1

الحج بوابة الوحدة الإسلامية

تصدر عن تنظيم مستقبل العدالة
العدد الثالث
ذو القعدة 1434هجري – 2013 ميلادي

الصفحة (1)

janbozorgi22-04-92-(7)

الحج بوابة الوحدة الإسلامية…

قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم : (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنعام فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، صدق الله العلي العظيم. الحج عبادة عظيمة افترضها الله تبارك وتعالى على المكلفين المستطيعين، وأبان في القرآن الكريم أنّ هذه الفريضة تترتب عليها منافع متعددة وكثيرة، والآية تبين المنافع بشكل عام، ولا تتحدث عن المنافع من ناحية خاصة، والتي ترجع إلى ذات الشخص المؤدي لهذه العبادة ، بل، إنّ هذه العبادة تأخذ مضموناً ومعنى آخر أكثر شمولية. عن إمامنا الصادق عليه السلام يقول فيه: ((إنما فرضت الصلاة وأُمر بالحج لإقامة ذكر الله، فإذا لم يكن في قلبك للمذكور هيبة ولا عظمة فما قيمة ذكركَ)) بمعنى أنّ الحج ترجع فائدته إلى إعطاء طابع لذكر الله يكون مؤدياً للخشية واستشعار عظمة الله تبارك وتعالى، وأما إذا كان الذكر يمثل ألفاظاً لا يدركها الذاكر ولا يعي معناها ولا يستشعر عظمة الباري تبارك وتعالى بها, فما قيمة هذا الذكر ؟
الحكمة من الاختلاف بين الخلق.
إذا أردنا الحديث حول البعد التوحيدي للأمة لا بد أن نوضح الحكمة من وجود الاختلاف بين بني البشر، فالله تبارك وتعالى خلق الخلق, وجعلهم متفاوتين في ألوانهم وأشكالهم وعقولهم وأجسامهم ومناطقهم وقدراتهم ومواهبهم وما إلى ذلك من الأمور، وجعل هذا الاختلاف والتفاوت بين خلقه آية دالة على عظمته، ولكنه لم يُرد من هذا التفاوت أن يصبح عاملاً للتنافر والابتعاد، وإنما أراد منه أن يصل المخلوق إلى إدراك عظمته، ويصل إلى الفهم الدقيق من الهدف و الغاية من الخلق، وأيضاً، يريد الباري تعالى أن يصل المخلوق إلى إدراك أنّ التفاوت بين الخلق هو عامل من عوامل الإثراء والإغناء للخلق، لأنّ الخلق يحتاج بعضه إلى البعض الآخر ولا يستغني أفراده عن بني جنسهم، فإذا تنافروا وابتعدوا، وأصبح الاختلاف طابعاً للخلاف, وبرنامجاً للعمل الذي يُفرّق ولا يُوحّد، فإنه سوف يسبب له عوائق وعقبات تحول دون وصوله إلى مبتغاه، ولا يتحقق له الكمال المنشود في مساره وحياته .
دور الإنسان في رسم مسار الوحدة.
إنّ التوحيد الذي دعا إليه القرآن الإنسانية جمعاء والمسلمين بالخصوص يتقدم دائماً على الوحدة، وبذلك،رسم القرآن مسار التوحيد الذي يوصل إلى الوحدة، ولا نريد بالتوحيد هنا، التوحيد العقدي, بمعنى أن يتفق الجميع في كل خصوصيات التوحيد من ناحية العقيدة، فهذا قد لا يتحصل، ولذلك، أبان النبي صلى الله عليه وآله في بدء رسالته الإطار العام للتوحيد: ((قولوا لا إله إلا الله تفلحوا))، فمن شهد الشهادتين حُقن ماله وحفظ عرضه ودمه، بمعنى أنّ المراد بالتوحيد هو التوحيد العام، أي، الدخول في لا إله إلا الله محمد صلى الله عليه وآله عبد الله ورسوله، والإسلام لا يطلب من المسلمين أكثر من ذلك وبالتالي، فإنّ هذا الإطار العام يُهيئ الأرضية لكل مسلم أن يدخل في هذا البرنامج العام, الذي بدأه بشكله التفصيلي الخليل عليه السلام.
إنّ نبي الله إبراهيم عندما أُمر بإقامة البيت أراد الله تبارك وتعالى منه أن يُطهر البيت، كما أكدت على ذلك الآية السابقة، والتطهير له معنيان، الطهارة من القذارة المادية، والطهارة من القذارة المعنوية، وهذا المعنى أنسب وأقرب لأجواء الآية. فالإنسان إذا أصبح قلبه أسوداً تجاه أخيه الإنسان، ويحمل عليه الحقد والضغينة، وينطلق من خلال الأُطر الضيقة, فهو في أمس الحاجة إلى التطهير، لأنه يتبنى سلوكاً لا يريده التوحيد الإبراهيمي ولا التوحيد المحمدي للمسلم؛ وحتى لغير المسلم، ولكنهما يريدان من الإنسان أن ينطلق بالمعنى الكبير والواسع للتوحيد،
دور الحج في صهر عوامل الاختلاف.
الاختلاف سنة جعلها الله تبارك وتعالى للوصول إلى الإغناء وعدم الفقر والإقناع والجمال، ولكن المهم هو الأسلوب الأمثل لاستثمار عوامل الاختلاف وتحويلها إلى عوامل للاتفاق، كما يريدها الله تبارك وتعالى، كي تصل الإنسانية جمعاء إلى الخير و الرفاه، ولقد أشار القرآن الكريم باقتضابات خاطفة ما ينبغي علينا أن نتجه نحوه ونسير إليه وهو الهدف الرئيس للناس جميعاً، ألا وهو الله تبارك وتعالى، (أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الآمُورُ)(الشورى:53), وإذا كان الاختلاف سُنة طبيعية تُوصِل إلى التكامل، وإذا طرحنا وحدة الإنسانية جمعاء, فمن باب أولى نكون- نحن المسلمين – في وحدة وتوحد، باعتبار أننا نتشهد الشهادتين، فلا بد أن يحترم كل منا الآخر، ولا نجعل من عوامل الاختلاف عوامل للتفرقة والتشرذم، ولننطلق من هذه الآيات التي جاءت لتتحدث عن هذه الفريضة التي يشترك فيها الجميع، ونتوحد في إطارها، فالحج برنامج عملي مشترك لكل مسلم مهما اختلف في عباداته؛ أوفي معاملاته؛ أوفي طرق تفكيره؛ أوفي مساره؛ أو في أي جهة أخرى. والحج باعتباره مؤتمراً سنوياً سوف يصهر من خلال شعائره المقدسة كل هذه الاختلافات في محور توحيدي عام يؤدي إلى الوحدة، وما أروع ما أفاده القرآن في الآية التي ابتدأنا بها الحديث (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ)، هذه الأيام المحددة توصل الإنسانية جمعاء والمسلمين بالخصوص إلى إدراك معنى الذكر المؤدي إلى التوحيد والوحدة .

لنرجم
شياطين العصر

في هذه الايام يتوجّه المؤمنون من كل حدب وصوب نحو بيت الله الحرام في موسم الحج وفي قلوبهم وعقولهم معاني الإيمان والأمل الكبير بالحصول على الثواب والرحمة الإلهية التي ينتظرها ويسعى إليها كل مؤمن ومؤمنة.
إسم الحج، موسم العبادة الذي يحمل الكثير من المعاني والرموز والإشارات التي تبدأ من ترك النبي إبراهيم (ع) لزوجته وطفله في وادٍ غير ذي زرع بلا ناصر ولا معين ولا طعام ولا شراب سوى نفحات من التوكل العابق بأريج التوجه إلى من لا يجوز التوجّه إلَّا إليه، ولتمتدّ رحلة الإيمان إلى الطواف حول البيت والصلاة خلفه والوقوف في عرفات للاعتراف بالذنوب وطلب المغفرة، وصولًا إلى قمة العبادة المتمثّلة بإضافة ركن أساس إلى الإيمان من خلال رفض كل أشكال العبودية لغيره تبارك وتعالى والمتجسّد برجم كل الآلهة المصنوعة بيد الطغاة والجبابرة الذين يريدون للعبادة أن تنحرف عن مسارها الصحيح.فالبراءة من المشركين ورجم الشياطين واحدة من المناسك التي يؤدّيها الحجاج في بيت الله الحرام وهي تعبير عن رجم الشيطان المستولي على قلوب الناس وعقولهم. وإلَّا فما فائدة الحجر وإلقائه على حجر مثله والشيطان قابع في القلب متربّع على عرشه يأمر صاحبه بما يحلو له ويطيب؟!
موسم الحج في هذا العام يكتسب لوناً وبُعداً آخر يميّزه عن سائر الأعوام حيث تكثر فيه شياطين الإنس التي تحتاج معها إلى أحجار أكثر من كل عام وإلى رماةٍ من نوع آخر، ووحدهم الاحرار في عالمنا العربي والاسلامي ابتداءً من شعب ايران المسلم الى فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن والعراق ومصر وتونس والبحرين وفي كل مكان توجد فيه ثورة ومقاومة وممانعة ورفض للهيمنة الصهيوامريكية وعملائهم الاقزام ، نعم هؤلاء الاحرار هم وحدهم من عرفوا كيف يرجموا هذه الشياطين ويلقّنوها درساً في العزَّة والكرامة والإباء الذي استمدّوه من عظمة الإسلام الذي علَّم الإنسان كيف يعيش حراً كريماً أبيّاً.
ونتوجه إلى كل حجاج بيت الله الحرام لنقول: هنيئاً لكم حجّكم وسعيكم وبوركت سواعدكم التي تعصف وتزلزل الأرض تحت أقدام شياطين الإنس.
اجعلوا قلوبكم في الطواف حول بيت الله خالية من غير الله ونزّهوا نفوسكم واقتلعوا جذور الخوف والضعف من قلوبكم، وفي لمسكم للحجر الأسود، بايعوا الله لأن تكونوا أعداءً لأعداء الله ورسوله والصالحين والأحرار، ورافضين لإطاعتهم وعبوديتهم، أيّاً كانوا، وأينما كانوا.
وفي السعي بين «الصفا» و «المروة»، اسعوا بصدق وإخلاص لأن تجدوا المحبوب، فإن وجدتموه تنقطع كل الانشدادات الدنيوية وينقلع كل شك وتردد ويزول كل خوف ورجاء حيواني وتنفصم كل القيود المادية
واتّجهوا إلى «المشعر الحرام» و «عرفات» بشعور وعرفان، وتفكّروا بآيات الله في سكوت وسكون، وفكّروا في إنقاذالمحرومين والمستضعفين من مخالب الاستكبار العالمي .
– الأماني الحقة :
بعد ذلك، إذهبوا إلى «منى» واحصلوا فيها على الأماني الحقّة المتمثلة في تقديم أعزّ ما عندكم قرباناً على طريق المحبوب المطلق. واعلموا أنكم لا تصلون إلى المحبوب المطلق ما لم تجتازوا كل ما تحبونه، وفي ذروته حبّ النفس وما يتبعه من حبّ الدنيا. وفي هذه الحالة، ارجموا الشيطان ليبتعد عنكم، وأعيدوا رجمه في مواضع مختلفة حسب الأوامر الإلهية، كي يهرب الشيطان وجميع أفراخه. إن شرط تحقق الآمال الفطرية والانسانية في كل المناسك والمواقف، هو اجتماع كل المسلمين في هذه المراحل والمواقف ووحدة كلمة جميع الطوائف الإسلامية، دون أن تفرق بينهم اللغة واللون والقبيلة والطائفة والوطن والعصبيات الجاهلية، وشرط ذلك النهوض المنسجم بوجه العدوّ المشترك للأمة جمعاء.
وفي الاخير لا يسعنا الا ان نقول لنتعلّم جميعاً من الحج ومعانيه كيف نحطم الاصنام القابعة في اعماق أنفسنا وكيف نحطم امبراطوريات الشياطين المهيمنة والمستكبرة على عالمنا والعابثة في الارض ظلما وفسادا ، ولنتعلم كيف نتوجه إلى الله ونتوكّل عليه، ونستعين به ، فهو خير ناصر ومعين والسلام .

الصفحة (2)
arafat_1

ذوبان الأنا في النحن

الإنسان في صحراء الذات :
الحج في جوهره عملية ارتقاء الإنسان نحو الله، وهو عرض للتاريخ،، وعرض للوحدة،، وعرض لفلسفة التوحيد، وعرض لعقيدة الإسلام…
إن المسلمين في كل بقاع الأرض يدعون للمشاركة في هذا العرض الجليل ،،، الكل سواسية كأسنان المشط، ليس هناك تمايز على أساس الجنس أو الأصل أو الطبقة الاجتماعية ،،، ووفقــاً لمبــادئ الإسلام فإن الكل يساوي الفرد، والفرد يساوي الكل.
ولو نظرنا مثلاً إلى مفاهيم من قبيل التوحيد … والجهاد والحج … ماذا نجد؟
سنجد أن هذه المفاهيم تشكل الدعائم الأساسية لعقيدة الإسلام وأن هذه المفاهيم الثلاث هي ما تجعل الفرد المسلم حراً وواعياً وكريماً ومسئولاً نحو المجتمع.
ولكن أين تكمن مشكلتنا ؟ …
يقول الإمام أمير المؤمنين (ع) وهو يذكر الحج : {وفرض عليكم حج بيته الحرام الذي جعله قبلة للأنام، ويألهون إليــه ولــوه الحمـا، وجعله سبحـانه علامة لتواضعهــم لعظمته، وإذعانهم لعزته، واختار من خلقه سُمّاعاً أجابوا إليه دعـوته، وصدقوا كلمته، ووقفوا مواقف أنبيائه، وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه، يحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عند موعد مغفرته}.
حياة الإنسان … حياة أشبه ما تكون بقاعة مسرح في روتين الحياة نشاهد تعاقبات الليل والنهار، حيث لا هدف ولا معنى، إن افتقادنا للوجهة الصحيحة يجعل منذ أتينا روحاً ميتة في جسد حي لماذا ؟
لأننا دائماً ما نحاول أن نجعل من هدفنا في الحياة .. الحياة ذاتهـا.
والسـؤال هو : أن يسأل كل واحد … ما العمل ؟ كيف أهي نفسي لأكون فاعلاً ويكون لحياتي معنى وإلتزام؟
لا ريب أن العبادة المصداق الأكبر لتهيئة النفس والضمير، العبادة تجعلك راقياً في أن تنهض و تتحرك بعيداً عن أجوائك الرتيبة.
لذا عليك أن تنطلق أيها الإنسان وتذهب إلى الأرض المقدسة لتلقى الله تحت أديم السماء العامرة بالإلهام، وأخيراً .. ستلقى نفسك .. إن الله ينتظرك هناك في تلك الصحراء .. في ذلك المناخ الروحاني .. واستمع لنداء إبراهيم ابحث عن هاجر هناك … وابحث عن روح الله، لا تبق في خربتك، حرر نفسك من رغباتك وأطماعك التي تنأى بك عن الله ،، وانضم إلى الفوج البشري الخالد المهاجر إلى الله في الحج … ولا تكون مختالاً فخوراً … لأنك ستلقى الله … المشهد أشبه ما يكون بيوم الحساب، استعراض بشري عظيم خاضع لله تعالى، لا أسماء أو أعراف أو مراتب اجتماعية تخرق هذا التضامن العظيم، في هذه الأرض الجرداء القاحلة تتلاشى كل الأمم والعشائر في قبيلة واحدة، ووفد واحد يستقبل القبلة الواحدة، الكل أصبح إنساناً كما خلقه الله، كل (أنا) تموت في أرض الميعاد لتنشأ (نحن) الواحدة أصبحت أمة والأمة هي الواحد، والجميع يشبه الجميع.
ولتستمع إلى النداء .. أيها الإنسان كن حبيباً لله وكن عدواً للشيطان وفي كل نماذجه ..
فـــي ثيــاب إبراهيــــم الخاليــة مـن الألــــوان يولد الإنسان من جديد .. ويبعث من جديد … تذكر هناك حيــاة إبراهيم وحياة هاجر القاسية .. وتذكر الشيطان .. ولكن لمــــاذا ولقــد طــردته مــن قلبـي ؟ …
هــذا صحيح إلا أنه لا ينفك على أن يتربص بك لذلك يأمـــرك الله أن تجــدد عهــدك معه كــل لحــظة .. فكن على حـــذر لأن الشيــــطان والنمــــرود يتربــــــص هــــو وجنـــده بإبــــراهيــــــــم، حســـناً ولكــــن الله موجـــــود.
فلا تخذل نفسك أمام الشيطان … الصراع هو بينك وبين الشيطان … أنت وفي هذا الموضع بالذات تمثل الله في صراعك مع الشيطان … إبراهيــم وكل الأنبياء كانوا يمثلون الله فــي صراعهـم مـــع الشيطـــان .
والآن جاء دورك لتتحمل أعباء مسؤوليتك هذه .. عليك أن تحمل هذه الأمانة.
لقد بدأ الحج .. فسارع إلى الله .. لا تتحدث بصوت مرتفع ولا يكون لحديثك معنى من معاني الدنيا … تخلى عن تجارتك وظيفتك .. وأي حديث يبعدك عن الله لا تقل غير كلمة واحدة فقط … لبيك اللهم لبيك.
ماذا يعني نداء الناس هذا؟
هذا النداء هو أعظم نداء سمعه التاريخ .. هذه الكلمة هي أعظم ثورة تقود الإنسان إلى مواجهة الظالمين … هذا النداء هو استنكار ورفض لكل الطغاة والجائرين .. و أكبر صيحة يتبختر من أجلها أديم الأرض والسماء.
هذه الكلمة تعني تحليق الإنسان لمعراج الملكوت .. إنها سر من أسرار ذلك الإله .. إنها سر إبراهيم الذي انقلبت رؤياه خنجر .. والنار برداً وسلاماً .
إنها سر موسى واستجابة دعاء من كان في ظلمات الحوت إنها سر عيسى وكلمة العذراء البتول ..
إنها سر محمد .. ورسالة التوحيد .. إنها تعني القران ولا شيء غيره.
تخيل وأنت تنادي (لبيك اللهم لبيك) وقـد اقتربت من ذلك الجدار العظيم … الكعبة … تذكر أن روح الله تملأ المكان .. القلوب تخفق .. والأبدان تقشعر من هول الموقف … الكون كله يبدو كالقلب الخافق ..
والله تعالى يتجلى في كل أنحاءه … وأنت لا زلت تردد نداء التوحيد … وأنت تقترب من الكعبة تشعر بالأمان … من أي شيء وكل شيء ..
ما أشر ف موقفك هذا …!! كم أغبطك أيها الحاج ..!!
وأنت تعيش تلك اللحظات مع الله وفي حضرته … في حضرة المضيف صاحب البيت … نداءات تتعالى بينما روحي ترتفع مع تلك النــداءات … وبكـــاء … لا تمسح هــذه الدموع … وتستح من انهمار مياه العين الذلول هذه الدموع أجمل تعبير عن إنسانيتك ..
ابحث عن الله في قلبك .. ابحث عن الله في ذاتك … الله لا يحتاج إلى دليل يدل عليه .. ومتى غاب حتى يحتاج إلى دليل؟؟
هناك شعور يغمرك ويملأ وجدانك بمحبة الله … هناك رجاء وخوف .. حب وإشتياق .. ورحمة وغضب …
المعركة مع الشيطان :
وأنت هنا أيضاً تعيش معركة مع الشيطان .. في جبهة القتال ارمِ الجمرات .. أمامك ثلاثة شياطين على طول طريق الرحلة ارم الأول والثاني واضرب الثالث تهزمهم جميعاً …
واستشعر جيداً أنك إبراهيم الخليل .. ولكن لابد لك من إسماعيل أو قربان .. لتصل إلى مطلق الحرية في التسليم.
التضحية :
الآن وقد أديت المناسك لابد أنك استشعرت العظمة البالغة، لا بد لك من قربان .. فجدك إبراهيم عليه السلام حينما قدم أعز ما يملك قرباناً لله وضحى بإسماعيله … تنفيذاً للأمر الإلهي بان يذبحه .. وعليك كحاج أن تنتبه، فاختبار الله لإبراهيم هو أختبار لك ايضاً فهل ستذبح إسماعيلك ..؟؟ وهل أنت مستعداً للتضحية في سبيل الله في أي زمان ومكان ..؟؟
التضحية بإسماعيل ماهي إلا رمز للتضحية بكل شيء ..
فهو رمز ونموذج وقدوة ومثال … فآن الأوآن أن تكون مستعداً للتضحية بإسماعيلك .. بدنياك .. بمالك .. بجاهك بمركزك الإجتماعي .. نعم .. بكل شيئ.. وستتعرض للإختبار كما تعــرض له إبراهيــم من أجـل الأسمى (الجنة) والوصول إلى الله لتجسد حقيقة العبودية لله تعالى.
وتذكر ذلك العهد الذي قطعته على نفسك .. ولتحرر إنسانك المدفون في أعماقك .. والمقيد بأغلال الغفلة والشهوات .. والذنوب .. وأسوار الأنانية .
ولتـــذوب في بحر الناس .. لتناضل معهم .. ولتحطم الأصنام والطواغيت …
( وَمَنْ يَرْغَب عَنْ مِلَّة إبْرَاهِيم إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسه).

من وصايا
الإمام الخميني ( قدس سره ) للحجاج

dsd

عليكم يا أبناء الأُمّة الأعزاء المجتمعين لأداء مناسك الحجّ في أرض الوحي هذه، أن تستثمروا الفرصة وتفكّروا في الحلّ، وأن تتبادلوا وجهات النظر وتتفاهموا لحلّ مسائل المسلمين المستعصية.
– اعلموا أنّ هذا الاجتماع الكبير الذي يعقد سنوّياً بأمر الله تعالى، في هذه الأرض المقدسة، يفرض عليكم أنتم المسلمين.

ـ أن تبذلوا الجهود على طريق الأهداف الإسلاميّة المقدسة، ومقاصد الشريعة المطهّرة السّامية، وعلى طريق تقدم المسلمين وتعاليهم واتحاد المجتمع الإسلاميّ وتلاحمه ، لتشترك أفكاركم وعزائمكم على طريق الاستقلال واقتلاع جذور سرطان الاستعمار.

– اسمعوا مشاكل الشعوب المسلمة من لسان أهل كل بلد، ولا تألوا جهداً في اتخاذ أيّ إجراء لحلّ مشاكلهم.

– على أهالي كل بَلد أن يشرحوا في هذا الاجتماع المقدس مشاكل شعبهم للمسلمين…

– فكّروا في أمر الفقراء والمساكين في العالم الإسلاميّ.

– ابحثوا عن سبيل لتحرير أرض فلسطين الإسلاميّة من براثن الصهيونية ، العدو اللدود للإسلام والإنسانيّة.

– لا تغفلوا عن مساعدة الرجال المضحّين الذين يناضلون على طريق تحرير فلسطين وعن التعاون معهم.

– على العلماء المشاركين في هذا الاجتماع، من أيّ بلد كانوا، أن يصدروا بعد تبادل وجهات النظر بيانات صريحة واضحة لإيقاظ المسلمين، وأن يوزّعوها في مهبط الوحي بين أبناء الأُمَّة الإسلاميّة، ثم ينشروها في بلدانهم بعد عودتهم.

– وعلى العلماء أيضاً أن يطالبوا زعماء البلدان الإسلاميّة بوضع الإسلام نصبَ أعينهم، ويتجنّبوا الاختلافات، ويبحثوا عن علاج للتخلص من مخالب الاستعمار.

– ولو أنّ زعماء البلدان الإسلاميّة كفّوا عن الاختلافات الداخلية وتفهموا أهداف الإسلام السامية، واتّجهوا نحوها، لما أصبحوا بهذه الحالة أسرى ذليلين بيد الاستعمار. وإنّ اختلافاتهم هذه ، هي التي خلقت مشكلة فلسطين، وتحول دون حلّها.

– أنا أشدُّ على يد أبناء الأُمَّة الإسلاميّة، وأحرار العالم على طريق قطع جذور الاستعمار والمستعمرين، واستقلال البلدان الإسلاميّة وتحطيم قيود الأسر.

– و أسأل الله تعالى أن يدفع عنا شرّ الأنظمة المتجبّرة وأذناب الاستعمار القذرين، و أسأله أن يتقبل منكم أعمالكم ومناسككم.

الصفحة (3)

الحجُّ والسلامُ العالمي
فهمنا أن الحج ثورة كبرى على الظلم ورجم للشياطيين وإسقاطٌ للأصنام وتمردٌ على الجبابرة والفراعنة وهذا لا ينافي كون الحــج دعوة إلى السلام والمحبــة وتعميم الأمـن في كل العالم إذ أن المكــان الــذي تتم فيه هذه الثورة هو مكان للأمن والسلام قال الله تعالى : (وإذ حعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً)
يمثل الحج محوراً مهماً من محاور النهج السلمي للإسلام، بل يمكن عدّه المحور الأساس منها. وتأتي هذه الأهمية المتميزة له من جهتين:
الأولى: أن الحجّ بشعائره، ومناسكه، وأذكاره، يمثل جزءاً مهماً من النظام التربوي والروحي في الإسلام. الامر الذي يمنح الإسلام الفاعلية، والتأثير، والايجابية العملية لمناهجه في هذه الحياة. فأهمية الحج للنهج السلمي في الإسلام جزء من أهمية النظام التربوي والروحي للحياة الإسلامية ككل.
الثانية: أن المغزى السلمي أساس العديد من شعائر الحج ومناسكه، بحيث قد لا نرى قضية إنسانية يخدمها الحج أكثر من قضية السلم، ولا نرى فريضة إسلامية أخرى تخدم قضية السلم أكثر من الحج. وعندما يتّضح ذلك، سيكون بإمكاننا أن نقرّر باطمئنان أن الحــج في بعده السياسي فريضة ذات مفهوم سلمي شديد التركيز.
وهو مفهوم يتكون من عدة أبعاد مهمة في الحج، هي:
أولاً: البعد الزماني:
فالحج فريضة مؤقتة بزمان خاص، وفي شهر خاص، هو شهر ذي الحجة، وهو أحد الأشهر الحرم، ويتوسط شهرين آخرين منها هما ذو القعدة ومحرم، والرابع منها هو شهر رجب، وهي الأشهر التي حرّمت الديانةُ الإبراهيمية القتالَ فيها، وأمضى الإسلامُ حرمتها.
إن تحريم القتال في هذه الأشهر على المسلمين، وإلزامهم قبل غيرهم به، يمثل محاولة رائعة لتجفيف دواعي الحرب، وتنشيط أسباب السلام في المجتمع الإنساني، لفترة زمنية تساوي ثلث السنة، يقضيها المجتمع الإسلامي في عملية تربوية إيجابية، هدفها السلام من خلال جانبين: الأول سلبي: وهو التخلي عن دواعي الحرب. وذلك بتحريمها في هذه الأشهر، والثاني إيجابي: وهو التحلي بروح السلم، واحترام الأمن، وحق الحياة للآخرين، وذلك عبر الأبعاد السلمية الأخرى في الحج الذي تهيمن أجواؤه النفسية الإيجابية على المجتمع الإسلامي كلّه مدة انشغاله بالحج، منذ الأيام الأولى لسفر الحجاج إلى الديار المقدسة، وحتى أيام عودتهم إلى أوطانهم.
إن مبدأ الأشهر الحرم يجسد نزعة سلمية عميقة لا تجعل الإسلام يكتفي من مجتمعه بأن يكون مسالماً ومحافظاً على الأمن فحسب، بل لابد له من أن يكون قدوة وداعية في هذا المجال، انسجاماً مع القاعدة التوحيدية الكبرى التي يقوم عليها هذا المجتمع، والتي تجعله ركيزة السلم في المجتمع الإنساني كلّه، فحيث ينحصر التوحيد الحقيقي بالمجتمع الإسلاميّ يكون هذا المجتمع قاعدة السلم في المجتمع الإنساني.
من هنا فإنّ مبدأ الأشهر الحرم يمثل دعوة إلى إقامة نظام أمني عالمي وما أحرى العالم في هذا اليوم أن يتمثل خطى الإسلام، ويجعل مبدأ الأشهر الحرم قاعدة من قواعد الحياة الدولية فيه، لكي ينعم بالسلم في ثلث حياته، ويوفر على نفسه الإمكانات الجيدة لمعالجة قضايا السلم في الثلثين الآخرين منها.
ثانياً: البعد المكاني:
وترتبط فريضة الحج كذلك بمكان خاص يتّصف بالحرمة والقداسة، وهوالحرم المكي الذي جعلته السماء منطقةً آمنةً منزوعة السلاح، ومعزولةً عن الحروب، قال تعالى : (وإذ حعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً)
فهو قطعة أمن وأمان، لا أنه مكان يتصف بالأمن والأمان فحسب. وهذا من أبلغ التعبير وأدقه. قال تعالى: (فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومَن دخله كان آمناً)
وقد انعكست عليه صفة الأمن نتيجة لعلاقته بالتوحيد، وكونه عاصمته ومركزه في الأرض. وإذا كان البعد الزماني محدّداً من جهة الزمان، ومطلقاً من جهة المكان، فإنّ البعد المكاني بعكسه محدّد من جهة المكان، ومطلق من جهة الزمان. فحرمة الحرم المكي خاصة بأرض معينة، ولكنها ليست خاصة بزمان معين، ويلتقي البعدان عند حلول الأشهر الحرم في الحرم المكي لتتأكد حرمة القتال، وتتعزّز الحاجة إلى السلم، وتأتي فريضة الحج لتزيدهما حرمة وتأكيد السلم، وليبلغ الشعور السلمي في المجتمع المسلم ذروته وأوجه، ويفترق البعدان بعد ذلك في الباقي من أشهر السنة، حيث يجوز القتال في كلّ أرض. وفي الباقي من الكرة الأرضية حيث يجوز القتال في كلّ وقت.وهذا يعني أنّ مبدأ الحرم المكي يمثل دعوة إسلاميّة لقيام نظام عالمي، تتبادل فيه الأطراف الدولية الاحترام لمبدأ الحرم المكي من جهة، ولقيام مجتمع إسلاميّ يقوم بدور القدوة الحسنة في هذا المجال من جهة ثانية.
وقد كان لهذه الدعوة أثر بالغ في الحياة الاجتماعية للمسلمين، فقد كان المرء يرى قاتل أبيه، أو أخيه في الحرم المكي فلا يتّخذ ضدّه إجراءً، مع شدة التزام العرب تقاليد الثأر وهذا ما يمكن عدّه دليلا على إمكان أن يلعب مبدأ الحرم المكي دوراً مماثلا على صعيد الأمن والسلم في العالم.
وما أحوج البشرية في هذا الزمان ـ وفي كلّ زمان ـ إلى بقعة من الأرض تتخذها مركزاً لحل ّالصراعات الدولية المختلفة.
ويعد (إبراهيم الخليل) عليه السلام الذي رفع القواعد من البيت، وطلب من الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يجعل مكة بلداً آمناً قبل أربعة آلاف سنة ـ يعدّ المؤسس الأوّل لهذه الفكرة. قال تعالى:(وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام).
ثالثاً: البعد التوحيدي العرفاني:
إنّ البعد التوحيدي والعرفاني هو البعد الأرسخ في الحج، إذ ليس الحج في الجانب الأوضح منه إلاّ كتلة متماسكة من الممارسات والشعائر، التي تكرس عقيدة التوحيد في شخصية المسلم فالطواف، والسعي، ورمي الجمار، وغير ذلك من واجبات الحج وشعائره، كلٌّ ذات مفهوم توحيدي خالص، الغرض منها تركيز الحسّ التوحيدي عند الإنسان المسلم.
وقد عرفنا فيما سبق أن التوحيد عقيدة ذات مضمون سلمي لأنها تزرع السلم حقيقة في داخل الإنسان، وتشيعه نهجاً في حياته الاجتماعية، لذلك كان السلام اسماً من أسماء الله، واسماً من أسماء الجنّة، وشعاراً للمؤمنين في دار الدنياودار الآخرة. كما أنّه الشعار الذي يهتف به المسلم من أعماقه في كلّ يوم خمس مرّات في خاتمة صلواته الخمس، حيث يسلم أولاً على النبيّ قائلا: السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، ليؤكّد بقاءَه مؤمناً بهذا النبيّ، ولن يكون محارباً له، ويسلّم ثانياً على نفسه، وعلى المؤمنين، فيقول: السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فالسلام الاجتماعي يبدأ من السلام الداخلي للإنسان. ثمّ يؤكد السلام العام مرّة ثالثة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ولقد كان الحج فريضة بدأ تشريعها منذ النبوة الإبراهيمية التي وظفت بشكل خاص لإرساء قواعد التوحيد وترسيخها في الأرض، ولم تنشغل بقضية أخرى كانشغالها بهذه القضية. والأديان التوحيدية الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلام إنّما تنهل من انجازات تلك النبوّة المباركة التي كان لها الفضل المشهود على كلّ موحّد.
وإذا كانت تلك النبوّة قد ربطت بين التوحيد والحج من جهة، فإنّها ربطت من جهة أخرى بين التوحيد والأمن. فقدنقل القرآن الكريم على لسان إبراهيم عليه السلام دعاءَه إلى الله ـ سبحانه ـ قائلا : (وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا البلد
آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام )
وهكذا فإنّ الحرم المكي يمثل الرمز المشترك لكلّ من التوحيد والأمن.فإنّ هذه الشعيرة التي تكرس العبودية المطلقة لله ـ سبحانه وتعالى ـ والخضوع له، تلغي ذلك المحور (الطغيان والتجبر) أيضاً، لأنّ السعي مذلة للطغاةوالجبابرة، ووسيلة لمعالجة الطغيان عند الحكام، ذلك المرض الذي يهدد الأمن والسلام في المجتمع، ويسلمه إلى العنف والدمار.
رابعاً: البعد العبادي الأول:
ويتمثل بمجموعة من محرّمات الإحرام وهي:
الجدال والفسوق بما يشمل أسباب المفاخرة والكذب، وهو أخطر من الجدال وإزالة الشعر، وتقليمُ الأظــفار كلا أو بعضــاً وقلع الضرس ولو لم يدمِ، وقلع الشجر والحشيش النابتين في الحرم، وقطعهما، وقتل هوام الجسد (القمل والبرغوث ونحوهما) وكذا هوام جسد الحيوانات، وصيد البر اصطياداً وأكلا … والطيور حتّى الجراد بحكم الصيد البري، و لبس السلاح إلاّ لضرورة .
وتمثل هذه المحرّمات وسيلة وقائية وظيفتها الحيلولة دون حصول البغضاء والشحناء في مجتمع الحجيج، الذي يراد منه أن يكون قدوة في المحبة والوئام، ولمنع ظهور أي سبب أو مقدمة يمكن أن تؤدي إلى الإخلال بالأمن الاجتماعي ووسيلة تربوية تمنع الإنسان من الإضرار بما تشبه الكائن الحي. فإنّ الشعر والأظفار والأضراس أجزاء ميّتة من الإنسان، لكنها تشبه الكائن الحيّ من جهة النمو، ولأجل هذا الشبه بالحياة،
فالحاج ينبغي له احترام هذه الحياة وإن كانت تعدّ صوراً بدائية من الحياة. بل وإن كان الحاج يعدّها صوراً من الحياة مضرّة بالإنسان، فالحاج عليه أن يحافظ على تقديسه لها تمسكاً بمبدأ تقديس أصل الحياة.
وليس من شك أنه سيتلقى من وراء هذا التمسك دروساً أخلاقية رائعة تعلّمه كيف ينبغي له أن يتعايش مع الكائن الحي الذي يلتقي معه بمصلحة معيّنة، بل مع الكائن الحي الذي لا أهمية لحياته وهو مضرّ به. وكيف ينبغي عليه أن لا يفكر في التخلص منه. بل يفكر في وسائل التعايش معه ليعكس ذلك على حياته الاجتماعية، التي تمتلئ بصور كثيرة من العلاقات، التي تتّسم بالتنافر وعدم الانسجام، والتي يسرع الإنسان فيها عادة إلى التفكير في وسائل للتخلص من الطرف المقابل له.
ومن الملاحظ أنّ محرّمات الإحرام تشتمل على تحريم الوسائل المباشرة، وغير المباشرة المؤدية إلى زعزعة الأمن. ولا تشتمل على تحريم الاعتداء نفسه على حياة الإنسان. فكيف دخلت مقدّمات الاعتداء حتّى البعيدة منها في دائرة المحرّمات؟ بل كيف حولت هذه المحرّمات قسماً من مقدّمات السلام البعيدة إلى واجبات هامّة، بينما لم تُدخل في عِدادها المقدّمة الكبرى لزعزعة الأمن وهي الاعتداء نفسه؟
خامساً: البعد العبادي الثاني:
ويتمثل بلباس الإحرام، الذي يرتديه الحاج، بعد أن يخلع ثيابه العادية ضمن عملية واضحة الأهداف والدلالات. فالحجّ وظيفة ذات أبعاد عالميةتتكامل مع مشروع عالمية الإسلام الذي يستوعب العقيدة والشريعة الإسلامية. ويتّخذ من الحج مرتكزاً فعالا، ووسيلة مهمة من وسائله التطبيقية; لأنّه ممارسة روحية يقدم عليها المسلم بكلّ قلبه ومشاعره، وبطوع اختياره، تبدأ بتقطيع كلّ أشكال العلاقات العنصرية، التي تربطه مع الأهل والعشيرة والوطن، وتنتهي بالتلبس بعلاقات توحيدية عالمية خالصة. فأوّل عمل يقوم به الحاج: هو توديع الأهل والأقارب والعشيرة والوطن، متّجهاً إلى حياة تخيم عليها الروح العالمية الخالصة، فلا أبناء ولا وطنَ ولا لغةَ قومية ولا زيَّ قومياً في الحج. وإنما علاقات إنسانيّة هي علاقة التوحيد، ووطن عالمي سواء فيه العاكف والباد، وهو مكة. ولغة عالمية هي اللغة العربية. وزيٌّ عالمي هو الإحرام، الذي تتساوى فيه الطبقات الاجتماعية المختلفة، وتُمحى عنده الفوارق العنصرية، ومحور موحّد تطوف حوله وفود الحجيج وهو الكعبة، التي يرمز الطواف حولها إلى بلوغ المؤمن نهاية القرب من الله ـ سبحانه وتعالى ـ الذي تتقطع عنده أسباب الدنيا، وعلاقات الأرض العنصرية، وتتكامل على انقاضها العلاقات الروحية.
وليس من شك أن الدور العالمي الذي يلعبه الحجُّ في المجتمع الإسلامي دورٌ سلمي وقائي، يحمي المجتمع من أخطار التمزّق العنصري، التي لم يكن في التأريخ ما هو أشدّ منها خطراً على قضية السلم والأمن في العالم. فالحجّ من هذه الجهة نوع من التربية الروحية، والفكرية المركّزة والعميقة في الاتجاه العالمي للإسلام .. .

الصفحة (4)

أسس الثورة في الحج الإبراهيمي‏942007-033126AM

– خلع الثوب الدنيوي:
أول خطــوة للحــاج إلى بيت اللَّه الحـــرام في أداء الواجب لباس الإحــرام، وهــــو عبارة عــن ثوبيــن غيـــر مخيطين للرجل يأتزر بأحدهما ويضع الآخر على كتفيه، وعبارة عن ثياب تستر جسد المرأة كما هو الستر الشرعي ولا تغطي وجهها،هــذا اللبـاس مقدمة للتخلي عمـــا عــداه، ويرافقه محرمـــات الإحـــرام كالطيب ولبــس الحلــي والنظـر فـــي المرآة وتقليم الأظافروغيرها.
فالمطلوب هو الستر المجرد من الزينة مما يُسقط كل الاهتمامات التي تركز على الجمال والمظاهر الدنيوية ليحل محلها الاهتمام بالعبادة والصلة مع اللَّه جلَّ وعلا.
إنه بداية خلع الثوب الدنيوي من نفس الإنسان ليستبدله بالثوب الأخروي في الإقبال على اللَّه تعالى ليوم الحساب، فكما يترك ملابسه وزينته في الدنيا ويلبس الكفن عند موته فإنه يعيش حالة من تربية النفس وتعبئتها لتكون مهيأة بعد للخطوات الأخرى في الحج حتى تأخذ الشحنة المعنوية والروحية الكافية للاستفادة من هذه العبادة العظيمة، وكما قالت السيدة الزهراء عليها السلام: «جعل اللَّه … الحج تشييداً للدين»، لأن اجتماع أعداد كبيرة من الأمة الإسلامية في مكان واحد وزمان واحد يقوي بنيان الإسلام عندما يتأسس العمل على التقوى.
والثورة هي الخروج على المألوف وعدم البقاء في ظواهر الأشياء بل الوصول إلى حقائق الأشياء ولبابها.
– الوحدانية:
كل خطوات الحج تتمركز حول الوحدانية للَّه تعالى، فالطواف حول الكعبة الشريفة دوران حول الأمر الإلهي، فهو ثورة كبرى حيث تتصل القطرة بالبحر المتلاطم فيزيح كل الحواجز والعوائق التي تمنع البشر عن الوصول إلي حياة مفعمة بالوئام والوحدة، والسعي بين الصفا والمروة حركة باتجاه الأمر الإلهي، والقص أو الحلاقة تعبير عن لفظ الآثام التي تبعد عن اللَّه تعالى، ورمي الجمرات رمي للشياطين في منعهم للإنسان من التفاني في حب خالقه وطاعته، والذبح تضحية في دائرة العطاء للَّه جلَّ وعلا … إنها تعبئة روحية بكل المعاني ليكون الفرد مسلَّحاً بالعلاقة مع اللَّه وما تعنيه من قدوة وإيمان وانضباط ضمن الأوامر والنواهي الإلهية، يقول الله تعالى: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق‏ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعمله الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب).
– المعركة مع الشيطان:
عتد رمي الجمرات يعتبر الحاج في مواجهة حقيقية مع الشياطين، فيرمي الجمرة من كل قلبه، ويشعر باقتلاع الشيطان من جذوره، ويخرج مرتاحاً لما أنجز من أداء شعائر اللَّه تعالى، إنها خطـــوة للحيـاة، لأن المواجهة لن تتوقف أبداً:( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه).
وفي هذه المحطة مواجهة حقيقية مع العدو الأكبر مع بؤرة الشر والفساد الذي يجب أن يرجم في أول مرحلة للرمي كي يسهل ما بعده.
– الإعــــــداد:
وهل يمكـن مواجهة العدو الظاهري بدون إعـداد؟ فـإذا كـان العــدو الداخلـي يحتــاج إلى هذا الإعداد الكبير فحتى يكون مهيأ لمواجهة أعداء الخارج، أعداء الإنسانية،أعـداء الحـــق، وهــــو أمـــر دفاعي، فالجهاد مدافعـــة لشياطيـن الأنـــس والجـــن، ومدافعة لمؤثــرات النفــس واحتـلال الأرض، إنه طــرد لمحتـــل النفس لتنقـيتهـا من الآثـام، وطـــــردٌ لمحتـــــــل الأرض والحـق الإنسانـــي لتنقـيتها من الظلم والعدوان.

واللَّه تعالى يأمرنا بالإعداد: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)، وذلــك بهدف استخــدام القوة عندما نحتاجها، وتكون القوة بقدر استطاعتنــا، لكـــن لا يجـــوز إهمـــال الاستعــداد والتهئية لمواجهة الأعداء، فهـم لــــن يدعــونــا، فــإذا استعددنـــــا استخدمنا قوتنا عند الحاجة لها أما إذا لم نكن مستعدين فسيهزمنا العدو بأبسط أسلحته بل بمجرد التهديد بها، إذا كنا أقوياء نحافظ على حقوقنا ونحمي ساحتنا ونحرر أرضنا ونحصل بالحد الأدنى على فرصة لاسترداد أرضنا وحقوقنا، ولا يمكن الفصل بين الإعداد الروحي والإعداد المادي، وانعدام وجود الصفاء الروحي والثقة بنصر اللَّه تعالى والارتباط بأوامره، يجعل الأسلحة بلا فائدة في مواجهة العدو وتضل وظيفتها، وهنا نفهم توجيه النبي (ص) عندما تحدث مع مجموعة من المسلمين أنهت مهمتها في إحدى الغزوات قائلًا: «مرحباً يقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر قالوا وما الجهاد الأكبر يا رسول اللَّه (ص). قال: جهاد النفس».
مما يؤكد أن استمرار النجاح يتطلب إعداداً إيمانياً وإعداداً عسكرياً، والثاني فرع الأول، وما نراه من إعداد روحي في الحج فهو لمواجهةالشيطان في الحياة وبدونه لا إمكانية على الصمود، فالحاج (الإنسان) في إعداد متواصل ما إن يصل إلى نهـــاية أمـــر مــا إذ بــــه يبدأ مرحلة جديدة لإن الشيطان (المستكبرين- المفسدين) كامن في كل درب يتحين الفرصة ويترصد الإنسان (الثائر) فمتى غفل انقض عليه.
– تعبئة الأمة:
التعبئة في حقيقتها هي تعبئة روحية وثقافية وجهادية لأنها تعبير عن التوازن في الشخصية الإسلامية، ولا يمكن حماية البلد بل لا يمكن حماية حياة الإنسان إلَّا إذا قام الجميع بواجباتهم في العمل الدؤوب لتعزيز قدرات الأفراد والأمة.
وهنــا نـدرك بــأن عبــادات الإســلام والروحـــانية التــي يدعونا إليها والتقوى التي يريدنا الوصول إليها، ترتبط مباشـــرة بكل أشكـــال الحيــــاة السياسيــــة والاجتماعيـــة والجهادية والثقافية وهي تحصين للفرد في مواجهة أعــداء النفــس وأعداء البشرية، فالحـــج وفــادة إلـــى اللَّه تعالـــى لتقوية النفـــس في مواجهة شيطانها، وتأديب وتعبئة للبراءة من المشركين ومواجهة انحرافهم وعــدوانهم وتسلطهم، فالتعبئة والإعــداد متلازمـــان دائماً، فلا فائدة من تعبئة روحية يحاصــرهــــا ســوء أداء عملـــي أو إهمـــال للإعـــداد، ولا فائــدة مــــن إعــــداد عسكــــري أو مــــادي لا يتوجـــه مـــن النفــــس المؤمنـــة المطمئنة، وهنيئاً لمن أعد واستعد لوفادته إلى خالق الوجود بأعمال صالحة وانتصر على الشيطان.

الحج رحلةُ الخلاص

فؤاد الراشدي
لاتصعقوا إن صحــت أنـي كافــرُ
بين الورى وبذا المقال أجاهرُ
اضرني فحشاشتي قـد قطعــت
جسدي فإني – ما فعلتم – صابرُ
فالــدين هــذا ليـس حقــاً إنمــا
وممزقٌ قلبي وعقلي حائرُ
فإذا الصلاةُ عمودهُ وعمادهُ
ذو الدين إما جاهلٌ أو ماكرُ
وإذا الصلاة تريح قلب مقيمها
فلماذا مبنى من يصلي داثرُ
وإذا الصــلاة محبــةٌ وتواصــل
فلم المصلي دهرٍ ضاجرٌ
وإذا نهـت عــن منكـرٍ وفواحـشٍ
فلم المقيم لها حقودٌ غادرُ
وإذا الزكـاة لفقـرنا طـبّ فــذي
فلم البلاد قد احتوتها مناكرُ
فثلاثةٌ الأرباع هـم فقراء والربـــ
ـــع الأخير أميرنا والتاجر
وإذا الصيام مهذبٌ للنفس .. ما
لي عند فطري للتعفف ناحرُ
وإذا المناســك مشهــدٌ لمنافــعٍ
فلم الذهاب بالخسار نغادرُ
فالحج أصبحَ فرجةً وسياحة
كي يستريح حجيجنا والزائرُ
وإذا الجهـاد لديــن قومــي عزةٌّ
فلم ابن ديني في المذلة عاثرُ
ولِـمَ الدمــاء دمــاؤنـا مـهـدورةٌ
ورخيصةٌ فيها الذئاب تتاجرُ
كلٌّ يقـولُ الديـن نبـــع شجاعتي
فلم الهوان وسيف مرحب قاهرُ
ولِمَ العدى أمنت سيوف أسودنا
ويمزق الأخ صارمٌ وخناجرُ
إن كـان لاتؤتي الشعائــر أُكلــها
فلم الجهود لكي تقام شعائرُ
إن كان ديني خير دين في الورى
فلأي شيءٍ شر قومي سافرُ
إن كــان يجعل تابعيـة أعاظمـاً
فلم الصَّغار وجاحدوهُ أكابرُ
ولــذا كفــرت بهكذا ديــنٍ غــدا
يجنيهِ أذنــابٌ وغــرب فاجـــرُ
فســريتُ أبحث جاهــداً فتعرفت
روحي على الدينِ العظيم الناضرُ
ديـــن النبــي محمــد لاغيــرهُ
من يتخذهُ هدىً فما هو خاسرُ
فيــه الصــلاةُ محبة وتواصــل
فهي الندى وهي النعيم الوافرُ
هــي لــذةٌ أبديــهٌ لمقيمــهــا
ذاك الذي نحو الحقيقةِ سائرُ
هي صرخةٌ ضد الطغاة مقيمها
بالجبت والطاغوت حقاً كافرُ
فالله أكبــــرُ قالهــــا متيقنـــاً
إذ ماسوى الأعلى الكبيرِ أصاغرُ
فيه الزكاة بلاسمٌ لجروح من
أدماهمُ جوعٌ ووحشٌ كاسرُ
ثوب لمن قد أحرقت أجسادهم
وكواهمُ لهب الطغاة الساعرُ
فيه الصيام طهارة الأرواح من
قذرٍ فيرقى كل من هو ذاكرُ
والحجُ منهج رحلةٍ وخلاص من
هو مقتفٍ أثر الخليل الثائرُ
في الكعبة العظمى يحقق ذاتهُ
وعلى الصفا تصفو هناك مشاعر
وبزمزمٍ تحيا زهور قلوب من
قد أحرقتها مظالمٌ وهواجرُ
وعلى ربا عرفات نعرف قصدنا
حقاً فنحن إلى الحبيب نسافرُ
حجاج بيت الله إن تتأملوا
سر الوجود هنالكم هو ظاهرُ
نادى الخليلُ بكم فهل من مقتدٍ
في قبضتيهِ فأس حقٍ باترُ
هي تلكمُ الأصنام طبعاً جَددت
ومليكها النمرود ربٌ قاهرُ
بمنىً تُحقق كلُّ أمنيةٍ لكم
صنمٌ يهدُ ويُرجم المتأمرُ
وسيُسقِط النمرودَ من عليائهِ
إعصار أحرار الشعوب الهادرُ
وتحرر الأقصى وكل بلادنا
من قبضة الغرب اللعين الكافرُ
ويعود هذا الدين ديناً مشرقاً
ولسوف يغمرنا الصباح الزاهرُ
وينور الأكوان وجهُ محمدٍ
ويضمخ الدنيا أريجٌ عاطرُ