الخلافة إلى بني العباس فعاصر من خلفائهم أبا العباس السفاح , وشطرا من خلافة أبي جعفر المنصور تقدر بعشر سنوات تقريبا، عاصر الإمام الصادق (ع) كل هذه الأدوار وشاهد بنفسه محنة أهل البيت (ع) وآلام الأمة وآهاتها وشكواها وتململها، إلا انه لم يكن ليملك القدرة على التحرك، ومن التجليات الشخصية في المرحلة التي عاشها الإمام الصادق :
1 ـ إنه كان على قمة الهرم العلمي والاجتماعي وعميد أهل البيت (ع) ومحط أنظار المسلمين، لذا فقد كان تحت الرقابة الأموية والعباسية وملاحقة جواسيس الحكام، يحصون عليه حركاته واتصالاته, مما هدد حركته وحال بينه وبين الإعداد لعمل سياسي ضد الحكام المتعاقبين في عصره.
2 ـ التجربة التاريخية المرة لقيادة أهل البيت (ع) مع جمهور الأمةف، وتيارات الثورات ضد الحكام الأمويين بقيادة الإمام علي (ع) وولده الإمام الحسن (ع) ومن بعدها ثورة الإمام الحسين السبط (ع) وزيد بن علي بن الحسين (ع) نظراً لتخلف الناس عن الرقي إلى المقام السامي والأسلوب الرفيع الذي كان يمارسه أهل البيت (ع) في الوصول إلى الحكم والخلافة,فهم يترفعون عن الغدر والمخاتلة والرشوة…الخ.
وكان خصومهم لا يتركون أسلوباً من الأساليب الموصلة الى الحكم إلا اتبعوه,لذلك كان هذا الفاصل في الفهم وغياب التجانس في الوعي والاستيعاب بين أهل البيت (ع) وجمهور أتباعهم، له الأثر الكبير على المعارك والثورات التي قادها أهل البيت (ع).
ولهذه الأسباب ولغيرها، كان الإمام الصادق (ع) منصرفاً إلى بناء المقاومة بناءاً علمياً وفكرياً وسلوكياً يحمل روح الثورة. ويتضمن بذورها لتنمو بعيدة عن الأنظار وتولد قوة راسخة
فعمل على تربية العلماء والمبلغين والدعاة وجماهير الأمة على مقاطعة الحكام الظلمة، ومقاومتهم عن طريق نشر الوعي العقائدي والسياسي، والتفقه في أحكام الشريعة ومفاهيمها ,ويثبت لهم المعالم والأسس الشرعية الواضحة ويحثهم على مواجهة الظالمين حيث كان يقول لهم (من عذر ظالماً، بظلمه سلط الله عليه من يظلمه، فان دعا لم يستجب له ولم يأجره الله على ظلامته).
و(العـامل بالظلم والمعيــن لـه والراضـي به شركـاء ثلاثتهم ) ..
وقد نالت مدرسة الإمام الصادق شهرة عظيمة لما تمتعت به من حركة علمية وفكرية فكان زعيمها الإمام الفذ يبث من أنواره الإلهية في صدور الطلاب ليوزعوه بدورهم في الأقطار فكان كالشمس تنشر أشعتها في كل مكان وقد أســس الإمــام أول مــدارس الفلسفة فــي الإســـلام فلــم يكــن يحضــــر حلقته العلمية أولئــــك الذيــن أصبحــوا مؤسسي المذاهــب الفقهية فحسب بــــل كــــان يحضرها طـــلاب الفلسـفــة والعــلــوم الأخـــرى كالكيمياء وغيرهــا.
ويعتبر هذا الجانب من أعظم الجوانب وأهم الأدوار التي قام بها (ع) في التاريخ الإسلامي الذي شهد في تلك الفترة الكثير من الأحداث السياسية والتحولات الفكرية فأقام صرحاً فكرياً على قواعد دينية ومناهج علمية في الوقت الذي يواجه سياسة الضغط وحملات العنف ويعالج روح الأمة ويتجه إلى أفكار أبنائها وبقيت مدرسة الإمام (ع) رغم سياسة الأمويين التي حاولت محو هذه المدرسة أعظم جامعة دينية علمية فكرية تمد الأمة بالعلماء الأعلام وتخرج الدعاة إلى الحق.
وقد حفظت لنا مصادر التاريخ صورة لمكانة الإمام الصادق العلمية في عصره ومدى انتشار علمه في الأقطار الإسلامية حتى كان اسمه في الحديث والرواية من إمارات الصحة وعلامات العلم، ففي كل مسجد من مساجد المسلمين راح الرواة المحدثون ينهلون من فيضه وكل يقول حدثني جعفر بن محمد حتى قال احدهم أدركت في جامعة الكوفة تسعمائة شيخ من أهل الدين والورع كلهم يقول حدثني جعفر بن محمد.
بقي الإمام الصادق (ع) زعيماً لهذه المدرسة في عهد العباسيين وبقيت على استقلال نهجها ووضوح مناهجها فكانت قذى في عيون السلطة العباسية كما كانت للسلطة الأموية وبدأ العداء يكبر تدريجيا حتى استعمل في عصر المنصور ثاني الخلفاء العباسي الذي أرسى دعائم ملكه على أشلاء الأبرياء وجعل بينه وبين أي خطر يهدده بحراً من الدماء ولم يكن لتفوته ما لجعفر بن محمد من المنزلة الرفيعة.
أولاً : وضع الإمام عليه السلام تحت الإقامة الجبرية وقد عانى الإمام عليه السلام من هذا الإجراء اشد المعاناة لأنه عليه السلام يعلم المغزى الحقيقي منه ألا وهو حرمان الأمة والقاعدة الموالية من فيوضات علمه ، فبدأ ببث شكواه واحتجاجه على ما حصل له عن طريق الدعاء والتضرع إلى الله سبحانه .
ثانياً : تقريبهم لفقهاء الخط المناوئ لخط أهل البيت عليهم السلام
كان لابد لهم من صرف الناس عن الإمام الصادق عليه السلام فأحدث بنو العباس مذاهبً مغايرة ومناقضة لمذهب أهل البيت عليهم السلام حملوا الناس على اتباعها حتى صارت بمرور الأيام أمراً مسلماً به لا يقبل النقاش ولا الجدال.
ثالثاً : مطاردة أتباعه عليه السلام بتهمة الزندقة فصارت تهمة الزندقة تسير جنباً إلى جنب مع الانتساب إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام.
وكان كل يوم يمر ونظام بني العباس يزداد قلقاً وخوفاً ورعباً من وجود الإمام الصادق (ع )فعمد إلى محاولات عديدة للإيقاع بالإمام وإدانته حتى يتمكن من قتله لكنها كانت تذهب أدراج الرياح.
وأخيراً تمكن من أن يدس له السم فمات (ع) شهيداً عام 148هـ ، فسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد في سبيل الله ورفع كلمة التوحيد عالية ويوم استشهد ويوم يبعث حيا .

التغيير الإجتماعي قراءة قرآن..

التغيير الاجتماعي هو كلّ تحول في البناء الاجتماعي يحصل في فترة من الزمن، سواء أكان تحولاً كليًّا أم جزئيًّا، إيجابيًّا أم سلبيًّا، مقصوداً أم تلقائيًّا، مخططاً أم عشوائيًّا، سريعاً فجائيًّا أم بطيئاً تدريجيًّا، زيادة أم نقصاناً، ارتقاء أم انحداراً، علوًّا أم هبوطاً، تقدماً أم تأخراً..خصائص التغييّر الاجتماعي :
1- ظاهرة عامة:
فالتغييّر الاجتماعي ظاهرة تحدث في قطاع عريض من أفراد المجتمع، ولدى فئات واسعة منه، وتتصف بالانتشار والتوسع، ولا تقتصر على حالات محدودة في بعض الأفراد أو الجماعات.
2- يصيب البناء الاجتماعي:
فهو تحول في بنية المجتمع، لا بنية فرد، ولا يُقال لتحول حصل لدى شخص أو أشخاص قلة أنّه تغيّر اجتماعي.
3- يقاس بفترة زمنية، حتى يمكن معرفته وتقويم آثاره:
فعنصر (الزمن) معيار هام في كشف ما يحصل في المجتمع، فقد نشهد مجتمعاً ما.. وهو مجتمع أمي، أو زراعي، ولكننا نجده قد انتقل الى وضع علمي أو صناعي أفضل .
4- الثبات النسبي (الديمومة والاستمرار):
أي أنّ التغيير الحاصل فيه ليس مؤقتاً أو عرضيًّا أو سريع الزوال، وإنّما يستقر مدة من الزمن بحيث يبدو ذلك فيه ملمحاً بارزاً.
5- الإيجاب والسلب:
ومن خصائص التغييّر الاجتماعي أنّه قد يكون إيجابيًّا (تقدماً وازدهاراً)، وقد يكون سلبيًّا (نكوصاً وانحداراً)، ولا يختصّ التغييّر الاجتماعي بالإيجاب فحسب، أو بالسلب فحسب.
6- التلقائية والقصد:
فالتغييّر الاجتماعي قد يحدث بشكل تلقائي وعفوي، أو بشكل مقصود ومخطط.
*الفرق بين التغيير الاجتماعي والثورة الاجتماعية .
الثورة هي: «التغيير المفاجئ السريع بعيد الأثر في الكيان الاجتماعي لتحطيم استمرار الأحوال القائمة في المجتمع، وذلك بإعادة تنظيم وبناء النظام الاجتماعي جذريًّا». ،، أما التغييّر الاجتماعي فقد يأخذ بالمنهج المفاجئ أو التدريجي، وقد يكون جذريًّا أو ترميميًّا، ومن ثمّ فالثورة نوع من أنواع التغييّر الاجتماعي.
* مواقف الناس تجاه التغيير الاجتماعي
يمكن أن نصنّف مواقف الناس تجاه التغيير إلى ثلاثة:
1ـ الموقف المؤيد (الإيجابي):
وهو موقف يؤمن بالتغيير، ويتقبّله، ويدعمه، ويقوم بالإسهام الفعلي فيه، وتمثله المجتمعات التي تتقبل التغيير قيمةً وفكراً وثقافةً ومنهجاً وطريقةَ حياة، وتقوم بإحلال سبل التغيير فيها، وإعادة ترتيب أوراقها وفق الشكل المناسب للتغيير الجديد.
2ـ الموقف المعارض (السلبي):
وهو موقف يؤمن بعدم التغيير، أو لا يؤمن بالتغيير، ومن ثمّ يعارضه، ويواجهه، ويشحذ قواه للوقوف في وجهه.
3ـ الموقف اللامبالي (السكوني) :
وهو موقف من لا يعنيه تحقيق التغيير ونجاحه، ولا بقاء الصورة المجتمعية المتحققة أو زوالها، ومن ثمّ يقف موقف المتفرج الذي يحمل شعار (الوقوف على التلّ أسلم) ! وتمثله القطاعات الاجتماعية التي لا تحمل همّ المسؤولية والتغيير.
4- موقف القران الكريم
المواقف الثلاثة في القرآن الكريم، يقول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)
فالقرآن الكريم يدعو الناس إلى النهوض لتحمل مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالطرق والوسائل المشروعة وبما ينسجم مع منطق العقل وقوانين التاريخ .
وسنعرض في العدد القادم تفاصيل أكثر في هذا السياق كما سنتعرض إلى معوقات التغيير الاجتماعي والصور والأشكال التي تتخذها عملية التغيير وعناصر المنظومة التغييرية .

الصفحة (3)
تغيير العقلية أولاً ..
إذا وافقنا على تشخيص “الطبيب المختص بالأمراض السياسية” بشأن إصابة العملية السياسية عندنا بالعوق السياسي والاجتماعي ، فإننا يجب أن نقبل بالدعوة إلى إعادة صياغة للعقل المجتمعي برمته ، بشكل يؤدي إلى معالجة هذا العوق الذي هو من عيوب التأسيس الولادية.
وإذا كانت هذه المهمة منوطة بالنخب السياسية والفكرية والاجتماعية التي تتولى زمام الأمور فانه يمكننا القول انه لا أمل بالإصلاح ما لـم تصلح هذه النخب حالها.
ففــاقد الشيء لا يعطيه، وما لــم تصلح أحوالها فــانه لا يمكنها أن تباشر وأن تقـــود عمليــة إصــلاح جـــذرية بنيـــوية ووظيفية للعمليــة التغييـــرية الشـــاملة. وإصـــلاح النخـــب يبـــدأ مــن إصـــلاح العقلية التي تفكــر بهــا، أو نمـــط التفكيــر الذي يتحكــم بتصــــرفـــات ومــــــــواقــف هـــــــذه النخــــــــب. والعلة الكبرى في هذه العقلية أو نمط التفكير تكمن في كونها فئوية، فاغلب النخب في الأعم الأغلب تفكر من منطلق فئوي بحت، وهذا المنطلق ضيق الأفق، قصير المدى، سريع العطب، لا يمكنه إقامة دولة مدنية ديمقراطية على أساس المواطنة.
حين يجلس السياسيون وقادة القوى المختلفة فكرياً ومذهبياً وسياسياً ومناطقياً، جنباً إلى جنب، فإن كل واحد منهم يفكر، بموجب النمط الفئوي بالتفكير، بقومه، أي فئته وطائفته وقوميته، ولا يفكر بمواطنيه اليمنيين كل اليمنيين بغض النظر عن انتمائهم المذهبي أو السياسي المناطقي وهكذاحينما تجتمــع لجنــة المحاصصة ، مثلا، فإنهــا تقـــوم بحســـاب نصيــب كــل مــن هذه القــوى في المناصــب و لكنها لا تحسب عدد الكفاءات الذين يحتلون منصباً بناء على كفاءتهم وقدراتهم وبطريقة شفافة ومنصفة وعادلة.
هذا ينطبق على كل مرافق الدولة ومواقعها ومناصبها ودرجاتها الوظيفية الخاصة والعامة.
لم يسأل احد منهم عن عدد المدراء الذين يحتلون مناصبهم بوصفهم مواطنين أكفاء، مثلاً: حين ترفع مجموعة من الناس قائمة مطالب فإنها تقول بالفم المليان إنها مطالب الحزب الفلاني أو المنطقة الفلانية . وعلى هــذا تأسســت سلطة مرتكزة على مكونــات وقـــوى متصارعة أو متنافسة ولا نتحـــدث عـــن مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. إنها منهجية التمزيق والتفريق والتشظي، وليست منهجية التجميع والتوحيد.
ولذلك فنقطة البدء في العلاج تكمن في التخلي عن هذه العقلية الضيقة، عقلية المكون، والانفتاح على العقلية الأرحب، عقلية المواطنة. ولن يكتب لأي إصلاح النجاح ما لم نستعيد المواطنة كأساس في بناء الدولة. فبالمواطنة وحدها يحصل الإنسان على كافة حقوقه.
كل معيار أخر ينتقص شيئا من هذه الحقوق.
ونتمنى أن يرفع الجميع ويتبنى شعاراً واحداً هو (المواطنة) قولاً وعملاً ….
ما عدا ذلك يعد تفاصيل!!

القيم السائدة

مفهوم الاستخلاف، القيم المتعلقة بعناصر بناء الحضارة الخمسة (الإنسان والطبيعة والزمن والعلم والعمل)، وأخيرا القيم السائدة للفعل الحضاري، هي الطبقات الثلاث التي تؤلف المركب الحضاري لبناء الدولة المدنية الحديثة على أساس المشروع الحضاري القرآني.
تتألف الطبقة الثالثة من مجموعة كبيرة من القيم الحضارية التي أكد القران عليها في آياته الكريمة وبطرق شتى. بعض هذه القيم كان معروفا للناس في عصر النزول، وبعضها كان جديدا عليهم. بعض هذه القيم أصبح من المفردات السائدة والمعروفة في منظومات القيم العالمية الحالية، وبعضها مازال بحاجة إلى عمل من اجل إشاعتها وترسيخها في وعي البشرية.
وفي حال شعوب الأمة اليوم يمكن القول أيضا أن بعض هذه القيم معروف لديها وسائدا فيها وبعضها مازال غريبا ومجهولا ومفقودا. وهو الأمر الذي يجب أن تتصدى له عملية التغيير الاجتماعي على أساس المركب الحضاري القرآني.
في مقدمة هذه القيم العدل، وقد نص القران عليه في الكثير من الآيات مثل قوله تعالى:”إن الله يأمر بالعدل”.
والعدل يتعلق بتوزيع الثروة كما يتعلق بتوفير الفرص. وهناك العدل بالكلام والشهادة. لا يحب الله أن يظلم الإنسان أخاه الإنسان بكلامه ولسانه. لذا حرم الإسلام الكثير من الممارسات التي يقوم بها اللسان مثل الكذب والنميمة والغيبة والبهتان والسباب والشتائم وغير ذلك،ويعالج القران الكريم حالات اللامساواة الطبيعية التي ليس للإنسان دخل فيها عن طريق العدالة الاجتماعية التي تنص في إحدى موادها على انه: “في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم.”
والمساواة قيمة أخرى مشابهة لقيمة العدل مع فرق طفيف. فإذا كان العدل يعني أن يأخذ كل إنسان ما يستحقه، فان المساواة تعني عدم التمييز بين الناس في العطاء لأسباب خارجة عن إطار الحاجة الفعلية. في بعض جوانب العطاء يتعين تطبيق العدل، وفي جوانب أخرى يتعين تطبيق المساواة، لكن المهم ألاّ يشعر الإنسان انه ضحية عملية تميــيز بسبـب اللــون واللغة والـدين والمذهب ومـا شـابـــه. وتشكل الحرية احد أهم معالم الإنسانية. فالإنسان حر مختار مسئول. ولا يجوز مصادرة حرية الإنسان إلا لسبب معقول، مثل أن يكون الحد من الحرية عقوبة على جريمة ارتكبها الإنسان.
وتنبع الحرية في المشروع الحضاري القرآني من مفهوم الاستخلاف بصورة مباشرة.
إذا كيف يجوز لأي إنسان تقييد حرية إنسان أخر جعله الله خليفة له؟
كذلك تنبع الشورى من مفهوم الاستخلاف مباشرة. فبموجب هذا المفهوم يكون كل إنسان سيدا على نفسه، ولا يجوز لأي كان أن يمارس عليه سلطته. إنما يجب أن يكون لكل فرد رأيٍّ في ما يفرض عليه من قوانين وتشريعات. وهذا لا يكون إلا باعتماد مبدأ الشورى الذي يعطي الحق لكل إنسان في أن يعبر عن رأيه.
والتعاون من شروط نجاح العمل الحضاري التاريخي، بداهة أن هذا العمل بحاجة إلى فعل جماعي، ولا يتحقق هذا الفعل دون التعاون الطوعي بين أبناء الجماعة البشرية.
ويشكل الحوار معلما مهما من معالم السلوك الحضاري الذي يدعو إليه القران الكريم. وللحوار قواعد ومبادئ ومنهجيات تساعد على الوصول إلى المشترك وتجنب المختلف وتعزز وحدة المجتمع وتماسكه، دون أن تصادر خصوصياته الفرعية.
والتسامح شرط من شروط الحياة الإنسانية المتحضرة. وينبثق التسامح من حقيقة الاختلاف في الجماعة البشرية، وهو الأمر الذي يجب التعامل معه بانفتاح ومرونة على طريقة تقبل الأخر والقبول به والعيش معه.
ويفتح الانفتاح الحضاري الباب أمام التواصل مع المجتمعات الأخرى والإفادة من منجزاتها الحضارية دون تعصب أو انغلاق.
إلى غير ذلك من القيم الحضارية السائدة التي بشر بها القرآن والتي يتعين على مجتمعنا أن يتمرن عليها إذا كان حريصاً على بناء الدولة المدنية المعاصرة على أساس المشروع الحضاري القرآني.

التخلف العقبة الكبرى

 

يعتبر التخلف العقبة الكبرى تقف أمام تحقيق مشروع الدولة المدنية الحضارية الحديثة.
فالتخلف مركب معقد يتألف من عناصر عدة تتفاعل كلها أو بعضها لتشكل قوى مركزية طاردة لمشروع الدولة الحديثة.
ولهذا من اجل تحقيق مشروع الدولة المدنية الحديثة يتعين ان يكون التحرك على محورين بشكل متزامن .
يستهدف المحور الأول (الايجابي) ، توفير عناصر ومقومات ومستلزمات بناء الدولة؛
ويستهدف المحور الثاني(السلبي) ، التغلب على هذه القوى الطاردة ومعالجتها ومنعها من إعاقة مشروع الدولة.
وفي ما يلي سرد غير حصري لبعض هذه العناصر والقوى السلبية الطاردة:
1- الجمود العقلي .
الذي يحرم الإنسان والمجتمع من القدرة على الإبداع، أو التفاعل مع الأفكار الجديدة، وتفهم الأمور والظواهر بشكل سليم وصحيح.
2- التقاليد البالية .
فهي تمنع الإنسان والمجتمع من تطوير نفسه وابتداع انساق سلوكية فردية أو جماعية جديدة، وتكبله عند الموروث منها.
ويلاحظ أن الدعوات النبوية تركز على هذين الأمرين في بدايات انطلاقاتها، من حيث الدعوة إلى تحرير الفكر والعقل من القيود، وتحرير الفرد والمجتمع من التقاليد البالية، وتدعوهما إلى الحرية الفكرية والعقلية والاجتماعية وإعمال الفكر والعقل في الظواهر الاجتماعية والتاريخية والكونية.
3- الفهم المتخلف للدين .
يشكل الدين قوة فعالة و مؤثرة في حركة الإنسان والمجتمعات، في اغلب بقاع الدنيا، وبخاصة في البلدان الإسلامية.
والدين في الأصل “ثورة ربانية لتحرير الإنسان ، لكنْ هناك احتمال كبير في أن يساء فهم الدين في المجتمع المتخلف، وتظهر تفسيرات وممارسات تنسب إلى الدين، وهي ليست كذلك، لكنها تؤثر سلبيا في حركة المجتمع النهضوية ، وهذا ما يسمى بـ (أسلمة التخلف).
بمعنى ظهور ممارسات يظن الناس أنها من الدين، وهي ليست من الدين، إنما هي جزء من ظاهرة التخلف الحضاري العام.
4- علوية الانتماء إلى المكونات الفرعية الموروثة “الطبيعية أو التكوينية”، وتحولها إلى تشكيلات سياسية تعيق ترسيخ وتوسيع فكرة المواطنة التي تعد شرطا أساسيا من شروط بناء الدولة المدنية الحضارية الحديثة.
في مثل هذه الحالة سوف تكون المكونات وسائط بين الفرد والدولة، التي لا يمكن أن تكون حديثة، الأمر الذي يقصي علاقة ( فرد – دولة) مقابل علاقة (مكون – دولة).
في الدولة المدنية الحديثة لا يتطلب من الفرد التخلي عن هويته أو هوياته الفرعية، لكنها تشترط ألا تكون هذه الهويات من شروط الانتماء إلى الدولة.
5- الأمية الحضارية .
وهذه غير الأمية العادية المعروفة بعدم القدرة على الكتابة والقراءة. الأمية الثانية منسوبة إلى الكتابة بالقلم، ذلك النوع من الكتابة التي كان لنا فخر اكتشافها قبل نحو 5 آلاف سنة. تلك كانت حداثة عصرها.
لكن حداثة اليوم غيرت من معنى الكتابة وصارت مقرونة بالتكنولوجيا. ومن لا يجيد استخدام هذه التقنية موصوف بالأمية الحضارية الجديدة.
الدولة المدنية الحديثة تقوم على العلم الحديث، وباب هذا العلم مواكبة واستخدام التكنولوجيا في احدث تطوراتها.ولا يمكن بناء دولة حديثة في مجتمع أمي بالمعنى الجديد.
6- النظرة الدونية للمرأة تاريخيا.
يُنسب إلى المرأة ولادة المجتمع الزراعي وانتقال البشرية من حالة الصيد والتنقل إلى حالة استقرار الجماعات البشرية وظهور المجتمع البشري. ومازال وضع المرأة وحقوقها وفعاليتها في المجتمع من ظواهر تخلف أو تقدم المجتمع.
في مجتمع يهمش المرأة وينظر إليها نظرة دونية ويعدها فرصة للمتعة الجنسية، في مثل هذا المجتمع لا يمكن حتى التفكير ببناء دولة مدنية حضارية حديثة.
7- النظرة الخاطئة في اعتبار الاختلاف والتنوع في المعتقد والمذهب أو اللون أو الجنس أو العرق امرأ غير مقبولا وغير مستساغاً، حيث يجب أن تتغير هذه النظرة بنظرة إنسانية تعتبر أن هذا الاختلاف والتنوع العقدي والمذهبي والفكري واختلاف اللون والعرق نعمة وسنة كونية يجب المحافظة عليها واستثمارها بالتكامل والتعاون الذي يفضي إلى بناء حياة إنسانية كريمة وبناء مجتمع إنساني سوي ومستقر . (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) .

الصفحة (4)
1080576_205705089598814_487088564_n

الحراك الثوري للشباب العربي بين النجاح والفشل..
تساؤلات كثيــرة بـرزت، مع ولادة ما بات يعرف بـ(ربيع الثورة العربية) حــول طبيعة وحجـم ودور الشبــاب العربــي فيهــا. تصب جميعها في مختبر واحد يبتغي محاولة قراءة وفهم، ليس أحداث الثورة هنا وهناك فقط، بل قراءة ما يصنعه شباب الأمة من تغيير، ومحاولة فهم منطلقات تفجر حالة الثورة عندهم وتفهم أفكارهم وسلوكهم وحقيقة مشاعرهم تجاه محيطهم ومجتمعاتهم، مع تحفظنا على إطلاق اسم (الثورة) على هذا الحراك الواسع. فقد كسر شباب الأمة تلك الصورة النمطية التي سادت العالم العربي والإسلامي خلال العقود الماضية حتى لحظة إطلاق شرارة الحراك التي بدأت من تونس .
وحطَّم جدار الصمت الاجتماعي والخوف فخرج من قمقمه معبراً، لا عن نفسه فحسب، بل معبراً عن أجيال ذهبت وعن أجيال حاضرة، وعن أجيال قادمة تتلمس طريقها نحو المستقبل.
الشباب وطموحات الإصلاح ومحاولات إصلاح الأمة هي مستمرة ولم تتوقف طوال تاريخها. ونعني هنا، الأمتين العربية والإسلامية، تخبو المحاولات وتبرز، تثور وتنام ، تكمن وتظهر هنا وهناك وتنوعت في صورها وأشكالها وأطرها ودرجاتها وان اختلفت في أساليبها وأبعادها الثقافية والدينية والسياسية والإعلامية والاجتماعية والإنسانية ، وجميعها تصب في بوتقة محاولات التغيير والإصلاح. ولا شك أن الشباب عبروا عن طموحاتهم بما يسمى اليوم بـ«ربيع الثورات العربية» من المحيط إلى الخليج، لأنهم يرون ويلمسون، كبقية الشرائح الاجتماعية، ما يحيط بهم من تردٍّ في الأوضاع الاقتصادية كالفساد والتلاعب بثروات الأمة وارتفاع معدلات البطالة وضعف البنية التحتية للتنمية، وتــردٍّ في الأوضــاع

هل ينجح حراك الشباب في إصلاح الأمة؟ السؤال كبير جدًّا، بل هو أكبر من أن يجيب عنه أحد ما. لكننا نجتهد بما نحيط به من علم ودراية من باب محاولة التحليل والتوقع، لا أكثر ولا أقل، لأن العوامل المؤثرة في كل حراك شبابي تختلف من بلد إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر. هناك العوامل الذاتية للحراك، والعوامل المحيطة بالحراك، والعوامل الخارجية، وسنحاول أن نوجز تلك العوامل كي لا نستغرق في الموضوع.
*ينبغي التأكيد على العامل الرباني والغيبي، فبالعلم السياسي والمنطقي والعلمي لا يمكن قبول ما حصل خلال الفترة الأخيرة والتسليـم بـه بعيــداً عـــن الجنبة الغيبـــة لله جـــلّ وعـــلا. فما كان بالتحليل المنطقي والسياسي والاجتماعي مستحيلاً، أمسى اليوم واقعاً. وهذا يدل على وجود إرادة غيبية شاءت حدوث ما حدث. وعليه تبقى التوقعات مفتوحة وقد ينجح حراك الشباب في محاولة إصلاح الأمة، وهو ما يتمناه المؤمنون، وقد لا ينجح لا سمح الله، وهو ما يرجوه الظالمون والمفسدون .
* ومن عوامل نجاح أو فشل الحراك : أما بالمنطق السياسي والعلمي والموضوعي فحراك الشباب معرض للنجاح والفشل وفق العوامل التالية:
أولاً: العوامل الذاتية لحراك الشباب: الشباب قوة محركة بديناميكية عالية للحراك، ولكنها قوة غير كافية بمفردها. وكلما ضعف تفاعل الشارع مع حراك الشباب أو جبن، أو تشبث بالاستسلام للواقع القائم، ضعف عندها الأمل في الإصلاح والتغيير. والعكس يفضي لعكسه، فكلما زاد زخم الشارع بالتضامن مع حراك الشباب بالشجاعة والإقدام، زادت فرص الأمل في نجاح حراك الشباب. من جهة أخرى، لتعـدد الهويــات الفكرية والاجتماعية والدينية أثـر كبيـــر فــــي نجـــاح أو فشـــل الحــــراك الشبابــــي، بينــما وحــــدة الهـــوية لتركيبة الاجتماع السياسي للبلد الواحد تميل بكفة الميـــزان لنجـــــاح الحــراك الشبابي كما حدث في مصر. من جهة ثالثة، هناك ورقة الجيش ودوره في إنجاح أو إفشال حراك الشباب، فعندما يقف الجيش، أو القوات المسلحة، على خط الحياد بين حراك الشباب والنظام تكون النتيجة أقرب للنجاح ،وعندما يقف الجيش على خط الحياد كمراقب للتدخل في اللحظات الحاسمة لصالح التغيير ينجح أيضاً حراك الشباب، بينما التدخل المبكر لصالح النظام كما جرى ويجري في البحرين، وبنسبة ما في اليمن، فإن نجاح حراك الشباب معرض للتعطيل في المرحلة الأولى، وربما يتعرض للفشل أيضاً في المرحلة اللاحقة.
من جهة رابعة، طبيعة النظام الحاكم وسيطرته وقوة تأثيره والمكونات الاجتماعية المتمصلحة من بقائه. فطبيعة النظام الحاكم ومستوى ردة فعله على حراك الشباب ومستوى قدرته على المناورة هي من المؤشرات المهمة لحسم جدل فشل أو نجاح حراك الشباب لإصلاح الأمة.
ثانياً: العوامل المحيطة لحراك الشباب: الشباب عندما ينزلون إلى الشارع ويطالبون بالتغيير والإصلاح، لا يعني ذلك غياباً للتكتلات الداخلية المحيطة بهم والمتغلغلة في المجتمع، كالنخب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والدينية ورجال أعمال فتأثير هؤلاء على حراك الشباب بالنجاح أو الفشل يعتمد على قدرة تحولهم إلى تكتل فاعل يساومون من خلاله على تحديد مستقبل البلاد، أو على مدى قدرة الشباب على التعامل معهم واحتوائهم لصالح التغيير ومدى استجابتهم لذلك.

ثالثاً: العوامل الخارجية لحراك الشباب: يتحرك الشباب بهمة عالية، لكنهم قد لا يحيطون بما يُدار حولهم من محاولات لاستثمار حراكهم من قبل المعادلات الإقليمية والدولية المهتمة ببلادهم. ولكل بلد نسقه الدبلوماسي والسياسي المحيط به خارج حدوده الدولية، فهناك مصالح لبعض الدول والجماعات في البلاد، ويراد لهذه المصالح أن تستمر أو أن تنمو وتكبر، سواء كانت مصالح اقتصادية أو سياسية أو دينية ومذهبية .
فالنسق الدبلوماسي والسياسي في البحرين أفضى لدخول درع الجزيرة، والسياق الدبلوماسي والسياسي لليبيا أفضى لتدخل الناتو وهيئة الأمم المتحدة، والمجال الدبلوماسي والسياسي لليمن أفضى لطرح المبادرة الخليجية لحل الأزمة فيها.
كما ان العامل الدولي وقراره حاضر بقوة في الساحات. وعليه، يكون للعوامل الخارجية دور المرجح لكفة ميزان حراك الشباب نحو النجاح أو الفشل، ولكن منطلق هذا العامل وقوته يتحدد من خلال قوة وضعف العاملين الأول والثاني (العوامل الذاتية والعوامل المحيطة لحراك الشباب).
الأمر المقطوع فيه، أن الأوضاع لن تعود كما كانت عليه قبل الأحداث والتطورات في البلدان التي مر بها قطار الثورات العربية، والتي يمر بها اليوم، أو التي سيمر بها غداً.وعلى ضوء تلك العوامل وتفاعلاتها سيتحدد منسوب التغيير والنجاح أو الفشل لحراك الشارع العربي، ومستوى النتائج سيعتمد على غلبة عامل منها على بقية العوامل، فقد يغلب هذا ذاك فيحدث النجاح أو العكس فيحدث الفشل.

يا مصطفى ….

لشاعر اليمن الكبير المرحوم/ عبد الله البردوني

فليقصفوا، لستَ مقصفْ *** وليعنفوا، أنت أعنفْ
وليحشدوا، أن تدري *** إن المخيفين أخوفْ
أغنى ، ولكن أشقى *** أوهى ، ولكن أجلفْ
أبدى ولكن أخفى *** أخزى ولكن أصلفْ
لهم حديد ونار *** وهم من القش أضعفْ
* * *
يخشون إمكان موتٍ *** وأنت للموت أألفْ
وبالخطورات أغرى *** وبالقرارات أشغفْ
لانهم لهواهم.. *** وأنت بالناس أكلفْ
لذا تلاقي جيوشاً *** من الخواء المزخرفْ
* * *
يجزئون المجزا.. *** يصنفون المصنفْ
يكثفون عليهم.. *** حراسة، أنت أكثفْ
* * *
كفجأة الغيب تهمي *** وكالبراكين تزحفْ
تنثال عيداً، ربيعاً *** تمتد مشتىً ومصيفْ
نسغاً إلى كل جذر *** نبضاً إلى كل معزفْ
* * *
ما قال عنك انتظار *** : هذا انثنى، أو تحرفْ
ماقال نجم: تراخى، *** ماقال فجر: تخلفْ
تسابق الوقت، يعيا *** وأنت لا تتوقفْ
فتسحب الشمس ذيلاً *** وتلبس الليل معطفْ
* * *
أحرجت من قال: غالى *** ومن يقول: تطرفْ
إن التوسط موت *** أقسى، وسموه: ألطفْ
لانهم بالتلهي *** أرضى وللزيف أوصفْ
وعندك الجبن جبن *** مافيه أجفى وأظرفْ
وعندك العار أزرى *** وجهاً، إذا لاح أطرفْ
* * *
يا «مصطفى«: أي سر *** تحت القميص المنتفْ
هل أنت أرهف لمحاً *** لأن عودك أنحفْ؟
أأنت أخصب قلباً *** لان بيتك أعجفْ؟
هل أنت أرغد حلماً *** لان محياك أشظفْ؟
زم أنت بالكل أحفى *** من كل أذكى وأثقفْ؟
من كل نبض تغني *** يبكون «من سب أهيفْ«
إلى المدى أنت أهدى *** وبالسراديب أعرفْ
وبالخيارات أدرى *** وللغربات أكشفْ
وبالمهارات أمضى *** وللملمات أحصفْ
* * *
فلا وراءك ملهى *** ولا أمامك مصرفْ
فلا من البعد تأسى *** ولا على القرب تأسفْ
لان همك أعلى *** لان قصدك أشرفْ
لان صدرك أملى *** لان جيبك أنظفْ
* * *
قد يكسرونك، لكن *** تقوم أقوى وأرهفْ
وهل صعدت جنياً *** إلا لترمى وتقطفْ
* * *
قد يقتلونك، تأتي *** من آخر القتل أعصفْ
لأن جذرك أنمى *** لان مجراك أريفْ
لأن موتك أحيى *** من عمر مليون مترفْ
* * *
فليقذفونك جميعاً *** فأنت وحدك أقذفْ
سيتلفون، ويزكو *** فيك الذي ليس يتلفْ
لأنك الكل فرداً.. *** كيفية، لاتكيفْ..
* * *
يا «مصطفى«، يا كتاباً *** من كل قلب تألفْ
ويازماناً سيأتي *** يمحو الزمان المزيفْ